في شرح قـاعدة: «ماحُرِّمَ سدًّا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 28 شوال 1438 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2017 م



الفتوى رقم: ٨٧١

الصنـف: فتاوى الأصول والقواعد – القواعد الفقهية

في شرح قـاعدة:
«ما حُرِّمَ سدًّا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة»

السـؤال:

نود توضيحًا لقاعدة: « مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلْذَرِيعَةِ أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ».

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فإنَّ المُرادَ من قاعدة: «مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَلِلْحَاجَةِ» أنَّ مَا حُرِّمَ تَحْرِيمَ وَسَائِلَ مُفضِيَةٍ إلى مُحرَّمَاتٍ فإنه تُباحُ عند الحاجة أو المصلحة الراجحة إذا كانت لا تتحقَّق إلاَّ بها، كالنَّظر إلى المرأة الأجنبية، والخلوة بها، والنظر إلى عورة الرجل والمرأة، وتحريم رِبَا الفضل وغيرها، فإنَّها مُحرَّمةٌ تحريم وسائل؛ لأنَّها تفضي إلى ما هو مُحرَّمٌ تحريمَ مَقاصِد، فالخلوة بالأجنبية مَنهِيٌّ عنها سَدًّا للذريعة المفضية إلى الزِّنا، وحُرِّم ربا الفضل في البيوع سَدًّا للذريعة؛ لأنه يفضي إلى ربا النَّسيئة في الدُّيون، «فكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ». غيرَ أنه أُبيح ذلك من أجل الحاجة والمصلحة الراجحة، كإباحة نظر الرجل إلى المرأة إذا أراد خِطبتها، ونظرِ الطبيب إلى عورة الرجل والمرأة إذا احتاج إلى ذلك، وتحريم الذهب والحرير على الرجال حُرِّم سدًّا لذريعة التشبُّه بالنساء الملعونِ فاعلُه، وأجيز للحاجة ونحو ذلك، ويدلُّ على هذه القاعدة سفر أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْطٍ إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وهي عاتق فِرارًا بدينها(١)، وسفر عائشة -رضي الله عنها- مع صفوان بن المعطل فإنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لم ينه عنه(٢)، فدلَّ ذلك على جوازه للحاجة.

وعليه، فقاعدة «مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ أُبيِحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ» إنما يتعلَّقُ أمرها بالحاجات والمصلحة الراجحة، بخلاف قاعدة ما حرِّم لذاته ومقصده، فإنها تتعلَّق بالضرورات فلا تباح إلاَّ للضرورة كأكل الميتة إذا خشي على نفسه الهلاك ونحو ذلك.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ ربيع الأول ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ مارس ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام: (٢٥٦٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (١٤٢٩٤)، عن عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما يخبران عن أصحاب رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «.. وَكَانَتْ أُمُّ كُلثُوم بِنْت عُقْبَةَ بنِ أَبِي معيط مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يَوْمَئِذٍ وَهِيَ عَاتِقٌ فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنْ يُرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ فَلَمْ يُرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ ﴿ إِذَا جَاءَكُمُ المؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ - إلى قوله - وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾».

(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب «المغازي»، باب حديث الإفك: (٤١٤١)، ومسلم في «صحيحه» كتاب التوبة، باب في حديث الإفك: (٧٠٢٠)، عن عائشة رضي الله عنها قالت -بعد أن فقدت النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم والجيش-: «.. فَأَممْتُ مَنْزِلِي الذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المعَطّلِ السُّلَمِي ثُمَّ الذَّكْوَانِي مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينِ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ...».