في حكم من يَصِفُ الدولة المطبِّقة لشريعة الإسلام بأنها كهنوتية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٣٨٧

الصنف: فتاوى منهجية

في حكم من يَصِفُ الدولة المطبِّقة
لشريعة الإسلام بأنها كهنوتية

السؤال:

ما هو الحكمُ الشرعيُّ فيمَن يَصِفَ الدولةَ التي تطبِّق الشريعةَ الربَّانية بأنها دولةٌ كهنوتيةٌ ويقول: لا حاجةَ لنا لدولةٍ كهنوتيةٍ على الإطلاق، ونحن نعرف كيف نَسْتَقي مِن الشريعةِ ما يَلْزَم أن نَسْتَقِيَه، ونعرف كذلك ما نَسْتَقِيهِ مِن القوانينِ الوضعية؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذه العبارةُ تتضمَّنُ كُفْرًا مِن حيث وَصْفُ أهلِ الإسلام وتشبيهُهم في تطبيق الشريعة بما عليه رجالُ الدِّين عند النصارى في تنظيمهم الكهنوتيِّ الذي استعارته الكنيسةُ في عهودها الأولى مِن الرومان، حيث كان يرأسها أكبرُهم سنًّا على أمَلِ عودة المسيح ابنِ مريم عليه الصلاةُ والسلام، وهؤلاء يقدِّسون رُهْبَانهم ورجالَ كنيستهم ويجعلون لهم السلطةَ المطلقةَ في الدِّين ومَنْحِ صكوك الغفران، وقد بيَّن اللهُ تعالى كُفْرَهم وانحرافَهم عن سواءِ السبيل بقوله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ[التوبة: ٣١]، كما ينتقض إيمانُ مَنْ يقبل بعضَ الشريعةِ دون بعضٍ؛ لأنَّه إعراضٌ عن الدِّين وعدَمُ قَبولٍ له كما شَرَعَه اللهُ تعالى، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣[الأحقاف].

هذا، ومَن تَكَلَّمَ بهذه العبارةِ الكُفرية إمَّا أن يكون معتقِدًا ذلك بقلبه وهذا لا ريب في كفره، أمَّا إن لم يكن معتقِدًا بقلبه ولم يُكْرَهْ على قولها، وإنَّما فَعَله عن اختيارٍ طمعًا في الدنيا ومَلَذَّاتها؛ فإنَّه يكفر كفرًا مُخْرِجًا عن الملَّة لظاهِرِ قوله سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧[النحل]، فسمَّاهم كافرين لتقديمهم الدنيا على الدِّين، وإمَّا أن تكون هذه العبارةُ صدَرَتْ منه على وجهِ المزاح واللعب استهزاءً بالدِّين، ففاعلُه كافرٌ أيضًا لقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ[التوبة: ٦٥ ـ ٦٦]، أمَّا إن قالها على وجهِ الإكراه مِن غيرِ اختيارٍ وقلبُه مُطْمَئِنٌّ بالإيمان فهذا ـ دفعًا للإكراه ـ رُخِّص له ذلك لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ[النحل: ١٠٦]، فما عدا هذه الحالةَ الأخيرة فإنَّ صاحِبَها يكفر إذا تحقَّقَتْ فيه شروطُ تكفيرِ المعيَّن: كأَنْ يقصد المعيَّنُ بكلامه المعنى المكفِّر، وقامَتِ الحُجَّةُ عليه، وانتفَتْ في حقِّه موانعُ تكفير المعيَّن: كالخطإ والجهل والعجز والإكراه، وعلى القائل التوبةُ إلى الله تعالى والرجوعُ إليه والندمُ على ما صَدَر منه رجاءَ أن يعفوَ اللهُ عنه وعن زلَّاتِه، إنه عفوٌّ غفورٌ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ رمضان ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ أكتوبر ٢٠٠٥م