في حكم استقبال المصلِّين الجنازةَ بصلاة الفريضة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩١٥

الصنف: فتاوى الجنائز

في حكم استقبال المصلِّين الجنازةَ
بصلاة الفريضة

السؤال:

كثيرًا ما تُوضَع الجَنازةُ في المسجد أمامَ المحراب، وتُؤدَّى صلاةُ الفريضة وهي في قِبْلة المُصَلِّين، بُغْيَةَ الصلاةِ عليها بعد الانتهاءِ مِن الفريضة؛ فما حُكْمُ صلاةِ الفريضة في هذه الحالة؟ وبارك اللهُ فيكم.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد وَرَدَتْ مَناهٍ عديدةٌ عن اتِّخاذِ القبورِ مَساجِدَ، والنهيُ عن اتِّخاذها لا يخرج عن معنى السجودِ عليها وإليها، واستقبالِها بالصلاة والدعاء، وبناءِ المساجد عليها، وتقصُّدِ الصلاةِ فيها، وهو شاملٌ لها جميعًا؛ ويدلُّ عليه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَلُّوا إِلَى قَبْرٍ وَلَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْرٍ»(١)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا»(٢)، وقد «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى القُبُورِ»(٣)، و«نَهَى نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْنَى عَلَى القُبُورِ أَوْ يُقْعَدَ عَلَيْهَا أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهَا»(٤)، ولا خلافَ بين الأئمَّةِ والعلماء المعروفين في تحريمِ ذلك.

هذا، وإذا كان استقبالُ القبرِ والصلاةُ إليه مَنْهِيًّا عنهما فمِن بابٍ أَوْلَى أن يُنهى نهيًا مؤكَّدًا عن استقبالِ الجنازةِ الموضوعةِ إلى قِبْلة المُصَلِّين في الصلاة المكتوبة، لِمَا تَشْمَله صورةُ استقبالِ الجنازةِ بالأحرويةِ مِن تلك المعاني السالفةِ البيانِ مِن تحريمِ اتِّخاذِ القبورِ ليُسْجَد عليها أو إليها، أو ليستقبلَها بالصلاةِ والدعاء.

وفي مضمونِ هذا المعنى مِن النهي عن الصلاة إليها يقول المُلَّا علي القاري ـ رحمه الله ـ في «مرقاة المفاتيح» ما نصُّه: «ولو كان هذا التعظيمُ حقيقةً للقبر أو لصاحِبِه لَكَفَر المُعظِّم؛ فالتشبُّهُ به مكروهٌ، وينبغي أن تكون كراهةَ تحريمٍ، وفي معناه ـ بل أَوْلَى منه ـ: الجنازةُ الموضوعة، وهو ممَّا ابْتُلِيَ به أهلُ مكَّةَ حيث يَضَعون الجنازةَ عند الكعبةِ ثمَّ يستقبلون إليها»(٥).

وعليه، فلا ينبغي للمُصَلِّي استقبالُ الجنازةِ قاصدًا، لا بمُفْرَده ولا مع الإمام، فإن صَلَّى ـ والحالُ هذه ـ أثِمَ وأعادها، أمَّا إن صلَّى وهو لا يعلم بوجودها في قِبْلةِ المصلِّين صحَّتْ صلاتُه مِن غيرِ إثمٍ، والواجبُ أن تُوضَعَ الجنازةُ خارِجَ المسجدِ في «المصلَّى» أو على أَبْعَدِ تقديرٍ خَلْفَ المُصَلِّين؛ حتَّى لا يقع المُصَلُّون في هذه المُخالَفةِ المَنْهِيِّ عنها.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ جمادى الأولى ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ ماي ٢٠٠٨م


(١) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١٢٠٥١) مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١٠١٦).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الجنائز» (‏٩٧٢) مِن حديث أبي مَرْثَدٍ الغَنَويِّ رضي الله عنه.

(٣) أخرجه ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٢٣٢٣) مِن حديث أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩٣).

(٤) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (١٠٢٠) مِن حديث أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه. قال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٣/ ١٩١): «رجالُه ثِقَاتٌ»، والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «تحذير الساجد» (٣٠).

(٥) «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» لعلي القاري (٤/ ١٧٨).