في حكم علاج المتأخرين في النطق بالموسيقى | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 17 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 16 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٢٣

الصنف: فتاوى طبِّية

في حكم علاج المتأخرين في النطق بالموسيقى

السؤال:

ما حكم استعمال موسيقى يعزفها الطبيب تتبعها جملٌ خاصَّةٌ، يتمرَّن عليها المتأخِّر في النطق، وقد صارت هذه الطريقة العلاجية تُسْتَعمل في البلدان المتقدِّمة، وأظهرت نجاحًا كبيرًا في مساعدة المرضى على الشفاء؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّ الأصل في الأصوات حناجرُ الآدميين وسائر الحيوانات، وإنما وُضعت الموسيقى وآلاتها من صوت دفٍّ ومزمارٍ وأوتارٍ وطبلٍ متناسقةً وموزونةً على أصوات الحناجر، إذ المزمار مشتقٌّ من الزمير وهو الصوت الذي له صفيرٌ، ويُطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وسمِّيت به الآلة المزمَّر بها من باب التشبيه للصنعة بالخلقة.

وقد وردت في المعازف وآلات الطرب نصوصٌ وآثارٌ تنهى عنها، اعتبر الكثير في النهي التحريم كأصل لها، وما صحَّ خارجًا عنه فهو إمَّا مستثنى من الأصل المحرَّم أو مخصوصٌ من دليل المنع كالدفِّ في الأعياد والأعراس بدليل قصة الجاريتين(١)، والحبشة(٢)، وحديث:"أعلنوا النكاح"(٣).

غير أنّ بعض أهل العلم توسّع في إباحة آلات الطرب إلحاقًا بالدف، وأجاز آخرون منها إلاّ ما كان من شعار أهل الشرف والمخنثين كما أدخلوا في معنى العيد والعرس كلّ أسباب الفرح.

وتظهر علّة النهي إنّما هي لذة الاستماع الشاغلة للقلب واللاهية عن الذكر، لذلك أضافها أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قصة الجاريتين إلى مزمار الشيطان الآمر بالفحشاء والمنكر، والصاد عن ذكر الله وعن الصلاة على ما أشارت إليه الآيات، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر أنّ هذا الذم ليس في محلّه لأنّ اليوم يوم عيد، وفيه من جهة أخرى إقراره على ما عداه.

هذا، وعند التأمل فإنّ توسيع مجرى الحكم-في نظري- يرجع إلى مسألة أصولية مختلف فيها المتمثلة في: المخصوص من جملة القياس هل يقاس عليه غيره؟ فيتفق الأصوليون على جواز القياس إذا كان معللا أو مجمعا على جواز القياس عليه، ويختلفون فيما عداه، أجاز الحنابلة والشافعية والقاضي المالكي إسماعيل بن إسحاق فإنّه يمكن توسيع دائرة الحكم الشامل لمعنى العيد والعرس وسائر أسباب الفرح، ولا يلزم من إباحة الدّف جواز سائر أدوات الطرب لكونه مستثنى من عموم النهي عن المعازف من غير عقل لمعناه فلا يدخل في الحكم الأول ولا يشمله القياس إذ أنّه من شرط حكم الأصل أن لا يكون معدولا عن سنن القياس، وحينئذ تتعذّر التعدية ويبقى الحكم فيما عداه على الأصل.

هذا، وقد أوضحت الشريعة الغراء أنّ لكلّ داء دواء بعيدا عن الحرام، لأنّ الحرام لا يتعيّن للعلاج وليس محلا للمداواة به، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءًً فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»(٤) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم»(٥).

ولعلّ أحسن علاج لمرضى النطق أن يستشفوا بكتاب الله وتلاوة آياته وقد يسّره الله للذكر وجعل فيه الشفاء للقلوب والدواء للأبدان، قال تعالى:﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ للذِّكْرِ فَهَلْ مِن مدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الإسراء:٨٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾[فصلت:٤٤]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَة مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾[يونس:٥٧].

فرحم الله عبدا عالج نفسه بما فيه مرضاة الله تعالى ممّا استحبه وأمر به أو ممّا أباحه من الطيّبات.

والعلم عند الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّـد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


(١) أخرجه البخاري في «العيدين» باب سنة العيدين لأهل الإسلام (٩٥٢)، ومسلم في «صلاة العيدين» (٨٩٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا»

(٢) أخرجه البخاري في «الصلاة» باب أصحاب الحِرَاب فِي المسجدِ (٤٥٤)، ومسلم في «صلاة العيدين» (٨٩٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ».

(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٦/ ٥٣)، من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وحسّنه الألباني في «صحيح الجامع» (١٠٧٢).

(٤) أخرجه أبو داود في «الطّبّ»، باب في الأدوية المكروهة (٣٨٧٤)، والبيهقيّ في «السنن الكبرى» (١٠/ ٩)، من حديث أبي الدّرداء رضي الله عنه. والحديث حسّنه الأرناؤوط في تحقيقه ﻟ«جامع الأصول» (٧/ ٥١٢)، وانظر «السّلسلة الصّحيحة» للألبانيّ (٤/ ١٧٤).

(٥) أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم في «الأشربة» باب شراب الحلواء والعسل، (٧/ ١١٠)، قال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٧٩): «وأخرجه بن أبي شيبة عن جرير عن منصور، وسنده صحيح على شرط الشيخين»، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ١٧٥): «وإسناده صحيح».