في حكم الإقامة في بلاد الكفر لطلب العلم الشرعي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣٥٠

الصنف: فتاوى متنوِّعة - العلم والعلماء

في حكم الإقامة في بلاد الكفر لطلب العلم الشرعي

السؤال:

ما حكمُ إقامة الأخ في أستراليا لطلبِ العلم الشرعيِّ بالمعهد الإسلاميِّ الثقافيِّ للرابطة الإسلامية، أو المركز الإسلامي لمسلمي أستراليا بسيدني. جزاكم الله خيرًا. 

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ كُلَّ الذرائع والأسباب المُفضيةِ إلى إسقاطِ ما أَوْجَبه اللهُ تعالى على المسلم المكلَّف مِنْ إقامة الدِّين وإظهارِ شعائره والعملِ بالتوحيد وعداوةِ المشركين وعدمِ موالاتهم؛ فإنَّ هذا السفرَ بهذا المعنى يُمْنَع شرعًا؛ لِمَا يُتخوَّف عليه في إقامته مِنِ انصهارِ شخصيته الإسلامية ضِمْنَ الدائرةِ الكفرية وتمييعِ أخلاقه وتغييرِ سلوكه ومظهره؛ الأمرُ الذي يجرُّه إلى مُوافَقتهم والرِّضا بحالهم مِنْ غيرِ إنكارٍ ولا إكراهٍ، ولا يخفى أنَّ الرضا بالمعصية معصيةٌ، والراضي بالذنب كالفاعل وإِنْ لم يعمله أو يقصده، سواءٌ كان في بلد الكفر أو بلد الإسلام، ففي الحديث: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وَقَالَ مَرَّةً: «أَنْكَرَهَا» ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(١).

وعليه فإنَّ السفر إلى بلدان الكفر مع قيامِ هواجسِ مساوئ الأخلاق والمخاطرِ الشركية ومقاصدِ عادات المشركين لا يجوز، ويدلُّ عليه قولُه تعالى ﴿إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡ [النساء: ١٤٠]، وجملةٌ مِنَ الأحاديث منها: «مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»(٢).

أمَّا إذا توفَّرَتِ القدرةُ على إظهارِ شعائر الدِّين على وجه التمام والكمال وعدمِ الموالاة للمشركين فيما هُمْ عليه بحيث تتميَّز مَعالِمُ شخصيَّتِه عنهم سلوكًا ومَظْهَرًا، وانتفَتِ المخاوفُ السالفةُ البيان؛ فإنه يجوز ـ بهذا المعنى ـ السفرُ إلى بلاد الكفر والإقامةُ بها عند الحاجة، سواءٌ للتجارة أو للدراسة وللدعوة في سبيل الله بحسب النيَّة، وقد أقرَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعضَ الصحابة ـ ومنهم أبو بكرٍ رضي الله عنه ـ على السفر إلى بلدان الكفر لأجل التجارة، ويؤكِّده حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وعائشة رضي الله عنهم مرفوعًا: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»(٣)، وتُحْمَل الآيةُ والأحاديثُ الدالَّة على النهي عن السكن مع أهل الشرك على المعنى الأوَّل.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ ربيع الثاني ١٤١٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ أوت ١٩٩٧م

 


(١) أخرجه أبو داود في «الملاحم» باب الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرْس بنِ عَميرةَ الكنديِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩).

(٢) أخرجه أبو داود في «الجهاد» بابٌ في الإقامة بأرض الشرك (٢٧٨٧) مِنْ حديثِ سَمُرةَ بنِ جندبٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٤٣٤) رقم: (٢٣٣٠).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» بابُ فضلِ الجهاد والسِّيَر (٢٧٨٣) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٦٤) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.