في حكم صومِ تاركِ الصلاة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣١٤

الصنف: فتاوى الصيام - أحكام الصيام

في حكم صومِ تاركِ الصلاة

السؤال:

هل صيامُ تاركِ الصلاةِ جائزٌ صحيحٌ؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ بين أهل العلم في عدَمِ صحَّةِ صيامِ مَنْ تَرَكَ الصلاةَ مُنْكِرًا فرضيَّتَها جاحدًا وجوبَها؛ لأنه كافرٌ كفرًا مُخْرِجًا مِنَ المِلَّة قولًا واحدًا(١)، وأعمالُ الكُفَّارِ تَقَعُ باطلةً لأنَّ صحَّةَ العملِ مشروطةٌ بالإيمان، وهو ـ في هذه الحال ـ مُنْتَفٍ عنه، قال تعالى: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣[الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۢ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡ‍َٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡ‍ٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩[النور]، وقال تعالى: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨[إبراهيم].

أمَّا تارِكُ الصلاةِ عمدًا وكسلًا وتهاونًا مع الإقرار بفرضيَّتها فحكمُه مُخْتَلَفٌ فيه بين أهل العلم(٢) بين مُكفِّرٍ له لورودِ نصوصٍ شرعيَّةٍ تقضي بذلك، وبه قال الإمامُ أحمدُ وغيرُه، وغيرِ مكفِّرٍ لتارِكِها لوجودِ أدلَّةٍ أخرى مانعةٍ مِنْ تكفيره، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة وغيرُهم.

وتخريجُ هذه المسألةِ مَرَدُّها إلى حكمِ تكفيره:

ـ فمَنْ كفَّر تارِكَ الصلاةِ عمدًا وتهاونًا أَلْحَقَه بالمُنْكِرِ لفرضيتها فلم يَعْتَدَّ بصيامه وسائرِ أعمالِه ـ كما تقدَّم ـ لانتفاءِ شرطِ الإيمان الذي يتوقَّف عليه صحَّةُ عملِه وصيامِه.

ـ ومَنْ لم يكفِّره عَدَّه مؤمنًا عاصيًا ولم يُخْرِجه مِنْ دائرة الإيمان، وبناءً عليه تصحُّ أعمالُه وصيامُه لوجود الإيمان المشروط في الأعمال والعبادات.

والراجح في المسألة هو التفصيل، ووجهُه: أنَّ مَنْ تَرَكَ الصلاةَ كُلِّيَّةً ومات مُصِرًّا على الترك فلا يكون مؤمنًا ولا يصحُّ منه صومٌ ولا عَمَلٌ، وهو المعبَّرُ عنه بالترك المطلق، أمَّا مَنْ يصلِّي ويترك فهذا غيرُ مُحافِظٍ عليها وليس بكافرٍ، بل هو مسلمٌ يدخل تحت المشيئة والوعيد ويصحُّ صومُه، وهو المعبَّرُ عنه بمطلق الترك، ويُؤيِّدُه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ»(٣)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ المُسْلِمُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ المَكْتُوبَةُ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلَّا قِيلَ: انْظُرُوا: هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ»(٤)، وهذا التفصيلُ مِنِ اختياراتِ شيخِ الإسلام ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ(٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ ذي القعدة ١٤٢٦ﻫ
المـوافق ﻟ: ١٨ ديسمبر ٢٠٠٥م

 


(١) انظر تقريرَ الإجماع في: «المقدِّمات الممهِّدات» لابن رشدٍ الجدِّ (١/ ١٤١)، «المغني» لابن قدامة (٧/ ١٣١)، «المجموع» للنووي (٣/ ١٤).

(٢) انظر: «المقدِّمات الممهِّدات» لابن رشدٍ الجدِّ (١/ ١٤١)، «بداية المجتهد» لابن رشدٍ الحفيد (١/ ٩٠)، «المجموع» للنووي (٣/ ١٦).

(٣) أخرجه أبو داود في «الوتر»بابٌ فيمَنْ لم يُوتِرْ (١٤٢٠)، والنسائيُّ في «الصلاة»بابُ المحافَظةِ على الصلوات الخمس (٤٦١)، وأحمد (٢٢٦٩٣)، مِنْ حديثِ عُبادة بنِ الصامت رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٢٧١) رقم: (٣٧٠) وفي «صحيح الجامع» (٣٢٤٣).

(٤) أخرجه أبو داود في «الصلاة»بابُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «كُلُّ صلاةٍ لا يُتِمُّها صاحبُها تُتَمُّ مِنْ تطوُّعه» (٨٦٤)، والترمذيُّ في «الصلاة»بابُ ما جاء أنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ (٤١٣)، والنسائيُّ في «الصلاة»باب المحاسَبة على الصلاة (٤٦٦)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة والسنَّةِ فيها»بابُ ما جاء في: أوَّلُ ما يُحاسَبُ به العبدُ الصلاةُ (١٤٢٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٠٢٠).

(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٤ ـ ٦١٦، ٢٢/ ٤٩).