في حدود استعمال وسائل الدعوة إلى الله تعالى | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 2 جمادى الآخرة 1438 هـ الموافق لـ 28 فبراير 2017 م

الفتوى رقم: ٧٢٣

الصنـف:فتاوى منهجية

في حدود استعمال وسائل الدعوة إلى الله تعالى

السؤال:

مِنَ المعلوم أنَّ الأمَّةَ مأمورةٌ بالأخذ بوسائلِ الدعوة وتحصيلِ أسبابها، فهل يُشترط الاقتصارُ على الوسائل المنصوصِ عليها، أو التي فَعَلَها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أم يجوز التوسُّعُ فيها باستعمالِ وسائلَ دعويةٍ، وإن لم يَرِدْ نصٌّ عليها، وهي التي لا تخالف نصًّا شرعيًّا؟

وبعبارةٍ أخرى مقتضَبةٍ: هل وسائلُ الدعوةِ توقيفيةٌ أم اجتهاديةٌ؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد جاءَتْ نصوصٌ عامَّةٌ مِن الكتاب تأمر بالدعوة إلى الله تعالى وتبليغِ الرسالةِ مِن غيرِ تقييدٍ بوسائلَ معيَّنةٍ، مثل قوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ[النحل: ١٢٥]، وقولِه تعالى: ﴿وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَ[القصص: ٨٧]، وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤[الشعراء]، وقولِه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ[المائدة: ٦٧]؛ فهذا الميدانُ الدعويُّ في حاجةٍ إلى وسائل، وهذا أمرٌ بَدَهِيٌّ؛ إذ «الأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِلَوَازِمِهِ»(١)، وإذا كان الأمرُ بالدعوة والتبليغِ لا يتمُّ إلَّا بتحصيلِ الوسائل وتحقيقِ الأسباب؛ كان الأخذُ بها واجبًا أو مُسْتَحَبًّا بحَسَبِه، جريًا على قاعدةِ: «الوَسَائِلُ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ: فَمَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ المَسْنُونُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَسْنُونٌ، وَطُرُقُ الحَرَامِ وَالمَكْرُوهِ تَابِعَةٌ لَهُ، وَوَسِيلَةُ المُبَاحِ مُبَاحَةٌ»(٢).

غيرَ أنَّ هذه الوسائلَ ـ مِن حيث سَعَتُها ـ شاملةٌ للوسائلِ العِبادية والعادية، ومجالُ توقيفِ العادية شرعًا أَوْسَعُ مِن أن يكون نصًّا خاصًّا يَشْمَلها، بل يتعدَّى إلى ما كان عامًّا، أو إلى قاعدةٍ علميةٍ يمكن أن يُسْتَنَدَ إليها في تقريرِ شرعيةِ هذه الوسائلِ؛ ذلك لأنَّ مُمارَسةَ العملِ الدعويِّ ومُباشَرتَه دون معرفةِ حُكْمِه والاستنادِ إلى دليله الشرعيِّ تَحكُّمٌ وعملٌ بالجهل واتِّباعٌ للهوى، وهو مردودٌ على صاحِبِه؛ إذ كما لا يجوز الخروجُ عن الحكم الشرعيِّ في المَناهِجِ والمَقاصِدِ لا يجوز كذلك في الوسائل، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨[الجاثية]، ولقوله تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣[الأعراف]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا ٣٦[الإسراء]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٣). وعليه، فعمومُ الوسائلِ الشرعية ـ سواءٌ كانَتْ عباديةً أو عاديةً ـ لا مَدْخَلَ للعقل والرأي المجرَّدِ في حكمها.

