في حكم الاقتراض لأجل الحجِّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧٨٠

الصنف: فتاوى الحج - أحكام الحج

في حكم الاقتراض لأجل الحجِّ

السؤال:

شخصٌ رَزَقه اللهُ مالًا، أراد أَنْ يحجَّ به، لكنَّه لا يكفيه لنفقةِ الحجِّ وكُلْفتِه، فَهَمَّ ليَقترِضَ مِنْ غيره فحَصَلَ عنده تردُّدٌ؛ فهل يجوز أَنْ يقترض ما يتمِّمُ به نفقةَ الحجِّ، وهو لا يعلم هل يَقْدِرُ على الوفاء وتسديدِ الدَّين أم لا يقدر؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالاستطاعةُ شرطُ وجوبٍ في الحجِّ، لا شرطٌ في صِحَّته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗا [آل عمران: ٩٧]، وما كان شرطًا للوجوب لا يَلْزَمُ المكلَّفَ تحصيلُه لكونه مِنْ خطاب الوضع، والوجوبُ مُنْتَفٍ عند عدَمِه؛ إذ «مَا لَا يَتِمُّ الوُجُوبُ إِلَّا بِهِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ»، ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ المتقرِّرَ في القواعد العامَّة أنَّ «كُلَّ عِبَادَةٍ اعْتُبِرَ فِيهَا المَالُ فَإِنَّ المُعْتَبَرَ مِلْكُهُ لَا القُدْرَةُ عَلَى مِلْكِهِ»، وإذا كان الحجُّ في حقِّ غيرِ المستطيع ليس واجبًا فإنَّ الشَّارعَ لا يُلْزِمُهُ بالاستدانة له، وقد وَرَدَ مِنْ حديثِ ابنِ أبي أَوْفَى رضي الله عنه أنه لمَّا سُئِلَ عن رجلٍ يَستقرِضُ ويَحُجُّ؟ قال: «يَسْتَرْزِقُ اللهَ وَلَا يَسْتَقْرِضُ»، قال ـ أي: طارق بنُ عبد الرحمن ـ: «وَكُنَّا نَقُولُ: لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَفَاءٌ»(١).

وعليه، فإِنْ كان المكلَّفُ غيرَ واثقٍ مِنْ قدرته على الوفاء بما استقرضه مِنَ الدَّين فلا يجوز له أَنْ يتكلَّف أمرًا يسَّرَهُ اللهُ رأفةً بالنَّاس ولم يُوجِبْه، ولا يترتَّبُ عليه إثمٌ إِنْ مات ولم يحجَّ، وهو غيرُ مَلومٍ، بخلافِ ما إذا كانَتْ ذِمَّتُهُ مشغولةً بالدَّين الذي اقترضه واخترمه الموتُ، فيبقى مُطالَبًا به لأنه حقُّ العبيد، ولا يخفى أنَّ حقَّ اللهِ تعالى مبنيٌّ على المسامَحة والمساهَلة، وحقَّ العبدِ مبنيٌّ على المشاحَّة والمضايَقة؛ لأنه ينتفع بحصوله ويتضرَّر بفواته دون الباري تعالى فلا يَتضرَّرُ بفواتِ حقوقه ولا ينتفع بحصولها، غيرَ أنه إِنِ استقرض وحجَّ ـ وهو على هذه الحالِ ـ فحجُّه صحيحٌ وتَبْرَأُ ذِمَّتُه منه، وتبقى مشغولةً بقضاءِ دَيْنه.

أمَّا إذا كان واثقًا بقدرته على الوفاء بدَيْنه فيَلْزَمُه الحجُّ مع توثيقِ القرض برهنٍ أو كفيلٍ، أو وصيَّةٍ بتسديدِ المبلغ المقترَضِ في حالةِ ما إذا حَصَلَ له مكروهٌ يمنعه مِنَ الوفاء به.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ شعبان ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ أوت ٢٠٠٧م

 


(١) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٨٦٥٤). وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (١٣/ ١/ ٣٢٩) عند الحديث: (٦١٤٢).