في حكم إنشاءِ جمعيةٍ متنقِّلةٍ لمحاكاة الأصوات وتقليدِ القُرَّاء | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٣٧١

الصنف: فتاوى القرآن وعلومه

في حكم إنشاءِ جمعيةٍ متنقِّلةٍ لمحاكاة الأصوات وتقليدِ القُرَّاء

السؤال:

لقد أُنشِئَتْ جمعيةٌ لإثباتِ وجودِ قُرَّاءٍ بالجزائر، يقرؤون القرآنَ الكريم أوَّلَ كُلِّ شهرٍ ابتداءً مِنْ أوَّلِ المحرَّم ١٤٢٧ﻫ، في أربعةِ مساجدَ بالعاصمة، تتكوَّن مِنْ أعضاءٍ دائمين، ولجنةٍ علميةٍ، وأعضاءٍ فرعيِّين.

هذا، وقد قَرَأ الأعضاءُ الدائمون مِنْ قبلُ في قاعة الحفلات «ابنِ خلدون»، وفي بعض المساجد بولايتَيِ الجزائر وبسكرة، ولُوحِظَ مِنْ بعضهم التأثُّرُ بقراءةِ بعض المصريين، وأخذُهم بِدَعَهم في القراءة منها: تطريبُ القراءة، والتكلُّفُ في التقليد، ووضعُ اليد على الأذن والفم، وحركاتٌ زائدة بالرأس واليد، وقولهم: «صَدَق اللهُ العظيم» نهايةَ القراءة، وتقليدُ الدعاءِ وتطريبُه دون معرفةِ معناه حيث نَقَل أحَدُهم كلماتٍ شركيةً، وغيرَ ذلك مِنَ البِدَع، فنلتمس ـ مِنْ فضيلتكم ـ تفصيلَ وبيانَ الحكم الشرعيِّ في هذه المسائل، وهل الانتقالُ للقراءة مِنْ مسجدٍ لآخَرَ مِنْ عمل السلف؟ أو هو مِنَ السياحة المنهيِّ عنها؟ وفي الأخير نرجو منكم أَنْ تقدِّموا ـ لنا ولعامَّة المسلمين وللجمعية ـ النصحَ والإرشاد، وجزاكم الله خيرًا، وفَتَح عليكم أبوابَ رحمته.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلَمْ ـ وفَّقك الله للخير ـ أنَّ قراءة القرآن بالترتيل وتحسينَ الصوت به أمرٌ مُتَّفَقٌ على الترغيب فيه، وأقوالُ العلماءِ وأئمَّةِ الأمصار والمسلمين وأفعالُهُم مشهورةٌ في ذلك نهايةَ الشهرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤[المزَّمِّل]، وقولِه تعالى: ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦[الإسراء]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»(١)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»(٢)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ البَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»(٣)، فهذا غيضٌ مِنَ الأدلَّة المستفيضة على استحبابِ تحسين الصوت بقراءة القرآن الكريم.

غير أنَّ هذا التحسين للصوت لا ينبغي أَنْ يترتَّب عليه إخراجُ القرآن عن صيغته بإخراج الحركات منه، أو إدخال الحركات فيه، ولا مدِّ مقصورٍ، ولا قصرِ ممدودٍ، ولا تحويل الحركات إلى حروفٍ؛ لذلك يَحْرُمُ قراءةُ القرآن على وجه التطريب والتلحين بالإفراط في المدِّ، وتمطيط الحروف، وإشباع الحركات؛ الأمر الذي يترتَّب عليه مفسدةُ تبديلِ صيغة القرآن الكريم وتغييرِ نهجه القويم إلى الاعوجاج المنفيِّ بقوله تعالى: ﴿قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨[الزُّمَر]، وغالبًا ما يستصحب القارئُ ـ حالَ تجويده القرآنَ بالتلحين ـ لذَّةَ الطرب والتسلية والنغمات كنقر الأصوات وأصوات المزامير، ولا يخفى أنَّ ذلك مذمومٌ شرعًا، وقد ذمَّ الله تعالى بذلك قريشًا فقال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗ[الأنفال: ٣٥]؛ ذلك لأنَّ خروجها عن حدِّ القراءة بالتمطيط يَذْهَبُ بوقار القرآن وجلالِه وشرفه، ويُخْرِجه عن المقصود منه في تدبُّرِ آياته وتفهُّمِ معانيه مِنْ أمرٍ ونهيٍ، ووعدٍ ووعيدٍ، ووعظٍ وتخويفٍ، وضربِ مثلٍ أو اقتضاءِ حكمٍ وما إلى ذلك مِنْ مضامينِ كتاب ربِّنا؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ[ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢[النساء]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤[محمَّد]، فمثلُ هذا التدبُّرِ والاعتبارِ مُوجِبٌ لزيادة الإيمان بالله تعالى على ما وَصَف اللهُ تعالى أهلَ الإيمان بقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢[الأنفال].

