في مشروعية استعمال البصمة الوراثية في مجال التحقيق الجنائي والنسب | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٤٦٣

الصنف: فتاوى طبِّية

في مشروعية استعمال البصمة الوراثية
في مجال التحقيق الجنائي والنسب

السؤال: لقد بدأت دائرة استعمال البصمة الوراثية(١) في إثبات النسب أو نفيه في الاتساع في البلدان الإسلامية، وأصبحت تُطلب من القضاة والخبراء وحتى في المحاكم الشرعية.

فما مدى مشروعية استخدامها في النسب والجناية؟ وهل تعتبر قرينة يستعان بها على إثبات النسب أو نفيه فحسب؟ أو تعتبر طريقًا من طرق إثبات النسب قياسًا على إحدى الطرق الثابتة شرعًا (كالقيافة)؟

أدامكم الله لنا معلمين وموجهين، وبارك في جهودكم.

الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فبناء على التفصيل المقدم بشأن خصائص البصمة الوراثية ومجالات استخدامها والانتفاع بها فإنَّ البصمة الوراثية كوسيلة إثبات تتوقف مشروعيتها على عدم وجود نصوص شرعية تعارضها أو أصول كلية تنافيها سواء في ميدان التحقيق الجنائي أو في ميدان النسب صحة ونفيًا.

هذا، ويحول دون الأخذ بمثل هذه الوسائل في الحدود الشرعية والقصاص ما تورثه من شبهة يعارضها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ»(٢) كما يمنع الاعتماد عليها في إثبات الأنساب والتأكد من صحتها من غير اشتباه لما يؤدي بطريق أو بآخر إلى المساس بالأعراض والاجتراء على الأنساب ويعارضه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»(٣) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»(٤)، ومن جهة أخرى لا يجوز تقديم البصمة الوراثية في إثبات النسب أو نفيه على اللعان المقرر حكمه بنص الآية القرآنية في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ.... ﴾إلى قوله تعالى﴿...وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦-٧-٨-٩].

ويمكن الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي كوسيلة إثبات في الجرائم فيما عدا الصورة السالفة البيان، ويجوز استخدامها في ميدان النسب في مختلف حالات الاشتباه كالاشتباه الحاصل في المواليد في المستشفيات والعيادات ومراكز الأمومة ورعاية الأطفال، أو الاشتباه الحاصل في أطفال الأنابيب، أو الاشتباه الحاصل بسبب الاشتراك في وطء الشبهة أو مجهول النسب المتنازع فيه، أو الحالات المستعصية لمعرفة أهالي الأطفال الضائعين، أو هوية الجثث والمفقودين نتيجة الحروب والمصائب المقدرة.

هذا، وحرصًا على صيانة الأنساب وحماية الأعراض فإنه يعتمد على البصمة الوراثية كآخر الحلول لهذه الحالات وغيرها مما يدخل في معناها، ولئلا تتعرض الأعراض لانتهاك حرمتها فتتولاها جهة حكومية غير مربحة يقوم على الإشراف عليها أهل الاختصاص في الميدان الشرعي والطبي والإداري على غاية من الحيطة والسرية.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: ٢١ جمادى الأولى ١٤٢٧ﻫ
الموافـق ﻟ: ١٧ جـوان ٢٠٠٦م


(١) التعريف بالبصمة الوراثية: دلَّت الاكتشافات الطبية أنه يوجد في داخل النواة التي تستقر في خلية الإنسان (٤٦) من الصبغيات (الكروموسومات) وهذه الكروموسومات تتكون من المادة الوراثية الحمض النووي الريبوزي اللاأكسجيني - والذي يرمز إليه بـ( دنا- adn) أي الجينات الوراثية، وكل واحد من الكروموسومات يحتوي على عدد كبير من الجينات الوراثية قد تبلغ في الخلية البشرية الواحدة إلى مائة ألف مورثة جينية تقريبا، وهذه المورثة هي التي تتحكم في صفات الإنسان، والطريقة التي يعمل بها، بالإضافة إلى وظائف أخرى تنظيمية للجينات.

وقد أثبتت التجارب الطبية الحديثة بواسطة وسائل تقنية في غاية التطور والدقة: أنَّ لكل إنسان جينومًا بشريًا يختص به دون سواه، لا يمكن أن يتشابه فيه مع غيره أشبه ما يكون ببصمة الأصابع في خصائصها بحيث لا يمكن تطابق الصفات الجينية بين شخص وآخر حتى وإن كانا توأمين.

