في اعتبار الشرط الشرعي بأنواعه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 18 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 23 مايو 2019 م

في صفحة [٤٠] من «الفتح المأمول» قولكم: «دخول الوقت شرط وجوب» هذا خطأ؛ لأنَّ شرط الوجوب لا تتخلَّف الصحة بتخلُّفه، وليس الأمر هنا كذلك، وعندي: أنَّ في تعريفي السبب والشرط فيهما إبهام وتداخل... للمزيد

الفتوى رقم: ٩٦٥

الصنـف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في اعتبار الشرط الشرعي بأنواعه

السـؤال:

في صفحة [٤٠] من «الفتح المأمول» قولكم: «دخول الوقت شرط وجوب» هذا خطأ؛ لأنَّ شرط الوجوب لا تتخلَّف الصحة بتخلُّفه، وليس الأمر هنا كذلك، وعندي: أنَّ في تعريفي السبب والشرط فيهما إبهام وتداخل، وشرط [الوجوب] ليس داخلاً في تعريف الشرط البتة، فعبارة «يلزم من وجوده الوجود» الوجود الثاني قد يكون وجود الصحة أو وجود الوجوب لا وجود الفعل؛ لأنه لا يكون إلاَّ بفعل المكلَّف له.

لذلك في نظري أنَّ التعريفات تكون كالآتي:

-١- شرط الصِّحة: هو ما يلزم من وجوده الصحة ومن عدمه عدمها.

-٢- شرط الوجوب: هو ما يلزم من وجوده الوجوب ومن عدمه عدمه.

-٣- السبب: هو ما يلزم من وجوده الوجوب والصحة معًا، ومن عدمه عدمها معًا.

٤- المانع:       - مانع من الصحة: ما يلزم من وجوده عدم الصحة.

                   - مانع من الوجوب: ما يلزم من وجوده عدم الوجوب. والله أعلم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالمقصود بالشرط الشرعيِّ الذي هو قسيمٌ للشرط اللغوي والعقليِّ والعاديِّ إنما هو على أنواع: شرط وجوب، وشرط صِحة، كما صرَّح بذلك أهل العلم، وعَنَوْا بكونهما شرطين انتفاء الحكم عند انتفائهما(١)، وزاد بعضُهم شرط الأداء.

ومعيار الفرق بين شرط الوجوب كزوال الشمس وسائر الصلوات أسباب لوجوبها، وطلوع الهلال سبب وجوب رمضان، وصلاة العيدين والنسك، والبلوغ شرط لوجوبها، والنقاء من الحيض والنفاس، وحولان الحول شرط لوجوبها، وغيرهما من شروط الوجوب المتجرِّدة من خطاب التكليف والطلب، فشرط الوجوب هو ما يكون الإنسان بسببه مكلَّفًا، ولا يؤمر بتحصيل ما كلّف به سواء دخل تحت قدرته أم لم يدخل، أمَّا شرط الصحة كالوضوء للصلاة وستر العورة لها، وقراءة الفاتحة فيها، فهو ما جعل الشارع وجوده سببًا في حصول الاعتداد بالفعل وصِحته، غير أنَّ صحة الواجب قد تشترط لها شروط في الوجوب من حيث هي شروط في الوجوب، لذلك حصل التلازم الرابط بين شرط الوجوب وشرط الصحة، فكلُّ شرط وجوب فهو شرط صحة، لتوقُّف الصحة على الوجوب؛ ذلك لأنَّ شرط الوجوب من خطاب الوضع وشرط الصحة من خطاب التكليف والطلب، وخطاب الوضع أعمُّ من خطاب التكليف عمومًا مُطلقًا، إذ قد ينفرد خطاب الوضع من حيث لا تكليف كلزوم المتلفات وأروش الجنايات لغير المكلف كالصبي، بينما لا يتصور استقلال خطاب التكليف عن خطاب الوضع، وتقريرًا لهذا المعنى قال القرافي -رحمه الله-: «لا يُتَصوَّر انفراد خطاب التكليف، إذ لا تكليف إلاَّ وله سبب أو شرط أو مانع»(٢)، ووافقه عليه الطوفي -رحمه الله- بقوله: «وهذا أشبه بالصواب»(٣). وعليه، فلا يقال بأنّ شرط الوجوب لا تتخلَّف الصحة بتخلُّفه -كما جاء عن المعترض-.