هذا، وأمَّا تكوين جمعيةٍ لإثباتِ وجودِ قُرَّاءٍ بالجزائر، يقرؤون القرآنَ أوَّلَ يومٍ مِنْ كُلِّ شهرٍ، ويخصِّصون الانطلاقةَ بأوَّل السنة الهجرية، وينتقلون مِنْ مسجدٍ لآخَرَ مع التكلُّف بمحاكاة الأصوات وتقليد القرَّاء المصريِّين ـ خاصَّةً ـ وغيرِهم، وما إلى ذلك مِنْ مخالفات الشرع الواردة في السؤال فإنه ـ بغضِّ النظر ـ عن محاذير الشرع المذكورة، فإنِّي لا أعلم حكمًا شرعيًّا يعطي صفةَ المشروعية لهذا العمل، ولا شكَّ أنَّ قراءةَ القرآنِ عبادةٌ، وصورةُ الاجتماع وترتيب الهيئات المكوَّنة والتنقُّلات المخصوصة، والأزمنة المحدَّدة تابعةٌ للقراءة في العبادة؛ إذ «التَّابِعُ تَابِعٌ» أي: أنَّ التابع له حكمُ المتبوع، و«الأَصْلُ فِي العِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ»، وكُلُّ ما أُضيفَ إلى الحكم الشرعيِّ يحتاج إلى دليلٍ ولا يُشْرَعُ إلَّا به، والمقتضي كان موجودًا في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يفعله مع انتفاء المانع، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يجتمع مع أصحابه في مَهَمَّاته وغزواته، ولا أعلم أنه أرشدهم إلى الانضمام في مجموعةٍ متنقِّلةٍ وبالأوصاف المذكورة في السؤال، مع كثرة تلاوتهم للقرآن وملازمتهم لها وتنافُسهم فيها، ولا يُحتجُّ في هذا المَقامِ بما رواهُ أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «... مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»(٤)؛ لأنَّ غايةَ ما يدلُّ عليه: هو استحبابُ الاجتماع، مع قراءةِ كُلِّ واحدٍ بانفراده أو بطريقة الإدارة، وهي ـ ولا شكَّ ـ صورةٌ مُبايِنةٌ لصورة الجمعية المنتظمة، التي لا يبعد أَنْ تتحوَّل إلى جمعيةٍ كسبيةٍ مطلوبةٍ في إحياء المناسبات العامَّة، والأعيادِ البدعية، والمواسم كالموالد ورؤوس السنة الميلادية والهجرية، والقراءة في المآتم، وافتتاح الندوات والمحاضرات بصورةٍ دائمةٍ؛ الأمرُ الذي يجرُّ مَفاسِدَ ويُفْضي إلى الوقوع في الحوادث والبِدَع؛ لذلك يُمْنَعُ أصالةً وسدًّا لذريعة المحرَّم؛ إذ «كُلُّ مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ» كما تَقرَّر في القواعد.

هذا، والجدير بالتنبيه أنه لا يُسَنُّ للقارئ أَنْ يُنْهِيَ قراءتَه بقوله: «صَدَق اللهُ العظيم» لأنها عبادةٌ تتضمَّن ثناءً على الله تعالى، ولا يجوز التعبُّدُ إلَّا بما شَرَع، ولم تَثْبُتْ مشروعيتُه لا بكتابٍ ولا سنَّةٍ ولا عملِ السلف مع كثرة عنايتهم بالقرآن ومعرفتِهم بشأنه، ولو كان مشروعًا لَفعلوه، ولو فَعَلوه لَنُقِل إلينا، ولا يصحُّ الاحتجاجُ بقوله تعالى: ﴿قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗا[آل عمران: ٩٥]، أو بقوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧[النساء]، أو بقوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢[النساء]؛ لأنَّ إيمان المسلم يُوجِب عليه أَنْ لا يشكَّ بأنَّ الله تعالى أصدقُ القائلين، لكِنْ لا يَلْزَم مِنْ ذلك تأكيدُه بقوله: «صَدَق اللهُ العظيم»؛ إذ لم يُنْقَلْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه فَعَل ذلك مع وجود المقتضي لفِعْلِه، بل ثَبَت عنه أنه قَرَأ عليه ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه مِنْ سورة النساء إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۢ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١[النساء]، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «حَسْبُكَ الآنَ»(٥)، ولم يقل: «صَدَق اللهُ العظيم» ولا قالَهُ ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه؛ فدَلَّ ذلك على أنه مِنْ مُحْدَثات الأمور، وقد ثَبَت في الحديث: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(٦)، وفي لفظِ مسلمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٧).

نسأل اللهَ أَنْ يُرِيَنا الحقَّ حقًّا ويرزقَنا اتِّباعَه، والباطلَ باطلًا ويرزقَنا اجتنابَه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ من ذي الحجَّة ١٤٢٦ﻫ
المـوافـق ﻟ: ٠٣ يناير ٢٠٠٦م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «فضائل القرآن» بابُ مَنْ لم يتغنَّ بالقرآن (٥٠٢٣)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين وقَصْرِها» (٧٩٢)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الوتر» بابُ استحبابِ الترتيل في القراءة (١٤٦٨)، والنسائيُّ في «الافتتاح» بابُ تزيينِ القرآن بالصوت (١٠١٥)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» بابٌ في حُسْنِ الصوت بالقرآن (١٣٤٢)، مِنْ حديث البراء بنِ عازبٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٥٨١) وفي «السلسلة الصحيحة» (٧٧١).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «فضائل القرآن» بابُ حُسْنِ الصوت بالقراءة للقرآن (٥٠٤٨)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧٩٣)، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه مسلمٌ في «الذِّكْر والدعاء» (٢٦٩٩) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) أخرجه البخاريُّ في «فضائل القرآن» بابُ قولِ المقرئ للقارئ: حَسْبُك (٥٠٥٠) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلح» باب: إذا اصطلحوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٧) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.