في تفسير آيةٍ أشكلَتْ مِنْ سورة مريم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٣٦٠

الصنف: فتاوى القرآن وعلومه

في تفسير آيةٍ أشكلَتْ مِنْ سورة مريم

السؤال:

قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩[مريم]، قال بعضُ السلف: ليس إضاعتُها تَرْكَها بالكُلِّية، ولكنَّهم يؤخِّرون الصبحَ إلى الظهر، والظهر إلى العصر .. فتَوعَّدَهم اللهُ عزَّ وجلَّ بالغيِّ.

قلت: في هذا دليلٌ على أنَّ المصلِّيَ لا يقضي الفائتةَ إِنْ تَرَكها لغير عذرٍ شرعيٍّ.

وبيانُه: أنَّ القائلين بوجوب القضاء اتَّفقوا على أنَّ المصلِّيَ ينتفع بقضائه: إمَّا بحصول الأجر أو بعدم حصول الأجر، لكِنْ مع سقوط الوِزْر، والآيةُ تردُّه وكذا الأثرُ المفسِّرُ لها؛ فالوِزْرُ باقٍ ما لم يَتُبْ، والتوبةُ تجبُّ ما قبلها.

فإِنْ كان صائبًا هذا القولُ فوجِّهونا، وإِنْ كان خطأً فصوِّبونا، وحَفِظَكم اللهُ لنا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ العلماء اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة في الآية: وما عليه الأكثرون وصحَّحه القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ أنَّ المرادَ بإضاعتها: تأخيرُها عن وقتها، وهو مرويٌّ عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم والنخَعيِّ وعُمَرَ بنِ عبد العزيز وغيرِهم، واختار ابنُ جريرٍ ـ رحمه الله ـ أنَّ معنى: ﴿أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: تركوها، وفي المسألة أقوالٌ أخرى حُمِلَ فيها لفظُ الإضاعة على مَعانٍ منها: الإخلال بشروطها، أو جحودُ وجوبها، أو إضاعتُها في غير الجماعات، أو تعطيلُ المساجد ونحوُ ذلك.

والظاهر أنَّ لفظ الإضاعة أعمُّ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ في معنًى دون آخَرَ، بل هو لفظٌ عامٌّ شاملٌ لكُلِّ أنواع الإضاعة، مع مراعاةِ تَفاوُتِ أحكامها ودرجةِ آثامها(١).

وإذا حُمِلَ اللفظُ على تفويتها ـ كما هو قولُ الأكثرين ـ فإنَّ ما رتَّبْتموه ـ استنباطًا ـ مِنْ تفسير الآية المذكور فهو ـ عندي ـ وجيهٌ يُوافِقُ مذهبَ الأكثرين في كونِ القضاء يحتاج إلى أمرٍ جديدٍ، غير أنَّ القائلين بأنَّ الواجب المؤقَّتَ لا يسقط بفوات وقته، ولا يفتقر القضاءُ إلى أمرٍ جديدٍ ـ وهُمُ الحنابلةُ وجمهورُ الأحناف وبعضُ المعتزلة ـ فإنهم يمنعون كونَ الآيةِ تَرُدُّ انتفاعَ المصلِّي بقضائه في حصول الأجر وسقوطِ الوِزْر؛ إذ الآيةُ شرعُ ما قبلنا والأثرُ تابعٌ لها تفسيرًا، وشرعُ ما قبلنا ليس بشرعٍ لنا؛ لورودِ ما يمنعه في شرعِنا؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ﴾ الآية [الإسراء: ٧٨]، والقضاءُ يُستفادُ ـ عندهم ـ ضِمْنًا مِنْ صيغة الأمر؛ إذ «الأمرُ المركَّبُ أمرٌ بأجزائه» كالأمر بالصلاة المعيَّنة في زمنِها المؤقَّت لها، فإِنْ فات الوقتُ فقَدْ تَعذَّرَ عليه أداءُ أحَدِ جزأَيِ المركَّبِ وهو خصوصُ الوقت، ويبقى الآخَرُ في الإمكان، وله أَنْ يُوقِعَه في أيِّ وقتٍ شاء لوجوبِ الإتيان بالمُمكِن؛ لأنَّ المركَّبَ مِنْ أجزاءٍ يَنسحِبُ حكمُه عليها، فضلًا عن قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى»(٢) فهو نصٌّ جديدٌ يَشْمَلُ ما وَرَدَ مِنْ تفسيرِ الآية المذكور.

