في الاحتفال بفصول السَّنَة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 17 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 16 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٤٠٤

الصنف: فتاوى منهجية

في الاحتفال بفصول السَّنَة

السؤال:

ما حكمُ الاحتفالِ بفصول السنة؟ فبعضُ الناسِ يقولون: إنَّ الاحتفال بها مِنَ العادات لا مِنَ العبادات، ولَسْنَا نتقرَّب به إلى الله سبحانه وتعالى؛ ولذا فهو يُفارِقُ الاحتفالَ بالمولد النبويِّ، فهل هذا صحيحٌ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ ـ وفَّقَك اللهُ لكُلِّ خيرٍ ـ أنَّ الفرق بين العبادة والعادة: أنَّ العبادةَ يُلْتَمَسُ مِنْ ورائِها الأجرُ والثواب والتقرُّبُ إلى الله سبحانه وتعالى بسائرِ أنواعِ الطاعات، وهي لا تصحُّ إلَّا بما شَرَعَ اللهُ تعالى، فكُلَّما وُجِدَتْ هذه المعاني أُضِيفَتْ إلى العبادة، أمَّا إذا خَلَتْ منها فهي إلى العادةِ أَقْرَبُ، ولَمَّا كانَتْ هذه الاحتفالاتُ وتخصيصُ أيَّامها بالأكل والشرب والإطعام والفرحة على سبيل الاعتياد والدوام؛ جانَسَتْ بشَكْلِها أعيادَ المسلمين التي يُتوخَّى مِنْ ورائها الْتماسُ الأجرِ وتحقيقُ المودَّة والقُرْبةِ والألفة والاجتماعِ في ذلك اليوم أكلًا وشربًا ولهوًا، وما إلى ذلك ممَّا يُعْرف في الأفراح؛ لذلك فالقولُ بأنها عادةٌ فقط غيرُ صحيحٍ لِمُلابَستها لأفعالِ أعيادِ أهلِ الإسلام، وأهلُ الإسلام ليس لهم إلَّا عيدانِ: عيدُ الأضحى وعيدُ الفطر.

ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ الاحتفال بفصول السَّنَة هو أَشْبَهُ بالاحتفال بالنجوم الذي كانَتِ الصابئةُ تفعله على أنها مؤثِّرةٌ فاعلةٌ في الإيجاد والخَلْق، ومثلُ هذا الاعتقاد يُنَافي التوحيدَ لكونه شركًا أكبر، ومثلُ هذه العاداتِ ـ إذا حَمَلْناها على كونها مجرَّدةً عن العبادة ـ معروفةٌ عند النصارى؛ حيث يعظِّمون مَطْلَعَ الربيعِ باحتفالهم لخصوصياتِ ثمارِ الربيع كالكَرَزِ والفرولة وغيرِها ممَّا ينبت وينضج في فصلِ الربيع. ولا شكَّ أنَّ التشبُّه بالصابئة والنصارى ومَنْ يُشاكِلهم لا يجوز، وذلك ـ فضلًا عن جَعْلِ ما لم يَشْرَعْه اللهُ عِيدًا ـ معدودٌ مِنَ التقدُّم بين يَدَيِ الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ[الحُجُرات: ١]؛ إذ كلُّ ما كان مِنْ أعيادِ الجاهلية أَبْطَله اللهُ تعالى، وذلك أنه لَمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينةَ وَجَدَ للأنصار يومين يلعبون فيهما ويعتبرونهما عيدَيْن؛ فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ»(١)، كما أنَّ الاحتفال بمثلِ هذه المواسِمِ لم يكن معروفًا عند السلف الصالح، وما ذَكَرَها أهلُ العلم في كُتُبِهم، ولو كانَتْ خيرًا لَسَبَقونا إليها.

وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ   وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ ربيع الأوَّل ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٧ أفريل ٢٠٠٦م

 


(١) أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابُ صلاةِ العيدين (١١٣٤)، والنسائيُّ في «صلاة العيدين» (١٥٥٦)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وصحَّحه ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٢/ ٤٤٢)، والألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٠٢١).