في نصيحةِ مَنْ يسوِّف التوبةَ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 20 صفر 1441 هـ الموافق لـ 19 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٨٧٢

الصنف: فتاوى متنوِّعة - الرقائق

في نصيحةِ مَنْ يسوِّف التوبةَ

السؤال:

ما هي النصيحة التي تُقدِّمونها لشابٍّ أعزبَ يُدَرِّس الصبيانَ، وتَميلُ نفسُه إليهم كثيرًا إلى درجةِ أنه وَقَع في هذه الذنوبِ والمعاصي بسببِ مخالطتهم وهو يُسَوِّفُ التوبةَ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ طريق الخلاص مِنَ الذنوب إنما هو بالتوبة واستغفارِ الله تعالى، قال جلَّ وعلا: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَه[المائدة: ٧٤]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ[هود: ٣]؛ فتَعيَّن على التائب مِنْ ذنوبه الإقلاعُ عن الذنب بالقلب والجوارح، مع الندم على المعصية، والعزمِ على عدم الرُّجوع إليه، ولا بُدَّ للمغفرة مِنَ الإقلاع عن الذنب وإصلاحِ الحال، قال تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩[المائدة]، كما أنَّ الواجب عليه أَنْ يَستبدِلَ العملَ الصالحَ مكانَ العمل السيِّئِ حتَّى تصدق توبتُه، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّ‍َٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١[الفرقان]، وتغييرُ العملِ السيِّئ يكون باجتنابِ مواردِ الفتن المُوقِعَة في الشهوات والفاحشة كمخالطة الصبيان والمِرْدان والنسوان، وإذا لم يتمَّ ذلك إلَّا بترك التدريس فعليه فِعْلُه؛ لأنَّ «مَا لَا يَتِمُّ تَرْكُ الحَرَامِ إِلَّا بِتَرْكِ الجَمِيعِ فَتَرْكُهُ وَاجِبٌ».

والتوبةُ واجبةٌ بظاهر الآيات والأخبار، ولا خلافَ في وجوبها لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا[التحريم: ٨]، أي: خاليةً مِنَ الشوائب، وهي واجبةٌ على الفور لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧[النساء]، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «واتَّفقوا على أنَّ التوبةَ مِنْ جميع المعاصي واجبةٌ، وأنها واجبةٌ على الفور لا يجوز تأخيرُها، سواءٌ كانَتِ المعصيةُ صغيرةً أو كبيرةً»(١).

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ المعاصيَ مُهْلِكاتٌ تبعث ـ بالضرورة ـ على تركِها، فمَنْ لم يتركها فهو فاقدُ الإيمان المطلق؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»(٢).

فعليك أَنْ تسلك سُبُلَ الهِداية، وأَنْ تترك سُبُلَ الغواية، وأَنْ تلتزم الاستقامةَ حتَّى تنال الكرامةَ، وطالِعْ ـ لزومًا ـ كتابَ «الداء والدواء»(٣) لابن قيِّم الجوزية؛ تَجِدْ فيه ما يُعينك على إصلاحِ حالِك، ويساعدك على تقويمِ سلوكك وأخلاقِك، فترجع إلى الحقِّ وتَحْذَر مِنَ الرجوع إلى فتن الشهوات بعد التوبة؛ لأنَّ العودة إلى تلك المعاصي خطرٌ على دِين المرء، وكذا مَنْ تَرَك المبادرةَ إلى التوبة بالتسويف كان بين مَهْلَكتين عظيمتين: إمَّا أَنْ تتراكم الظُلمةُ في قلبه مِنَ المعاصي حتَّى يَسْوَدَّ فيصيرَ طبعًا له فلا يقبل المحوَ، وإمَّا أَنْ يستعجلَه المرضُ أو الموتُ فلا يجدَ سبيلًا للتدارك أو مُهلةً للاشتغال بمحو الذنوب والمعاصي.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ ربيع الأوَّل ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ مارس ٢٠٠٨م

 


(١) «شرح مسلم» للنووي (١٧/ ٥٩).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «المظالم والغصب» باب النُّهبى بغيرِ إذنِ صاحِبِه (٢٤٧٥)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٥٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) انظر الكلمة الشهرية رقم: (١١) الموسومة ﺑ: «طُرُق الخلاص مِنَ الذنوب وتكفير السيِّئات» على الموقع الرسميِّ.