وأمَّا شرط الأداء فهو حصول شرط الوجوب مع التمكُّن من إيقاع الفعل، فيخرج الغافل والنائم والساهي ونحوهم، فإنهم غير مُكلَّفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم لوجود مانع.

هذا، وقول المعترض على إيراد القسمة السابقة بشرط الوجوب بأنها خطأ ينم عن جهل مُركَّبٍ من جهة مخالفته لما درج عليه الأصوليون من إقامة الفرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة؛ ولأنَّ في نفي هذه القسمة إبطالاً لعين التفريق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، إذ شرط الصحة من خطاب التكليف –كما تقدم- وشرط الوجوب من خطاب الوضع، ولا قائل بنفيه.

والمراد من صيغة تعريف الشرط بأنه: «لا يلزم من وجوده الوجود» إنما هو وجود الحكم المترتِّب على وجود الشرط الشرعي بأنواعه سواء كان شرط وجوب أو شرط صحة أو شرط أداء.

والالتباس الواقع في تعريف الشرط والسبب فإنما هو حاصل من جهة اشتراكهما في العدم، وقد وضع العلماء ضوابط التفريق بينهما تظهر على الجهات التالية:

من جهة الإضافة: فالسبب يضاف الحكم إليه، مثل أن يُقال: صلاة الظهر، أو كفارة اليمين، فالصلاة حكم شرعي أضيف إلى سببه وهو الظهر، وكذلك الكفارة فهي حكم شرعي أضيفت إلى سببها وهو اليمين، ولا يحصل ذلك في الشرط فلا يقال فيه صلاة الوضوء، أو زكاة الحول، أو صلاة ستر العورة مثلاً.

• من جهة التأثير: فالشرط يؤثِّر في الحكم من جهة العدم فقط، بينما السبب يؤثِّر في الحكم من جهة الوجود والعدم، فوجود الوضوء لا يلزم منه الصلاة، فهو شرط؛ لأنَّ السبب يلزم من وجوده وجود المسبَّب. كالسرقة فإنه يلزم من وجودها وجودُ الحكم، وهو قطعُ اليد.

• من جهة الاقتران بالحكم: فالشرط يأتي مقارنًا للحكم غير مفارق له، كالطهارة للصلاة، والحول للزكاة، بخلاف السبب فلا يلزم فيه المقارنة، فقد يأتي السبب مُتقدِّمًا على الحكم وهو الأصل، فأكثر الأحكام من هذا القبيل، مثل الأسباب الموجبة للصلوات والزكاة والحجِّ والبيع والنكاح، فيتأخَّر حكم الشيء عن سببه، وقد يأتي السبب مقارنًا للحكم وهو واقع في العديد من الأحكام كشرب الخمر والزنا والسرقة وقطع الطريق فهي أسباب موجِبة للحدِّ، ومثل إحياء المَوَات فإنه سبب فوري للملك.

من جهة المناسبة الذاتية: فالشرط ليس فيه مناسبة في نفسه بخلاف السبب فإنه مناسب في ذاته، فمثلاً: النصاب فإنه سبب في وجوب الزكاة، وهو مشتمل على الغِنى في ذاته بخلاف حولان الحول ومروره فإنه ليس فيه مناسبة في ذاته، وإنما هو مُكمِّل لحِكمة الغِنى في النِّصاب، وذلك مِن تنمية المال في جميع الحول.

هذا، والتعريفات التي ذكرها المعترض خلط عريض لا يستقيم مع صِحة النظرة الأصولية، فقد جعل الشرط بنوعيه مؤثِّرًا في الحكم من جهة الوجود، وهو غير صحيح؛ لأنَّ المراد بشرط الصحة والوجوب كونهما نوعي الشرط الشرعي، والذي هو قسيم السبب، كما أوقع المعترض من تداخل بين الشرط والسبب والمانع ما لا تشهد له المصادر الأصولية برُمَّتها.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في ٨ رجب ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١١ جويلية ٢٠٠٨م


(١) «المحصول» للرازي: (٢/ ٢٠٦)، «مذكرة الشنقيطي» في الأصول: (٤٣).

(٢) «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (٨١).

(٣) «شرح مختصر الروضة» للطوفي: (١/ ٤٤٠).