في حكم تخصيص الأكل مِنَ الكبد في الأضحية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 4 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 22 نوفمبر 2017 م



الفتوى رقم: ٥٤٤

الصنف: فتاوى الأشربة والأطعمة - الأضحية

في حكم تخصيص الأكل مِنَ الكبد في الأضحية

السؤال:

كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يُفْطِرُ في الأضحى حتَّى يأكلَ مِنْ أضحيتِه، فهل الأكلُ عامٌّ في أيِّ جزءٍ مِنَ الأُضحية أم ـ كما يقول العامَّةُ ـ مِنَ الكَبِدِ؟ وما حكمُ تخصيصِ الأكلِ مِنَ الكبد؟ وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالثابتُ مِنْ حديثِ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ»(١)، وفي روايةٍ: «وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَذْبَحَ»(٢)، وفي روايةٍ: «وَلَا يَطْعَمُ يَوْم النَّحْرِ حَتَّى يَنْحَرَ»(٣)، وفي روايةٍ: «حَتَّى يُضَحِّيَ»(٤)، وفي حديثٍ آخَرَ: «وَكَانَ لَا يَأْكُلُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ»(٥)، وزاد أحمد وغيرُه: «فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَتِهِ»(٦).

والحكمةُ مِنْ فِعْلِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مُوافَقَتُهُ للفقراء ـ كما ذَهَب إليه أهلُ العلم ـ؛ لأنَّ الظاهرَ أَنْ لا شيءَ لهم إلَّا ما أطعَمَهُمُ النَّاسُ مِنْ لحومِ الأضاحِي، وهو متأخِّرٌ عن الصَّلاة، بخلاف صدقةِ الفِطْرِ، فإنها متقدِّمةٌ عن الصلاة، وقد ذُكِرَتْ حِكمةٌ أخرى وهي: لِيَكُونَ أَوَّلُ ما يَطْعَمُ مِنْ أضحيته بأكلها شكرًا لله تعالى على ما أنعم به مِنْ شرعية النسيكة الجامعةِ لخير الدنيا وثواب الآخرة، وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨ [الحج]، سواءٌ قِيلَ بوجوبه أو بِسُنِّيَّته، وقد خصَّص بعضُ أهلِ العلم استحبابَ تأخيرِ الأكل في عيد الأضحى حتَّى يرجع بمَنْ له ذِبحٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِذْ أخَّر الفطرَ في الأضحى إنما أَكَل مِنْ ذبيحته(٧).

هذا، وقد وَرَدَتْ سُنَّتُهُ في مُطْلَقِ الأكلِ مِنْ غيرِ تحديدِ عُضْوٍ أو تخصيصِ مَوْضِعٍ، وإنما استحبَّ الأكلَ مِنْ كَبِدِ ذبيحته بعضُ العلماء كالشافعيِّ(٨) وغيرِه اعتمادًا على حديثِ بُرَيْدة رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إِذَا كَانَ يَوْمُ الفِطْرِ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَأْكُلَ شَيْئًا، وَإِذَا كَانَ الأَضْحَى لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا حَتَّى يَرْجِعَ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ أَكَلَ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَتِهِ»، والحديثُ ضعيفٌ لا تقوم به حجَّةٌ(٩)، غير أنَّ استحباب الأكل مِنَ الكبد خاصَّةً جارٍ العملُ به في العادة لكونِ الكبدِ أخفَّ الأعضاءِ انتزاعًا وأسرعَ نُضْجًا وأسهلَ هضمًا.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ من ذي القعدة ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ ديسمبر ٢٠٠٦م

 


(١) أخرجه الترمذيُّ في «العيدين» بابٌ في الأكل يومَ الفطر قبل الخروج (٥٤٢) مِنْ حديثِ بُرَيْدة بنِ الحُصَيب الأسلميِّ رضي الله عنه. قال ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٥/ ٧٠): «حسنٌ صحيحٌ»، وصحَّحه الألبانيُّ في «مشكاة المصابيح» (١٤٤٠).

(٢) أخرجه ابنُ خزيمة (١٤٢٦)، وأحمد (٢٣٠٤٢)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٦١٥٩). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٤٨٤٥)، وحسَّنه الأعظميُّ في تحقيقه ﻟ «صحيح ابنِ خزيمة» ومحقِّقو «مسند أحمد».

(٣) أخرجه ابنُ حبَّان (٢٨١٢). وحسَّنه شعيب الأرناؤوط في «صحيح ابنِ حبَّان» (٢٨١٢)، وصحَّحه الألبانيُّ في «التعليقات الحسان» (٢٨٠١).

(٤) رواها أبو بكر الأثرم، [انظر: «نيل الأوطار» (٣/ ٣٤٤)].

(٥) أخرجه ابنُ ماجه في «الصيام» بابٌ في الأكل يومَ الفطر قبل أَنْ يخرج (١٧٥٦) مِنْ حديثِ بُرَيْدة بنِ الحُصَيب الأسلميِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح ابن ماجه».

(٦) أخرجه أحمد (٢٢٩٨٤)، والبيهقيُّ في «السنن الصغرى» (٦٨٩) وفي «الكبرى» (٦١٦٠)، والدارقطنيُّ (١٧١٥)، وحسَّنه محقِّقو «المسند» (٣٨/ ٨٨).

(٧) انظر: «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» للمباركفوري (٥/ ٤٥).

(٨) انظر: «الأمَّ» للشافعي (٢/ ٢١٧).

(٩) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٦١٦١)، وقد ذَكَر الذهبيُّ في «ميزان الاعتدال» (٣/ ٨٦) تضعيفَ أحَدِ رواته. والحديثُ بزيادة الأكل مِنْ كبِدِ الأضحية ضعيفٌ لعلَّتين: الأولى: الوليد بنُ مسلمٍ وهو القُرَشيُّ مولاهم أبو العبَّاس الدمشقيُّ، ثِقَةٌ لكنَّه كثير التدليس والتسوية، [«التقريب» (٧٥٠٦)]. الثانية: عقبة وهو ابنُ عبد الله الأصم الرفاعيُّ العبديُّ البصريُّ: ضعيفٌ وربَّما دلَّس، [«التقريب» (٤٦٧٦)]. وقد ضعَّف الألبانيُّ هذه الزيادةَ كما في «سُبُل السلام» بتعليقاته عليه (٢/ ٢٠٠) حيث قال: «هذه الزيادةُ ضعيفةٌ؛ لأنها مِنْ رواية عقبة بنِ الأصمِّ عن ابنِ بريدة؛ وهو عقبة بنُ عبد الله الأصمِّ: ضعيفٌ، كما في «التقريب»».