ولمزيدٍ مِن التوضيحِ في هذا المَقامِ نَلْفِتُ النظرَ إلى أنَّ الوسيلة إن كانَتْ مِن جنسِ العبادات فإنها تحتاج إلى نصٍّ خاصٍّ يقضي بمشروعيَّتها؛ ذلك لأنَّ «العِبَادَاتِ أَصْلُهَا التَّوْقِيفُ وَالمَنْعُ حَتَّى يَرِدَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْهُ»؛ فلا يُشْرَع منها إلَّا ما شَرَعَه اللهُ تعالى وأَذِن فيه، لقوله تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ[الشورى: ٢١]. وبناءً عليه، فإنَّ الوسائل العبادية توقيفيةٌ، وحكمُها يُؤْخَذ مِن جهةِ الشرع وبالدليل الخاصِّ بها، لا بوصفِ العموم والإطلاق؛ إذ لا يَلْزَم مِن الأمرِ بوصفِ العموم والإطلاق ـ في باب العبادات ـ أن يكون مشروعًا بوصفِ الخصوص والتقييدِ أو مأمورًا به، إلَّا إذا جاء دليلٌ مُبَيِّنٌ للإجمال الحاصلِ في صفةِ العموم والإطلاق، ويكون حكمُ الخصوصِ والتقييدِ تابعًا للدليل: فإِنْ جاء مُوافِقًا للأمر العامِّ أو المُطْلَقِ كان تحصيلُ المعيَّن بالخصوص والتقييدِ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ بتَظافُرِ الأدلَّة وتَعاضُدِها، وإن جاء الدليلُ مُخالِفًا للأمر العامِّ أو المطلق كان تحصيلُه مِن بابِ تخصيصِ العموم وتقييدِ المطلق، وهذا التقرير ـ وإن كان يَشْمَل جانِبَ العباداتِ والعاداتِ والمعامَلاتِ ـ إلَّا أنَّ باب العباداتِ قُيِّد بالدليل الخاصِّ؛ لأنَّ الأصل فيها التوقيفُ والمنعُ ـ كما تقدَّم ـ.

وهذا بخلافِ الوسيلة الداخلةِ في جنسِ العادات والمُعامَلات؛ فلا يَلْزَم لثبوتها الأدلَّةُ الخاصَّة، بل تكفي الأدلَّةُ والقواعد العامَّة في إثباتها وتقريرها؛ ذلك لأنَّ «الأَصْلَ فِي المُعَامَلَاتِ وَالعَادَاتِ الإِبَاحَةُ وَالجَوَازُ» حتَّى يَرِدَ الدليلُ الناقلُ عنه؛ فلا يُمْنَعُ منها شيءٌ إلَّا ما مَنَعَه الشرعُ وحرَّمه، لقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩[يونس]، ولقوله تعالى ـ مُمْتَنًّا على عباده ـ: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا[البقرة: ٢٩]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»(٤)؛ فالوسائلُ العاديَّة يُؤْخَذ حكمُها ـ أيضًا ـ مِن جهةِ الشرع، لكِنْ لا يُشْتَرَطُ أن يدلَّ عليها دليلٌ خاصٌّ، بل يجوز العملُ فيها بالأوامر العامَّة والمُطْلَقَة، كما يجوز أن تُحالَ أحكامُها إلى القواعد العامَّة.

ولا شكَّ ـ بعد هذا البيانِ ـ أنَّ الوسائل الدعويةَ في تعلُّقها بالعادات إن تضمَّنَتْ مصلحةً راجحةً للدعوةِ ولم تُخالِفْ نصًّا شرعيًّا فيجوز مُباشَرتُها لدخولها إمَّا في القواعد العامَّة الكُلِّيَّة، أو لاتِّصافِ الدليل عليها بصفةِ العموم والإطلاق؛ ذلك لأنَّ تحصيلَ المعيَّنِ في الوسيلة إن كان مشمولًا بالأمر العامِّ أو المطلق ولم تتعرَّض له الأدلَّةُ بأمرٍ أو نهيٍ بَقِيَ على وَصْفِ العموم والإطلاق، وجَازَ العملُ بأيِّ فعلٍ معيَّنٍ يتحقَّق به امتثالُ الأمر العامِّ أو المطلق؛ ذلك لأنَّ «الأَصْلَ فِي العَادَاتِ وَالمُعَامَلَاتِ الإِبَاحَةُ وَالجَوَازُ» ـ كما تقدَّم ـ ويدلُّ عليه عَمَلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعمومِ قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤[الشعراء]، حيث اختارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الدعوةِ وسيلةَ الصعودِ على الصفا ومُخاطَبةِ بطونِ قُرَيْشٍ، وهذا الاجتهادُ في الوسيلة إنما جاء بناؤه على ضوابطَ عامَّةٍ مُتَمَثِّلةٍ في الحكمةِ والموعظةِ الحسنة المأمورِ بهما، واتَّخذ هذه الوسيلةَ لتكون أَسْرَعَ إلى الفهم، وأَدْعَى إلى الانقياد، وأقوى في التأثُّر والاستجابة. وكذلك إجماعُ الصحابةِ على وجوبِ المصير إلى وسيلةِ جَمْعِ القرآن الكريم في مصحفٍ واحدٍ لحِفْظِ كلامِ الله سبحانه وتعالى، وقد تردَّد الصحابةُ في أوَّلِ الأمر لعَدَمِ ورودِ دليلٍ خاصٍّ يؤيِّد هذا الفعلَ كما أنه لم يفعله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ اعتبروا قوَّةَ هذه الوسيلةِ لحِفْظِ القرآنِ الكريم، المتمثِّلةِ في جمعِه في مصحفٍ واحدٍ لِما في ذلك مِن مصلحةٍ راجحةٍ.

