في عموم الفأل مِنْ حُسْنِ الظنِّ بالله تعالى | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٠٦

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الألوهية والعبادة

في عموم الفأل مِنْ حُسْنِ الظنِّ بالله تعالى

السؤال:

شيخَنا ـ حَفِظَكم الله ـ هل قولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يُعْجِبُني كذا»، هو مِنْ بابِ طبيعته البشرية أم أنَّه يدلُّ على حكمٍ شرعيٍّ؟ مِثْل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ»، قَالَ: قِيلَ: «وَمَا الفَأْلُ؟» قَالَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» رواهُ الشيخان(١).

وفي الحديث السابق: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» هو مُكوَّنٌ مِنْ جُزْأين مُعرَّفين، وهذا يُفيدُ الحصرَ؛ فهل نقول: إنَّ الفَأْلَ محصورٌ في الكلمة الطيِّبة أم أنه يَشْمَلُ غيرَها؟ بارَك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فمَعْنَى: «يُعْجِبني» أي: يَسُرُّني الفألُ لكونه تأميلَ خيرٍ، وتأميلُ الخيرِ مطلوبٌ؛ لأنَّ الطِّيَرةَ سوءُ الظنِّ بالله، والفألَ حُسْنُ الظنِّ بالله، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أبانَ عن مقتضى الطبيعة البشرية، وحُبِّ الفطرة الإنسانية التي تَميلُ إلى ما يُوافِقُها ويُلائِمُها كما أَفْصَحَ عن ذلك ابنُ القيِّم(٢) ـ رحمه الله ـ، مِثْلَ حُبِّه صلَّى الله عليه وسلَّم الحَلْواءَ والعسلَ(٣)، وقال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ..»، وذَكَرَ: النِّسَاءَ والطِّيبَ(٤)، وكان يُحِبُّ حُسْنَ الصوتِ بالقرآن والأذان، وبالجملة كان يُحِبُّ كُلَّ كمالٍ وخيرٍ وما يُفْضي إليهما.

هذا، والحصرُ الذي يُعبِّرُ عنه الأصوليون بتعريفِ الجزأين كما في حديثِ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»(٥)، فإنَّما يَقَعُ الحصرُ في الخبر، ومفهومُه: أنَّه لا يمكنُ الدخولُ في الصلاة إلَّا بالتكبير، ولا يُخْرَجُ منها إلَّا بالتسليم، وهو مذهبُ الجمهور، خلافًا للأحناف والظاهرية.

والقاعدة: أنَّ هذا الأسلوبَ يُفيدُ الحَصْرَ ما لم يَرِدْ دليلٌ على مَنْعِه؛ فيصارُ ـ عندئذٍ ـ إلى الدليل، وظاهِرُ الحديثِ أنه يُفيدُ العمومَ والاستغراقَ لكُلِّ كلمةٍ يكون طريقُها الخيرَ، وأنَّ الفأل ليس محصورًا في الكلمة الطيِّبة، بل هو شاملٌ لكُلِّ ما يَنْشرِحُ به الصدرُ ويُؤَمَّلُ به الخيرُ، سواءٌ كانَتْ كلمةً طيِّبةً أو اسْمًا حَسَنًا أو شخصًا صالحًا أو مكانًا طيِّبًا مَرَّ عليه؛ فهذه كُلُّها داخلةٌ في حُسْنِ الظنِّ بالله تعالى؛ ولهذا كان يُعْجِبُه الفألُ؛ لأنه مِنْ حُسْنِ الظنِّ به سبحانه وتعالى.

وممَّا يدلُّ على عدَمِ حَصْرِه في الكلمة الطيِّبة أنه لَمَّا أَقْبَلَ سُهَيْلُ بنُ عمرٍو في قصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ ليَتفاوَضَ مع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ورآهُ مُقْبِلًا قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «سُهِّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»(٦)؛ فكان على نحوِ ما أَمَّلَ؛ فحَصَلَ بمجيئه الخيرُ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) أخرجه البخاريُّ في «الطبِّ» باب: لا عَدْوَى (٥٧٧٦)، ومسلمٌ في «السلام» (٢٢٢٤)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(٢) «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (٣/ ٣٠٦).

(٣) انظر الحديثَ الذي أخرجه البخاريُّ في «الأطعمة» باب الحَلْواء والعسل (٥٤٣١)، ومسلمٌ في «الطلاق» (١٤٧٤)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه النسائيُّ في «عشرة النساء» بابُ حُبِّ النساء (٣٩٣٩)، والبيهقيُّ ـ واللفظُ له ـ (١٣٤٥٤)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣١٢٤).

(٥) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابُ فرضِ الوضوء (٦١)، والترمذيُّ في «الطهارة» بابُ ما جاء أنَّ مفتاح الصلاةِ الطُّهورُ (٣)، وابنُ ماجه في «الطهارة وسننها» باب: مفتاحُ الصلاةِ الطُّهورُ (٢٧٥)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٨٨٥).

(٦) أخرجه البخاريُّ في «الشروط» باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (٢٧٣١) مِنْ حديثِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمة رضي الله عنهما ومروان بنِ الحَكَم.