في معنى الخيار وأقسامه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٨٩٤

الصنـف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في معنى الخيار وأقسامه

السـؤال:

يذكر العلماء كثيرًا في باب البيوع لفظةَ «الخيار»، ولذا نرجو من شيخنا -حفظه الله- أن يوضِّح المقصود منه؟ وبعضَ أنواعه؟ وجزاه الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالخِيارُ: «هو طَلَبُ خَيْرِ الأَمْرَيْنِ مِنَ الإِمْضَاءِ أَوْ الفَسْخِ وَالإِلْغَاءِ»، بمعنى أنَّ العاقد مُخيَّر بين هذين الأمرين، إن كان الخيارُ خيارَ شرطٍ أو رُؤية أو عيب أو تدليس... أو يختار أحدَ المبيعين إن كان الخيار خيار تعيين(١).

والأصلُ في عقد البيع أن يكون لازمًا متى استكمل شرائطَه، ومعنى اللزوم: أن لا يستطيع أحدُ المتعاقدين التحلُّلَ من قَيده بعد تمام العقد ولا تعديلَه؛ لأنَّ الوفاء بالعقود واجبٌ شرعًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، إذ أنَّ الرجوعَ فيه تغييرٌ للوضع الحقوقي الذي استقرَّ عليه المتعاقدان، وأنَّ إرادة أحدِ المتعاقدين غيرُ كافيةٍ في نقض هذا الوضع أو تعديله، إلاَّ إذا تطابقت إرادتَا المتعاقدَين على التحلُّل منه، أو تعديله عن طريق التراضي كركن أساسي وجوهريٍّ في العقود من جهة، أو بسبب الأحكام التي يقرِّرها الشرعُ من جهة أخرى.

ومن هنا يتجلَّى بوضوحٍ مصدرُ الخيارات المشروعة استثناء من اللزوم في العقود، ويتمثَّل هذا المصدر في:

- اتِّفاق العاقدين، كخيار الشرط مثلاً.

- وفي حكم الشرع كخيار التدليس والرؤية مثلاً.

هذا، وقد شُرعت الخيارات لحِكمةٍ جليلةٍ، مُتَجلِّيةٍ في حِفظ مصلحةِ المتعاقدين وضمانِ رضاهما، وفي دفع الضرر الذي قد يلحق أحدَ العاقدين، وعلى ذلك مَنَحَ الشارع لهذا العاقد فرصةً يحتاط فيها لنفسه متداركًا فيها ما قد يفوته ويندم عليه، ومع هذا كلِّه لم يُطلق الشارع أمرَ الخيار، بل قَيَّده بشروطٍ حفاظًا على قيمة العقد كي لا يتعرَّض للنقض والإبطال من غير سببٍ صحيحٍ.

والخيار ينقسم -بحسَب الاستقراء- إلى أنواعٍ متعدَّدة، يمكن حصر الكلام في ستَّة أنواعٍ منها:

١ - خيار المجلس: وهو أن يكون لكلٍّ من العاقدين حقّ فسخ العقد بعد تمامه ما داما في مجلس العقد لم يتفرَّقا عنه.

٢ - خيار الشرط: وهو أن يشترط أحد المتعاقدين أو كلاهما الخيارَ لنفسه في فسخ العقد أو إمضائه خلال مُدَّةٍ معلومةٍ، أو يخيِّر أحدهما الآخرَ في مجلسِ العقد فيختار إمضاء العقد ولزومه.

٣ - خيار الغَبن: وهو عدم التعادل والتساوي بين ما يعطيه العاقد وما يأخذه، والمراد بالغَبن في هذه الصورة المسترسِل: وهو من جهل القيمةَ، ولا يُحسِنُ المماكسةَ من بائع ومشتر، فيحصل له الغَبن لجهله بالبيع، فهو شبيه بالقادم من سفر، ويلاحظ –أيضًا- أنَّ المقصود بالغَبن الذي لا يخرج عن العادة أو عن المعروف في السوق، وله صُوَرٌ أخرى منها خيار تلقِّي الركبان، وخيار النَّجش.

٤ - خيار التدليس: وهو أن يدلِّس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن، فيَحِقُّ للمشتري فسخَ البيع على نحو ما ورد في حديث المصرّاة(٢).

٥ - خيار العيب: وهو أن يكون لأحد العاقدين الحقُّ في فسخ العقد أو إمضائه إذا وجد عيبًا في أحد البَدَلَين، ولم يكن صاحبه عالمًا به وقت العقد.

٦ - خيار الرؤية: وهو أن يكون للمشتري حقُّ فسخ العقد أو إمضائه عند رؤية المعقود عليه، إذا كان المبيع معلومًا لكن لم يشاهد عند إنشاء العقد أو قبله بوقت لا يتغيَّر فيه عادة.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١ ماي ٢٠٠٨م


(١) خيار التعيين: هو أن يكون للعاقد حقّ تعيين أحد الأشياء الثلاثة المختلفة في الثمن والصفة المذكورة في العقد: وعند التعيين يصير المعقود عليه معلومًا بعد أن كان مجهولاً نسبيًا، وهو مختلف فيه، فمنعه الشافعي وأحمد وزُفَر من الحنفية، وأجازه أبو حنيفة وصاحباه، «تبيين الحقائق» للزيلعي: (٢/ ٢٧)، «البدائع»: (٢٦١).

(٢) عن أَبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قَالَ: «لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ» متّفق عليه: البخاري: (٢٠٤١)، ومسلم: (٣٨٣٠)، ولمسلم: (٣٨٣٢) «فَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ».