هل العموم من عوارض المعاني؟ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٣٤٢

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

هل العموم من عوارض المعاني؟

السؤال: اتفق العلماء على أنّ العموم من عوارض الألفاظ، واختلفوا في كونه من عوارض المعاني على أقوال، يذكر الإمام الطوفي أنّ الكلام على هذه المسألة طويل وليس تحتها كبير فائدة، غاية الأمر من رياضات هذا العلم لا من ضرورياته، حتى لو تُرِك لم يُخلَّ بفائدة ولهذا لم يذكره كثير من الأصوليون(١) نرجوا منكم بسط المسألة مع ذكر القول الصحيح في المسألة، وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فلا خلاف بين أهل العلم بأنّ العموم عرض لازم لما لحقه من صيغ العموم، فالعموم من عوارض الألفاظ حقيقة ويترتب على هذا القول جواز تخصيص عمومات الألفاظ الدالة على الاستغراق والشمول لجميع أفرادها باتفاق، لكن الخلاف واقع في المعاني هل لها عموم أم لا؟ ويترتب على هذا الخلاف جواز تخصيص المعاني باعتبار قابليتها للعموم أم مجردة عنه.

وما عليه جمهور أهل العلم أن العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة، وإنما هو من عوارضها مجازا، ويقابله مذهب الجصاص وابن الحاجب وغيرهم إلى أن المعاني لها عموم حقيقة كالعموم اللاحق بالألفاظ، وفي هذه المسألة قول آخر ينفي العموم عن المعاني مطلقا.

وسبب الخلاف يرجع إلى شرط العموم هل هو الاستغراق والاستيعاب أم الاجتماع والكثرة دون الاستيعاب؟ فمن راعى الاستغراق في شرط العموم واستيعابه لجميع أفراده وتسمياته رأى أن المعاني لا عموم لها، وإنما العموم من عوارض العموم حقيقة، ومن راعى الاجتماع والكثرة رأى أن العموم من عوارض الألفاظ والمعاني، ولمّا ترجح العموم بأنّه: "ما يستغرق جميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة واحدة -أي من جهة واحدة- بلا حصر" كان شرط العموم الاستيعاب لهذه الأفراد التي يتناولها اللفظ على وجه الاتحاد والمساواة في الحكم كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة [البقرة:٤٣]، فالخطاب موجه إلى كلّ المكلفين بوجوب أداء الصلاة حكما متساويا على جميع الأفراد ليس بينهم تفاوت في أداء هذا الواجب، وكذلك لو قال "أكرم الفقراء" عمَّ الحكم جميع الفقراء متناولا لهم من جهة واحدة بنِسَبٍ متساوية من غير وكس ولا شَطَط، وهذا الأمر يختلف ما إذا نظر إليه من جهة المعنى كأن يقال: "عمَّهم الخَصْب والجَذْب" و"عمَّهم المطر" و"هذا عطاء عام" ومنه "عامة الناس" فإنّ هذه المعاني وإن شاعت في لسان أهل اللغة فلا تحمل على الحقيقة حال الاستعمال لأنّه يلزم من ذلك أن يكون العموم مشتركا لفظيا بين الألفاظ والمعاني وهو خلاف الأصل، إذ الأصل الانفراد في الوضع لا الاشتراك وتكون دلالته على المعنى الآخر بالمجاز، ومن ثمَّ كانت لهذه المعاني عموم مجازا لا حقيقة، ذلك لأن من شرط العام ولازمه اتحاد لفظه من جهة واحدة لسائر متناولاته بنسب متساوية، الأمر الذي يغيب في العموم المعنوي أو المجازي لأن ذكر عموم الخصب والجذب والمطر والعطاء ينتفي منها شرط العموم المتقدم وهو تساوي نسب جميع الأفراد، بل تتفاوت النسب للعموم المعنوي ولذلك كان إطلاق العموم عليه متساهل فيه، إذ لا يخفى أن كميات سقوط المطر تتفاوت أماكنه كثرة وقلة، وكذلك الجذب والخصب والعطاء ونحو ذلك، ومن هنا يرد الاختلاف في الحكم لأنّ محالَّه غير متحدة، ذلك لأنّ المعنى وإن كان واحدا فمحالُّه كثيرة، أو يكون في كل محل معنى على حده، وكل واحد غير الآخر ولكن من جنسه، وبانتفاء اتحاد المحل في ذلك المعنى لكثرة محالِّه كان العموم من عوارض المعنى مجازا لا حقيقة، ومن جهة أخرى فإن الاستغراق في العام شامل لجميع أفراده دفعة واحدة أي في آن واحد، وهو قيد ليخرج بذلك المطلق إذ أنّ استغراقه بدلي لا دفعة واحدة، وهذه الوحدة لا تكون مشخصة إلا في الألفاظ، إذ المعاني لا تقبل التشخيص وما كان كذلك فلا يوصف بالعموم إلا على وجه المجاز.

