في الحدود الشرعية لحرية التعبير | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 17 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧٩١

الصنـف: فتاوى الأسرة - المرأة

في الحدود الشرعية لحرية التعبير

السـؤال:

هل يخدش في حشمة المرأة وحيائها وعِفَّتها أن تشارك في المنتديات والمجلاَّت بكتاباتٍ أدبيةٍ أو شعريةٍ وعليها اسمها، وتتضمَّن مواضيعَ دعويةً، أو قصصًا فيها وصفُ بديعِ الخلق، أو هموم الإنسان وخواطره؟ وما هي نصيحتكم جزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالحكمُ يدور في هذه المسألة بين موضوع الكتابة ونوعها، وأهليةِ الكاتبة ومقاصدها، وصفةِ المجلاَّت والمنتديات ودعوتها.

فالمرأةُ المسلمة في حكم الرجل لها أن تُبديَ الرأيَ، وتُعبِّرَ عمَّا تراه محقًّا للحقِّ، موافقًا للدِّين مع توخِّي الأمانة والصِّدق، كما لها أن تدافعَ عن المبادئ الإسلامية والشعائر الدِّينية والعقيدة والأخلاق، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، إذ من حقِّها التفقُّهُ في الدِّين، ومن شأن الفقيه التوجيهُ والإرشاد، والفتوى والمشاورةُ، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، فهي تتمتَّعُ بهذا الحقِّ مثل الرجال، لقوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»(١)، أي: في الحكم إلاَّ ما ورد من خصوص انفراد الرجال بمهامَّ مستقلَّةٍ استثناءً من هذا الأصل؛ ذلك لأنَّ الغايةَ من مشروعيةِ مباشرةِ الرأيِ السديدِ باللسان والقلم والعملِ هو إظهارُ الحقِّ وإفادةُ السامع به ليتحقَّق الصلاحُ ويضمحلَّ الفسادُ ويزهقَ الباطلُ، ويُقوِّي هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وعمومُ قوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: «لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(٢).

غيرَ أنَّ حُرِّيَّةَ التعبير والرأي لا تكون -في الإسلام- مُطلقةً عن تقييدٍ، بل هي مُنضبطةٌ بحدودٍ شرعيةٍ وأخلاقيةٍٍ؛ ذلك لأنَّ من حقِّ الشرع عدمَ التطاول على دينه وعقيدته بالطعن، والمساسِ بأحكامه بالتجاسر عليها بالتسفيه والتضليل أو الدعوة للخروج عنها، أو إيذاءِ أهل الحقِّ والدعوة والتشهيرِ بهم وتكبيرِ عيوبهم، والتنكيلِ بعموم المسلمين والإضرارِ بهم نتيجةَ الجهل أو فسادِ العلم أو الحقدِ على المسلمين، لذلك لا يجوز للمسلم أو المسلمة أن يتعاونا بنشر رأيٍ أو مقالٍ أو كلمةٍ في منتدًى أو صحيفةٍ أو مجلَّةٍ تحمل عداءً للإسلام والمسلمين، أو تنشر الفسادَ وتدعو إلى الإفساد وتستهتر بأحكام الله وتتلاعب بآياته، أو تسَفِّه شعائرَه وتستهزئ بمظاهره؛ لأنَّ فيه تعاونًا على الإثم والعدوان والظلم والباطل و«التَّعَاوُنُ عَلَى المَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ»، وقد أمر الله تعالى بالتعاون الأَخَوِيِّ المبنيِّ على البِرِّ والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

كما أنَّ على صاحب المقال والرأي أن لا يُعَبِّرَ عن خُلُقٍ غير مرضيٍّ أو جلب غريزةٍ أو الانسياق بأسلوبٍ لإثارةِ فتنةٍ، وعليه -أيضًا- أن يجرِّدَ نفسَه من المقاصد السيِّئة من السُّمعة والرِّياء وإلباسِ الحقِّ بالباطل والتعالم، فلا يتعرَّض لمواضيعَ دينيةٍ دعويةٍ إلاَّ إذا كان يتمتَّع بأهليةٍ صادقةٍ وكفاءةٍ جديرةٍ بأن تعكسَ شخصيَّتَه فيعبِّر عن رأيه وأفكاره بميزان الشرع حتى لا يقع في الشطَطِ، ومن الكذب والزور أن يُظْهِرَ للناس ما ليس فيه، وقد قال صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «المُتَشَّبِعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»(٣)، بل عليه أن يتحلَّى بخُلق الإخلاص والصِّدق، يُبْدي الرأيَ السديدَ من مُعتقَدٍ سليمٍ، يُؤازرُه العلمُ النافع والعمل الصالحُ والخلقُ القويم، بعيدًا عمَّا قد يروم الوصولَ إليه من تحقيق منصبٍ أو مغنمٍ أو مكسبٍ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١]، وإذا انتقل الرأي من العدل إلى الظلم غاب سدادُه وصار أداةَ تحريفٍ وتضليلٍ وتخريبٍ وخرجَ عن نطاق المشروع.

نسأل اللهَ أن يُريَنا الحقَّ حقًّا ويرزقَنا اتِّباعَه، والباطلَ باطلاً ويرزقَنا اجتنابَه، وأن يوفِّقنا لحقِّ العلم وخيرِ العلم وخيرِ العمل؛ فإنه الزاد المديدُ للقول السديد والرأي المفيد.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ من ذي القعدة ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٥ نوفمبر ٢٠٠٧م


(١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ في الرجل يجد البِلَّةَ في منامه (٢٣٦)، والترمذي في «أبواب الطهارة» بابٌ فيمن يستيقظ فيرى بللاً ولا يذكر احتلامًا (١١٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٣٣٣)، وفي «السلسلة الصحيحة» (٢٨٦٣).

(٢) أخرجه مسلم في «الإيمان» (٥٥) من حديث تميم الداري رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاري في «النكاح» باب المتشبِّع بما لم ينلْ وما يُنهى من افتخار الضرَّة (٥٢١٩)، ومسلم في «اللباس والزينة» (٢١٣٠)، من حديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما.