في حكم الجمعة للمعذور | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 17 صفر 1441 هـ الموافق لـ 16 أكتوبر 2019 م

الفتوى رقم: ٦٣

الصنف: فتاوى الصلاة - الجمعة

في حكم الجمعة للمعذور

السؤال:

أنا شابٌّ سُنّيٌّ من جنوبِ العراقِ، وهذه المنطقةُ غالبيّتُها شيعةٌ، والمنطقةُ التي أسكن بها لا يتجاوز أهلُ السّنّةِ فيها واحدًا بالمائةِ، ولنا ثلاثةُ مساجدَ في المنطقةِ، ذلك لأنّ الحكومةَ السّابقةَ كانتْ حكومةً سُنّيّةً، لذلك فالشّيعةُ يهدّدون مصالِحَها، فأكثرتْ من مساجدِنا في المنطقةِ، ونحن الآنَ مضطهَدون مِنَ النّاسِ الذين يسكنون المنطقةَ ومِنَ الحكومةِ العراقيّةِ، فأهلُ السّنّةِ الفعّالون والذين يتكلّمون أكثرُهم اعتقلتْهم الحكومةُ العراقيّةُ، وسؤالي هو: هل نحن نُعْتَبَرُ آثِمين إذا لم نذهبْ إلى صلاةِ الجمعةِ أو الجماعةِ، لأنّ هذا يُعتبر تهديدًا لحياتِنا واحتمالٌ أن نُعتَقَلَ مِنْ قِبَلِ الحكومةِ، وكثيرٌ من أهلِ السّنّةِ ذهبوا إلى مناطقَ أخرى في العراقِ، ولكنّ الذين بَقُوا لا يستطيعون الهجرةَ، فأَجيبوا على سؤالي مأجورين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أمّا بعد:

فاعلمْ -ثبّتك اللهُ على الحقِّ- أنّ الجمعةَ واجبٌ شهودُها ـ إجماعا ـ على المسلمِ الحرِّ الذّكرِ العاقلِ البالغِ الصّحيحِ المقيمِ القادرِ على السّعيِ إليها، الخالي من الأعذارِ المبيحةِ للتّخلّفِ عنها، ووجوبُ صلاتِها فرضٌ عينيٌّ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة:٩]، ولقولِه صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ»(١)، ولقولِه صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ»(٢)، وفي روايةٍ أخرى: «مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمُعَاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ كُتِبَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ»(٣).

ومِنَ الأعذارِ المبيحةِ للتّخلّفِ عنِ الجمعةِ والجماعةِ: الخوفُ من ضررٍ يلحقه في نفسِه أو مالِه أو عرضِه(٤)، كالمختفي من الحاكمِ الظّالِمِ والمدينِ الْمُعْسِرِ ونحوِهما، فقدْ روى ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ النّبيَّ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم قال: «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ، عُذْرٌ»، قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟، قَالَ: «خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى»(٥)، وهذه الرّوايةُ -وإن لم يصحَّ فيها جملةُ تفسير العذرِ- إلاّ أنّ العلماءَ لا يختلفون في أنّ المرضَ والخوفَ مِنَ الأعذارِ المبيحةِ للتّخلّفِ عنها، غيرَ أنّ الخوفَ نسبيٌّ يختلف باختلافِ الأشخاصِ، وليسوا سواءً، فمَنْ حلّ فيه الخوفُ وزاد عليه ولم يأمنْ فمعذورٌ في تخلُّفِه، ومَن أمِن ولم يحصلْ له خوفٌ فغيرُ معذورٍ في تركِه الجمعةَ والجماعاتِ، ولا يمكن التّسويةُ بين الخائفِ وغيرِ الخائفِ، ولا أن يُفْرَضَ على غيرِ الخائفِ أمرُ الخائفِ سواءٌ بعد تحرّي الأمورِ وعواقبِها أم لم يتحرَّ، لكنّ واجبَ النّصيحةِ قائمٌ فيمن يُخْشَى منه إلقاءٌ بنفسِه إلى التّهلُكَةِ أو إلى أيِّ مفسدةٍ أخرى؛ لقولِه تعالى : ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[النساء: ٢٩]، ولقولِه تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥].

هذا، ومن لم يستطعْ إظهارَ دينِه أو يؤدّيَ شعائرَ الدّينِ وخاصّةً الجمعةَ والجماعاتِ لعدمِ أمنِه، ولا يستطيع ذلك إلاّ بالهجرةِ من ذلك المكانِ؛ فتكونُ هجرتُه منه واجبةً، إذ: «مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ»، قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النّساء: ٩٧]، وهذا بالنّسبةِ لأهلِ القدرةِ على الهجرةِ، أمّا العاجزون عنها من المستضعفين فإنّ اللهَ سبحانه عفا عنهم لعجزِهم عن الهجرةِ، إذ: «لاَ تَكْلِيفَ إِلاَّ بِمَقْدُورٍ»، قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، قال اللهُ تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً [النّساء: ٩٨].

نسأل اللهَ لكم الثّباتَ في الدّنيا والآخرةِ، والسّدادَ في القولِ، والصّبرَ على الحقِّ والصّدعَ به، واحتمالَ الأذى، قال تعالى عن لقمانَ -وهو يعظ ابنَه- ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان: ١٧].

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على نبينا محمّد وعلى آله وسلّم تسليما.

 

الجزائر في: ٢ رجب ١٤٢٦ﻫ
الموافـق ﻟ: ٧ أوت ٢٠٠٥م

 


(١) أخرجه مسلم في «الجمعة» (٨٦٥) من حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم.

(٢) أخرجه أبو داود في «الجمعة» (١٠٥٢)، والترمذي في «الجمعة» (٥٠٠)، والنّسائيّ في «الجمعة»: (١٣٦٩)، وابن ماجه في «إقامة الصّلاة والسّنّة فيها»: (١١٢٥)، من حديث أبي الجعد الضَّمْرِيِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٦١٤٣‌).

(٣) أخرجه الطّبرانيّ في «الكبير» (١/ ١٧٠)، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع» (٦١٤٤).

(٤) انظر: «المغني» لابن قدامة: (١/ ٤٥١)، «الأشباه والنّظائر» للسّيوطيّ: (٤٣٩).

(٥) أخرجه أبو داود في «الصلاة» باب في التشديد في ترك الجماعة (٥٥١)، من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما. قال الألباني في «الإرواء» (٢/ ٣٣٦): «ضعيف بهذا اللفظ»، وصحح رواية ابن ماجه ابن ماجه في «المساجد والجماعة» باب التغليظ في التخلُّف عن الجماعة (٧٩٣) الخالية من تفسير العذر فقال في (٢/ ٣٣٧): «لكن له طريق أخرى عن عدى بن ثابت به بلفظ: " من سمع النداء فلم يأته , فلا صلاة له إلا من عذر" »، وصححها أيضا في «صحيح الجامع» (٦٣٠٠).