نصيحةٌ للمرأة التي تُوُفِّيَ ولدُها الصغير | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 19 صفر 1441 هـ الموافق لـ 18 أكتوبر 2019 م

الفتوى رقم: ٢٤٩

الصنف: فتاوى الأسرة - المرأة

نصيحةٌ للمرأة التي تُوُفِّيَ ولدُها الصغير

السؤال:

أمٌّ تريد مِنْ حضرتكم جوابًا كافيًا شافيًا ليطمئنَّ قلبُها، وبارك الله فيكم.

كنتُ طالبةً في جامعتكم وانقطعتُ عن الدراسة، وبعد عامٍ تزوَّجْتُ فسكنتُ مع أناسٍ جُهَّالٍ (أصحاب القرى) في بناءٍ فوضويٍّ، ثمَّ رُزِقْتُ بفلذةِ كبدي، ثمرةِ فؤادي، قُرَّةِ عيني، تربَّى بين أحضاني، لم أغفل عنه ثانيةً واحدةً، كنتُ له أمًّا وطفلةً صغيرةً وأستاذةً، كنتُ أحفِّظه القرآنَ والأدعية، كانَتْ فيه كُلُّ الأوصاف الحميدة، فمَلَأ عليَّ البيتَ، حتَّى أنه يُناديني ﺑ: «أمِّي حياتي» (عمره عامان ونصف).

ولكن قبل (١٥) يومًا مِنْ وفاته، جاءت جارتي إليَّ لأعطيَها الشّبَّ (حجرة بيضاء) لأنَّ أحَدَ طفلَيْها مريضٌ، وكانَتْ هذه الأخيرةُ تكرهني، وهذا ظَهَر لي بلسانها وليس تخيُّلًا، وبعد وقتٍ قصيرٍ شمَمْتُ رائحةً كريهةً جدًّا فخِفْتُ كثيرًا منها، وكأنِّي شعرتُ بأنَّ هذا المفعولَ صُنِع لابني، فمِنْ ذلك اليومِ تغيَّر ابني تغيُّرًا كُلِّيًّا، فكان شعاره: «اتركيني أفعل ما أريد»، يحبُّ الخروجَ، يحبُّ اللعبَ، فإذا نام لا ينهض حتَّى أُوقِظَه، وجهُه تغيَّر وجسمُه ووو...

يوم الأربعاء (١٨) أوت رأيتُ في المنام أنَّ جنِّيَّةً دخلَتْ بيتي وخطفَتْ منِّي شيئًا عزيزًا، ولكِنْ لا أدري ما هو، فكان خروجُ تلك الجنِّيَّةِ هو نفسُه آخِرَ خروجِ ابني مِنَ البيت لآخِرِ مرَّةٍ، فقبَّلني فلذةُ كبدي مِنْ جبهتي وخرج كعادته يجلس أمام عتبة الباب، فناداه طفلٌ مِنَ الجيران عمرُه لا يتجاوز تسعَ سنواتٍ وأنا أنظر، ولم ألفظ أيَّ كلمةٍ، فدخلتُ إلى البيت، ثمَّ شعرتُ بشيءٍ يخنقني، فخرجتُ فجأةً كأنَّ منبِّهًا نبَّهني، فناديتُ ابني فلم أجِدْه، في طرفة عينٍ وصلني خبرُ وفاةِ ابني ثمرةِ فؤادي بأنه رُمِي في حفرةٍ بعيدةٍ عن البيت عمقُها أكثرُ مِنْ (٠٤) أمتارٍ أو ما يزيد.

يا شيخ؛ أُؤمن بالقضاء والقدر خيرِه وشرِّه، لا يُصيبُنا إلَّا ما كَتَبه اللهُ لنا؛ ولكن ليطمئنَّ قلبي فقط:

هل فلذة كبدي مات لأنه مسحورٌ؟

هل تُوُفِّي لأنِّي تركتُ ابني يخرج؟

هل تُوُفِّي لأنَّ ابنَ الجيران ظالمٌ؟

وما حكم شريعتنا فيمَنْ قَتَل نفسًا بريئةً طاهرةً؟

نصيحةً مِنْ حضرتكم لكي لا أقول في يومٍ مِنَ الأيَّام: لماذا لم أفعل ولماذا فعلتُ و...؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلمي ـ صبَّركِ الله تعالى وأخلفكِ خيرًا منه ـ أنه ما أُعْطِيَ أحَدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ مِنَ الصبر، فقَدْ ثَبَت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(١)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم لابنته ـ وقد أرسلَتْ إليه تطلب حضورَه إذ ولدُها قد احتُضِرَ ـ فقال لرسولها: «ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا: أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى؛ فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»(٢).