هذا، وإذا تقرر أنّ العموم من عوارض المعاني مجازا لا حقيقة كما هو عليه مذهب الجمهور، فاعلم أن أكثر من قال بتخصيص العلة قال بأن المعاني لها عموم، انطلاقا من مفهوم قولهم:(علة عامة) إذا ثبت حكمها في المنصوص عليه وفي غيره، ولهذا جوزوا تخصيص العلة على نحو ما يجوز تخصيص النصوص العامة بالإجماع ويكون الباقي حجة بعد التخصيص.

والذي ينبني على جواز تخصيص العلة أيضا تخصيص مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) (وهو إثبات نقيض المنطوق به للمسكوت عنه) هل يبقى حجة فيما بقي من تخصيص؟ ووجه التخريج فيه شقان: أحدهما: مستقل وهو النظر إلى المفهوم هل له عموم أم لا؟ والثاني: بناؤه على مسألة جواز تخصيص العلة باعتبارها من المعاني التي بدورها يترتب  عليها الخلاف السابق هل لها عموم أم لا؟ فهو بناء خلاف على مثله، فإن صح هذا البناء على ما صحّ على غيره كان الباقي بعد التخصيص حجة وإلا فلا.

أمّا الوجه المستقل فالنظر فيه إلى قابلية المفهوم للتخصيص، ولا يخفى أن التخصيص فرع التعميم، فهل عمومه من حيث اللفظ أم من حيث المعنى؟ ووجه التخريج فيه إن كان عموم المفهوم من حيث اللفظ كان الباقي بعد التخصيص حجة، وإن كان من حيث المعنى لم يصلح الاستدلال به إلا إذا لم يخصص، فإن خصص فلا يبقى حجة إلا على رأي من قال بتخصيص العلة، وهذه الأخيرة مبنية على ما فصلناه سابقا في العموم هل هو من عوارض المعاني حقيقة أم لا؟

هذا، ومن ثمرة الخلاف في هذه المسألة أن يكون البناء مركبا على أكثر من خلاف كاختلافهم في "إنما" هل إفادتها الحصر عن طريق المنطوق أم المفهوم، ومنشأ الخلاف هل "إنما" مركبة من "إن" المثبتة و "ما" النافية أو هي معنى "ما"و "إلا"؟ فعلى القول الأخير تكون دلالتها بالمفهوم، وهل هذا المفهوم له عموم يقبل التخصيص أم لا؟ وتعود المسألة السابقة على نحو ما بيناه.

وفي الأخير، فلا يبعد أن تكون مسائل أخرى تبنى على هذه المسألة مباشرة، أو فروع على فروع أصولية مخرَّجة عليها، والعبرة في علم الأصول ربط الفروع بالمصادر تخريجا وبناء وفق النظرة المقاصدية، وكلما وسعت دائرة التخريج والبناء على مسألة كان نفعها أكثر وفائدتها أغزر وما اتصف بذلك كا أحق أن يكون من ضروريات هذا العلم ولوازمه. 

والعلم عند الله تعالى؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلّم تسليما.

 

الجزائر في ١٨ شوال ١٤٢٠ ﻫ
الموافق ﻟ :٢٥ جانفي ٢٠٠٠م

 


(١) شرح مختصر الروضة للطوفي: ٢/ ٤٥٥.