والراجح ـ عندي ـ: مذهبُ الأكثرين، وما وَصَفْتُه بالوجاهة يمكن أَنْ يكون ضميمةً لأدلَّتِهم؛ وذلك لأنَّ القضاء لا يُفْهَمُ مِنْ صيغة الأمر؛ لأنَّ الأمر لا يَتناوَلُ غيرَ الوقت المقدَّر؛ ولذلك وَجَبَ القضاءُ في رمضان بأمرٍ جديدٍ، وهو قولُه تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: ١٨٤]، ولولا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أوجب القضاءَ على النائم والناسي في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا»(٣) لَمَا وَجَب، ولأنَّه لو كان القضاءُ بالأمر الأوَّل لَوَجَب قضاءُ الجمعةِ والصلاةِ للحائض، ولأنَّ الأمر بالفعل في زمنٍ مؤقَّتٍ لا يترتَّبُ إلَّا على مصلحةٍ خاصَّةٍ بذلك الوقتِ ترجيحًا له مِنْ بين سائرِ الأوقات، ولأنَّه لا حجَّةَ في التمسُّك بعموم حديثِ: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى»(٤)؛ لورودِه على سببٍ خاصٍّ وهو النذر؛ ذلك لأنَّ النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنَّما أوجَبَه العبدُ على نَفْسه؛ فصار بمنزلة الدَّيْن الذي استدانه؛ ولهذا شبَّهه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالدَّين في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ، فَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَنَجَّاهَا اللهُ، فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ؛ فَجَاءَتِ ابْنَتُهَا أَوْ أُخْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا»(٥)، والمسؤولُ عنه فيه كان صومَ نذرٍ على ما أفاده ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ، ومِنْ تمامِ الفائدة أضاف قائلًا: «لأنَّ فَرْضَ الصيامِ جارٍ مجرى الصلاة، فكما لا يُصلِّي أحَدٌ عن أحَدٍ ولا يُسْلِمُ أحَدٌ عن أحَدٍ فكذلك الصيامُ، وأمَّا النذر فهو الْتزامٌ في الذمَّةِ بمنزلة الدَّين؛ فيَقْبلُ قضاءَ الوليِّ له كما يقضي دَيْنَه، وهذا محضُ الفقه»(٦)، قال القرافيُّ ـ رحمه الله ـ في بيان مَدْرَكِ مسألةِ القضاء عند اختلال المأمور به: «هذه المسألة مبنيَّةٌ على قاعدتين: القاعدة الأولى: أنَّ الأمر بالمركَّبِ أمرٌ بأجزائه، القاعدة الثانية: أنَّ الأمر بالفعل في وقتٍ معيَّنٍ لا يكون إلَّا لمصلحةٍ تختصُّ بذلك الوقت، وإلَّا لَكان تخصيصُ ذلك الفعلِ بذلك الوقت مِنْ بين سائر الأوقات ترجيحًا مِنْ غيرِ مرجِّحٍ.

فمَنْ لاحَظَ القاعدةَ الأولى قال: الأمرُ في الوقت المعيَّنِ بالصلاة المعيَّنةِ يقتضي الأمرَ بشيئين: بالصلاة وبكونها في ذلك الوقت، فهو أمرٌ بمركَّبٍ، فإذا تَعذَّرَ أحَدُ جزأَيِ المركَّبِ وهو خصوصُ الوقتِ بقي الجزءُ الآخَرُ وهو الفعلُ؛ فيُوقِعُه في أيِّ وقتٍ شاء؛ فيكون القضاءُ بالأمر الأوَّل.

ومَنْ لاحَظَ القاعدةَ الثانية قال: إنَّ القامة ـ مثلًا ـ اختصَّتْ بصلاة الظهر لمصلحةِ ما في القامة، وما دلَّنا دليلٌ على مساواةِ غيرها مِنَ الأوقات لها، بل الظاهرُ عدمُ المساواة، وإلَّا لَمَا اختصَّتْ بوجوب الفعل؛ فلا تَثْبُتُ الصلاةُ في غير القامة لعدَمِ المصلحة في غير القامة، فإذا دلَّ الدليلُ على وجوب القضاء عَلِمْنا أنَّ الوقت الثانيَ يُقارِبُ الأوَّلَ في مصلحة الفعل، وإذا لم يدلَّ دليلٌ فلا»(٧)، وإذا تَبيَّنَ رجحانُ هذا المذهبِ تَقرَّرَ ما بيَّنْتموه في السؤال مِنْ عدمِ جدوَى القضاءِ لتحصيل الأجر أو لإسقاط الوِزْر إلَّا بعد توبةٍ تجبُّ ما قبلها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) انظر: «تفسير ابن جرير» (١٦/ ٩٨)، «تفسير القرطبي» (١١/ ١٢٢)، «تفسير ابن كثير» (٣/ ١٢٧)، «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٣٣٩)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٣٠٨).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ مَنْ مات وعليه صومٌ (١٩٥٣)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٤٨)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «مواقيت الصلاة» باب: مَنْ نَسِيَ صلاةً فلْيُصلِّ إذا ذَكَرَ، ولا يُعيدُ إلَّا تلك الصلاةَ (٥٩٧)، ومسلمٌ في «المساجد» (٦٨٤)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(٤) سبق تخريجه.

(٥) أخرجه أبو داود في «الأيمان والنذور» بابٌ في قضاء النذر عن الميِّت (٣٣٠٨) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وانظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني (١٩٤٦).

(٦) «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٤/ ٣٨٢)، وانظر: «تهذيب السنن» لابن القيِّم (٧/ ٣٨).

(٧) «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (١٤٤).