هذا، وإنما تُنالُ درجةُ الصبر في المصائب بترك الجزع والمبالغةِ في الشكوى وإبرازِ الكآبة وتغيير العادة في المأكل والملبس والمفرش؛ لذلك فالواجبُ إظهارُ الرِّضا بقضاء الله تعالى والبقاءُ على عادتكِ مِنْ غير تغييرٍ، ولا يُخْرِج عن مَقامِ الرِّضا توجُّعُ القلبِ وفيضانُ الدمع لكونه مِنْ مقتضى الجنس البشريِّ.

نعم، للسحر حقيقةٌ، وهو عملٌ شيطانيٌّ بلا شكٍّ، ومنه ما يؤثِّر في القلوب والأبدان فيُمْرِضُ ويقتل ويفرِّق بين المرء وزوجِه، وتأثيرُه بإذن الله الكونيِّ القدريِّ، وقد جاء في التنزيل قولُه تعالى: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢ [البقرة]، لكنَّ مِنْ صلاحِ العبدِ اجتنابَ حملِ الناس على التُّهَمِ وسُوءِ الظنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞ [الحُجُرات: ١٢]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ»(٣)؛ لذلك ينبغي دفعُ وسواسِ سوء الظنِّ بالآخَرِين وعدمُ التحقُّق منه في نفسكِ بعقدٍ ولا فعلٍ، لا في القلب ولا في الجوارح، إلَّا إذا انكشفَتْ لك حقيقةُ أمرِه بوضوحٍ لا يقبل التأويلَ.

وأختم كلامي هذا بما أخرجه الشيخان وغيرُهما مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا: «لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ»، قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا قَالَتْ: «يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟» قَالَ: «لَا»، قَالَتْ: «فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ»، قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: «تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي»، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا»»، وفي روايةٍ للبخاريِّ: «فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ»(٤)، ولعلَّ في هذه القصَّةِ العبرةَ الكافية، نسأل اللهَ تعالى المانَّ بفضله على جميع خَلْقه أَنْ يوفِّيَ صبركِ(٥) الأجرَ الموعود في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠ [الزمر: ١٠]، كما نسأله تعالى العفوَ والعافية في الدِّين والدنيا والآخرة، لنا ولجميعِ المسلمين. 

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ مِنَ المحرَّم ١٤٢١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ أفريل ٢٠٠٠م

 


(١)      أخرجه مسلمٌ في «الزهد والرقائق» (٢٩٩٩) مِنْ حديثِ صهيبٍ رضي الله عنه.

(٢)      أخرجه البخاريُّ في «التوحيد» بابُ قولِ الله تبارك وتعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ[الإسراء: ١١٠] (٧٣٧٧)، ومسلمٌ في «الجنائز» (٩٢٣)، مِنْ حديثِ أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب: لا يخطب على خِطْبةِ أخيه حتَّى ينكح أو يَدَع (٥١٤٣)، ومسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة» (٢٥٦٣)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» (١٣٠١)، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة» (٢١٤٤)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وانظر رواياتِ القصَّة وألفاظَها في «أحكام الجنائز» للشيخ الألباني ص(٣٥) وما بعدها.

(٥) انظر الكلمة الشهرية (٩٧) الموسومة بعنوان: «التذكرة الجليَّة في التحلِّي بالصبر والشكر عند البليَّة»، وهي مُرْفَقةٌ برسالة: «٥٤ سؤالًا في أحكام المولود» مِنَ العدد: (٧) ضِمْنَ سلسلة: «ليتفقَّهوا في الدِّين».