في صحَّة صورة الشابِّ المعذَّب في قبره وحكم ترويجها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٣

الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - اليوم الآخر

في صحَّة صورة الشابِّ المعذَّب في قبره
وحكم ترويجها

السؤال:

انتشرَ في ساحةِ الدعوةِ قرصٌ يحتوي على صُوَرٍ لشابٍّ يقال أنَّه أُخرِج من قبرِه، بعد ثلاثِ ساعاتٍ من دفنِه، ووُجِدَ على جسدِه آثارُ تعذيبٍ نُسِبَتْ لعذابِه في القبرِ، وأرجعوا ذلك لكونِ الشابِّ منحرِفًا، تاركًا للصلاةِ، وقد قام البعضُ بنشرِه، فهل هذه الآثارُ يمكن أن تكونَ نتيجةَ عذابِه في القبرِ؟ وهل يجوز ترويجُ هذا القرصِ كأسلوبٍ دَعَوِيٍّ؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فمعتقَدُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ عذابَ القبرِ حقٌّ، يجب الإيمانُ به، لثبوتِه بنصوصٍ شرعيةٍ مُتكاثِرةٍ ومتواتِرةٍ، وأنَّ النعيمَ والعذابَ يقع على الروحِ والبدنِ جميعًا باتِّفاقِ أهلِ السُّنَّةِ، وتُنَعَّمُ الروحُ وتُعَذَّبُ مفردةً عنِ البدنِ ومتَّصِلَةً به، أي: أنَّ الروحَ تبقى بعد مفارَقَةِ البدنِ منعَّمةً أو معذَّبةً، وأنها تتَّصلُ بالبدنِ أحيانًا، فيحصل معها النعيمُ والعذابُ سواء قُبِرَ الميِّتُ أو لم يُقْبَرْ، غيرَ أنه لَمَّا كان الغالبُ على الموتى أنهم يُقْبَرون كان ألصقَ في التسميةِ، فمَنْ لم يُدْفَنْ مِن مصلوبٍ ونحوِه ينالُه نصيبُه من فتنةِ السؤالِ، وضغطةِ القبرِ أيضًا، قال ابنُ القيِّمِ في كتابِ «الروح»: «ممَّا ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ عذابَ القبرِ هو عذابُ البرزخِ، فكلُّ من مات وهو مستحِقٌّ للعذابِ ناله نصيبه منه قُبر أم لم يُقبر، فلو أكلته السباع، أو أُحْرِقَ حتى صار رمادًا ونُسِفَ في الهواءِ، أو صُلِبَ، أو غَرِقَ في البحرِ، وصل إلى روحِه وبدنِه من العذابِ ما يصل إلى المقبور».

وعليه، يتجلَّى واضحًا أنَّ الذي يحول دون تصديقِ صورةِ المعذَّبِ في قبرِه واعتقادِ صحَّتِها عدَّةُ موانعَ منها:

أوَّلاً: إنَّ دارَ البرزخِ عكسُ دارِ الدنيا، إذ الأرواحُ تابعةٌ للأبدانِ في أحكامِ الدنيا، حيث إنَّ العقوباتِ الدنيويةَ تقع على البدنِ الظاهرِ، وتتألَّم الروحُ بالتبعيةِ، أمَّا في أحكامِ البرزخِ فتقعُ على الأرواحِ، والأبدانُ تبعٌ لها في نعيمِها وعذابِها، فكان العذابُ والنعيمُ على الروحِ بالأصالةِ والبدنُ تابعٌ للروحِ كما قرَّره ابنُ القيِّم رحمه الله.

ثانيًا: إنَّ اللهَ تعالى جعل أمْرَ البرزخِ والآخرةِ غَيْبًا وحَجَبَهُ عن إدراكِ العقولِ في هذه الدارِ، وذلك من كمالِ حِكمتِه وليتميَّزَ الذين آمنوا بالغَيبِ عن غيرِهم، لذلك لا يجوز قياسُ أحوالِ البرزخِ والآخرةِ على أحوالِ الدنيا لافتراقِ أحوالِهما.

ثالثًا: ولأنَّ اللهَ تعالى لم يُسْمِعِ الأحياءَ من الآدميِّين أصواتَ المعذَّبين في قبورِهم، لقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ»(١)، فلِحِكمةِ اللهِ الإلهيةِ، وغَلَبةِ الخوفِ عند سماعِه، كتمه اللهُ عنَّا حتَّى نتدافنَ، لعدمِ القدرةِ على سماعِ شيءٍ من عذابِ اللهِ في هذه الدنيا، فكذلك صورةُ العذابِ أُخْفِيَتْ علينا لعدمِ وجودِ الطاقةِ على النظرِ إلى شيءٍ من عذابِ اللهِ تعالى في هذه الدارِ، لضعفِ القُوى.

هذا، وبغضِّ النظرِ عن تأثيرِ هذه الصورِ في العامَّةِ، واستعمالِها كأسلوبٍ دَعَوِيٍّ، فإنَّ الدعوةَ إلى اللهِ بفسادِ المعتقدِ لا تُشْرَعُ؛ لأنَّ الغايةَ لا تبرِّرُ الوسيلةَ، والنيَّةُ الحسنةُ لا تبرِّر الحرامَ، لذلك فالتجارةُ بها وترويجُها يتبعه في حُكْمِ المنعِ، لما فيها من القدحِ في سلامةِ الطويَّةِ وصحَّةِ السريرةِ.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ من المحرَّم ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٠ فبراير ٢٠٠٦م


(١) أخرجه مسلم في «الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها» (٢٨٦٧)، من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.