ولهذا جرى إطلاق عبارة ( بصمة وراثية) للدلالة على تثبيت هوية الشخص أخذا من عينة الحمض النووي المعروف بـ(دنا -adn) الذي يحمله الإنسان بالوراثة عن أبيه وأمه إذ أنَّ الكروموسومات، لـ(٤٦) التي يحملها كل شخص داخل كل خلية من خلايا جسمه، يرث نصفها وهي (٢٣) كروموسوماً عن أبيه بواسطة الحيوان المنوي، والنصف الآخر وهي (٢٣) كروموسومًا يرثها عن أمه بواسطة البويضة وكل واحدة من هذه الكروموسومات والتي هي عبارة عن جينات الأحماض النووية ( دنا) ذات شقين، يرث الشخص شقا منها عن أبيه والشق الآخر عن أمه، فينتج عن ذلك كروموسومات خاصة به، لا تتطابق مع كروموسومات أبيه من كل وجه، ولا مع كروسومات أمه من كل وجه وإنما جاءت خليط منهما، وبهذا الاختلاط اكتسب صفة الاستقلالية عن  كروموسومات أي من والديه مع بقاء التشابه معهما في بعض الوجوه، لكنه مع ذلك لا يتطابق مع أي من كروموسومات والديه فضلا عن غيرهما.

وعلماء الطب الحديث يرون أنهم يستطيعون إثبات الأبوة أو البنوة لشخص ما أو نفيه عنه من خلال إجراء فحوصات على جيناته الوراثية، حيث دلَّت الأبحاث الطبية التجريبية على أنَّ نسبة النجاح في إثبات النسب قد تصل إلى قريب من القطع وذلك بنسبة ٩٩% تقريبا، وفي حالة نفي النسب تصل إلى حدِّ القطع أي بنسبة ١٠٠% .

وطريقة معرفة ذلك: أن يؤخذ عينة من أجزاء الإنسان بمقدار رأس الدبوس من البول، أو الدم، أو الشعر، أو المني، أو العظم، أو اللعاب، أو خلايا الكلية، أو غير ذلك من أجزاء جسم الإنسان، وبعد أخذ هذه العينة يتم تحليلها وفحص ما تحتوي عليه من كروموسومات - صبغيات- تحمل الصفات الوراثية فبعد معرفة هذه الصفات الوراثية الخاصة بالابن وبوالديه يمكن بعد ذلك أن يثبت أنَّ بعض هذه الصفات الوراثية في الابن موروثة له عن أبيه لاتفاقهما في بعض هذه الجينات الوراثية فيحكم عندئذ بأبوته له، أو يقطع بنفي أبوته عنه لعدم تشابههما في شيء من هذه الجينات الوراثية، فيحكم عندئذ بنفي أبوته له وكذلك الحال بالنسبة للأم.

ويرى المختصون في المجال الطبي وخبراء البصمات أنه يمكن استخدام البصمات الوراثية في مجالات كثيرة، ترجع في مجملها إلى مجالين رئيسين هما:

١- المجال الجنائي: وهو مجال واسع يدخل ضمنه، الكشف عن هوية المجرمين في حالة ارتكاب جناية قتل أو اعتداء وفي حالات الاختطاف بأنواعها و في حالة انتحال شخصيات آخرين وغير ذلك...

٢- مجال النسب: وذلك في حالة الحاجة إلى إثبات البنوة أو الأبوة لشخص، أو نفيه عنه، وفي حالة اتهام المرأة بالحمل من وطء شبهة، أو زنا.

(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ١٧١/ ٢)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد": (٩/ ٢٠٣). وقد ضعفه الزيلعي في "نصب الراية": (٣/ ٣٣٣) وابن حجر في "التلخيص الحبير":(٤/ ٥٦) والألباني في "الإرواء": (٧/ ٣٤٣) وقد صح موقوفا على ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: "ادرؤوا الجلد والقتل على المسلمين ما استطعتم" أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه":(٥/ ٥٠٧) قال الألباني في "الإرواء":(٨/ ٢٦): وهو حسن الإسناد. وأخرج ابن أبي شيبة في"مصنفه" (٥/ ٥٠٧) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه منقطعا وموقوفا، قال ابن حجر في"التلخيص الحبير": "ورواه أبو محمد بن حزم في كتاب الإيصال من حديث عمر موقوفا عليه بإسناد صحيح".

قلت: والحديث-وإن لم يصح مرفوعا- فقد ثبت موقوفا، وقد جرى العمل به في القضاء، وأجراه الفقهاء مجرى القواعد المشهورة في باب الحدود والجنايات تحت قاعدة: "العقوبات تدرأ بالشبهات"، ويشهد لهذه القاعدة وقائع متعددة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من احتياطه في إقامة الحد، وتنفيذ الحكم عند وجود الشبهة تتلبس بالفعل كما في قصة زنا ماعز رضي الله عنه المشهورة فضلا عما نقل عن الصحابة تورعهم عن إقامة الحدود لأدنى شبهة (انظر قاعدة العقوبات تدرأ بالشبهات في: المحلى لابن حزم:١١/ ١٥٣. الفروق للقرافي:٤/ ١٧٢. إعلام الموقعين لابن القيم:١/ ١٠٤-٣١٤. الأشباه والنظائر للسيوطي:١٣٦. المنثور للزركشي:٢/ ٢٥٥. الأشباه والنظائر لابن نجيم:١٢٨).

(٣) أخرجه مسلم في «البر والصلة والآداب» (٢٥٦٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاري في «العلم»  باب قول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (٦٧)، ومسلم في «القسامة والمحاربين» (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.