في حكم طاعة أب يُجبِر ولدَه على بيع الدخان، وتقديم نصيحة له | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣٠٦

الصنف: فتاوى متنوِّعة - الآداب

في حكم طاعة أب يُجبِر ولدَه على بيع الدخان، وتقديم نصيحة له

السـؤال:

أنا شابٌّ ملتزمٌ أعمل في متجرٍ لبيع الموادِّ الغذائية، ومن جملة ما أبيعه التبغ، وقد أجبرني الوالد على بيع الدخان وأنا مقتنعٌ بحرمة بيعه، لكنَّ الوالد غير مقتنعٍ بحرمة بيعه، فبماذا تنصحوني؟ هل أستمرُّ في عملي مع الوالد أم ماذا؟ وما هي نصيحتكم للوالد؟ وبارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فلا خلاف بين أهل العلم والطبِّ في ضرر التدخين وقُبح آثاره على الصحَّة والمحيط، وما أدَّى إلى ضرر فيُمنع لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ»(١)، وقد اتَّفق العلماء على ذلك بعد ما كان يروج حكمُ الكراهة من قبلُ، ولكن بعد معرفة حقيقة ضرره وتسبُّبِه في مرض السرطان والسلِّ وغيرهما تقرَّر أنه مِنَ الخبائث التي لا يجوز تعاطيها والسعي إلى بيعها أو ترويجها ولو كانت مداخيل التدخين كثيرةً، ولمَّا كان كذلك فالواجب أن لا يتعاون مع الغير فيه لِمَا فيه من الإثم والعدوان لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وما أمرك به والدُك فلا تلزمك فيه الطاعة، لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(٢)، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم -أيضا-: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(٣)، وعلى الوالد أن يتَّقيَ اللهَ في أمواله وفي نفسه وفي عياله، وقد ورد في الحديث: «مَنِ اكْتَسَبَ مَالاً مِنْ مَأْثَمٍ، فَوَصَلَ بِهِ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ جُمِعَ ذَلِكَ جَمْعًا فَقُذِفَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ»(٤).

فعلى الوالد أن يحرص على أن يُنفق على أبنائه من المال الحلال، لأنَّ المال الحرام سحتٌ، وما كان سُحْتا فالنار أَوْلى به، وعليه أن يتعاون مع جميع أبنائه على البرِّ والتقوى، وأن يشجِّعهم على الخير، وأن يقبل منهم النصيحة التي تعينه على التقرُّب إلى الله، ولا يجوز له أن يترفَّع بنفسه عن الحقِّ، بل يرضى ويُسلِّم لقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فالتسليم لقضاء الله وأحكامه من صفات أهل الإيمان وأهل التقوى والورع الذين يذبُّون عن الفضيلة ويتمسَّكون بالسنَّة فكن مثلهم تظفرْ بالقبول في الدنيا والآخرة وبالمال الحلال كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، فالحياة الطيبة: المال الحلال أوالرِّزق الحلال، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ..﴾ هذا بالنسبة للآخرة، وتلك غاية المسلم الذي يكون أقصى أمانيه دخول الجنَّة بعد رِضاء الله عنه، نسأل اللهَ لنا ولكم الإخلاص والصدق في القول والعمل، ورِضاء الله سبحانه وتعالى على كافَّة أعمالنا وأن يعفوَ عمَّا سبق إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.

الجزائر في: ٨ رمضان ١٤٢٦ﻫ
المـوافق ﻟ: ١١ أكتوبر ٢٠٠٥م


(١) أخرجه ابن ماجه في «الأحكام» (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (٨٩٦)، و«غاية المرام» (٦٨).

(٢) أخرجه البخاري في «الأحكام» باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٥)، ومسلم في «الإمارة» (١٨٤٠)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أحمد (١٠٩٥) من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠).

(٤) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٢٣٣)، من طريق القاسم بن مخيمرة وحسَّنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٧٢١).