في حكم تقصير اللحية بأمرٍ إداريٍّ مِن ولاة الأمر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٨٥٧

الصنـف: فتاوى الطهارة - سنن الفطرة

في حكم تقصير اللحية بأمرٍ إداريٍّ مِن ولاة الأمر

السـؤال:

أصدرَتْ بعضُ الجهات الإدارية قانونًا يُلْزِم المُوظَّفين بتقصير اللحية، فهل يُطاعُ وليُّ الأمرِ في ذلك؟ جزاكم اللهُ خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ السُّنَّةَ التي جرى عليها السلفُ مِن الصحابة وغيرِهم إعفاءُ اللِّحية إلَّا ما زاد على القبضة فتُؤْخَذُ الزيادةُ بالقصِّ؛ فقَدْ روى أبو داود وغيرُه عن مروان بنِ سالمٍ قال: «رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَقْطَعُ مَا زَادَ عَلَى الكَفِّ»(١)، وهو المنقول عن أبي هريرة رضي الله عنه(٢)، وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما في مَعْرِض تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ[الحج: ٢٩]: «التَّفَثُ: حلق الرأس، وأخذ الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من اللحية، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة»(٣)، وقد استحبَّ ذلك مالكٌ وأحمدُ وغيرُهما، فقَدْ «روى ابنُ القاسم عن مالكٍ: «لا بأس أَنْ يُؤْخَذَ ما تَطايَرَ مِن اللحية وشَذَّ»، قيل لمالكٍ: «فإذا طالَتْ جِدًّا؟» قال: «أرى أَنْ يُؤْخَذَ منها وتُقصَّ»، وروي عن عبد الله بنِ عمر وأبي هريرة أنهما كانا يأخذان مِن اللِّحية ما فَضَلَ عن القبضة»(٤)، قال الباجيُّ المالكيُّ: «وقد استحبَّ ذلك مالكٌ ـ رحمه الله ـ لأنَّ الأخذ منهما على وجهٍ لا يغيِّر الخِلْقَةَ مِن الجمال، والاستئصالُ لهما ـ أي: الشارب واللحية ـ مُثْلَةٌ كحلقِ رأس المرأة فمُنِعَ مِن استئصالهما أو أَنْ يقع فيهما ما يُغيِّر الخِلْقةَ ويُؤدِّي إلى المُثْلة، وأمَّا ما تَزايَدَ منها وخَرَجَ عن حدِّ الجمال إلى حدِّ التشعُّث وبقاؤه مُثْلةٌ فإنَّ أَخْذَه مشروعٌ»(٥).

وعليه، فإِنْ كان الأخذُ منها ما فَضَلَ عن القبضة فقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذلك كان معروفًا عند السَّلف فِعْلُه، وتَلْزَمُ طاعةُ مَن أمَرَ اللهُ بطاعته في المعروف، أمَّا أَنْ يزيد على القبضة فإنَّ هذا مُخالِفٌ لأوامر النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بإعفاء اللِّحَى وإرخائها، وهي محمولةٌ على الوجوب في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَأَعْفُوا اللِّحَى»(٦)، و«أَرْخُوا اللِّحَى»(٧)، والمعلوم أنَّ طاعة الحاكم إنَّما تكون في طاعة الله ورسوله، فلا يجوز للمسلم أَنْ يقدِّمَ عليهما لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]؛ إذ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ»(٨)، و«إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(٩)، كما ثبت في الصحيحين عنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ صفر ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ فيفري ٢٠٠٨م


(١) أخرجه أبو داود في «الصيام» باب القول عند الإفطار (٢٣٥٧). والأثر حسَّنه الألباني في «الإرواء» (٤/ ٣٩).

(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٢٥٤٨١)، وانظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٥/ ٣٧٦).

(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٩/ ١٣٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥٦٧٣)، من طريق عطاء، والأثر صحَّحه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٥/ ٣٧٦).

(٤) انظر: «المنتقى» للباجي (٧/ ٢٦٦).

(٥) المصدر السابق: ٣/ ٣٢.

(٦) أخرجه البخاري في «اللباس» باب إعفاء اللحى (٥٨٩٣)، ومسلمٌ في «الطهارة» (٢٥٩)، مِن حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٧) أخرجه مسلمٌ في «الطهارة» (٢٦٠) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٨/ ١٧٠) مِن حديث عِمْران بنِ حُصَيْنٍ الخُزاعيِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠).

(٩) أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٥)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٠)، مِن حديث عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.