فالحاصل؛ أنَّ وسائل الدعوةِ إلى الله تعالى ـ في تقريرِ مشروعيَّتها ـ يجب أن تُراعى فيها جملةٌ مِن الضوابط تتمثَّل في وجوبِ مُوافَقتها للنصوص الشرعية العامَّةِ والخاصَّة أو قواعدِ الشرع الكُلِّيَّة، كما أنَّ الوسائل إن كانَتْ تابعةً لِمَقاصِدَ مُخالِفةٍ للشرع فتُمْنَع بحكمِ تبعيَّتها للممنوع؛ لأنَّ طُرُقَ الحرامِ والمكروهاتِ تابعةٌ لها، و«النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ نَهْيٌ عَمَّا لَا يَتِمُّ اجْتِنَابُهُ إِلَّا بِهِ»، وتُمْنَع ـ أيضًا ـ الوسيلةُ إذا ما تَعَلَّقَ بها وصفٌ مَنْهِيٌّ عنه فتَبْطُلُ لاقترانها به، كأَنْ يكون شعارًا لليهود والنصارى والمجوس؛ فقَدْ سيَّب النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسيلةَ النفخِ في البوق للدعوة للصلاة لكونه شِعارَ اليهود، وتخلَّى عن الضربِ بالناقوس لكونه شِعارَ النصارى، وتَرَكَ إيقادَ النار لكونه شِعارَ المجوس(٥).

هذا؛ ويُشْرَعُ الأخذُ بالوسيلةِ المشروعةِ إلى المَقْصِد المشروعِ شريطةَ أَنْ لا يترتَّب على الأخذِ بها مَفْسَدةٌ مُساوِيةٌ أو أكبرُ مِن المصلحة المَرْجُوَّة، وإلَّا بَطَلَتِ الوسيلةُ عملًا بقاعدةِ: «الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ»، وقاعدةِ: «دَرْءُ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ».

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٠ شعبان ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ أغسطس ٢٠٠٧م

 


(١) انظر تفصيلَ هذه القاعدةِ في: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ١٥٩) وما بعدها.

(٢) انظر: «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٣/ ١٣٥)، «القواعد والأصول الجامعة» للسعدي (ص ١٠، ١١).

(٣) أخرجه ـ بهذا اللفظِ ـ مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨)، واتَّفق الشيخانِ على إخراجه بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»: البخاريُّ في «الصلح» باب: إذا اصطلحوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧)، ومسلمٌ (١٧١٨)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها وعند البخاريِّ: «... مَا لَيْسَ فِيهِ...».

(٤) أخرجه الترمذيُّ في «اللباس» بابُ ما جاء في لُبْسِ الفِراء (١٧٢٦)، وابنُ ماجه في «الأطعمة» بابُ أكلِ الجبن والسمن (٣٣٦٧)، مِن حديث سلمان الفارسيِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع الصغير» (٣١٩٥).

(٥) انظر: ذِكْرَ النار والناقوس في: «صحيح البخاري» (٦٠٣)، و«صحيح مسلم» (٣٧٨)، مِن حديث أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. وذِكْرَ الناقوس والبوق في «صحيح البخاري» (٦٠٤)، و«صحيح مسلم» (٣٧٧)، مِن حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما.