Skip to Content
الجمعة 10 شوال 1445 هـ الموافق لـ 19 أبريل 2024 م



الحدود شُرِعَتْ رحمةً من الله بعباده

فينبغي أنْ يُعْرَفَ أنَّ إقامةَ الحدِّ رحمةٌ مِنَ اللهِ بعبادِه: فيكون الوالي شديدًا في إقامةِ الحدِّ، لا تأخذه رأفةٌ في دينِ اللهِ فيعطِّله، ويكون قصدُه رحمةَ الخلقِ بكفِّ الناسِ عنِ المنكراتِ؛ لا شفاءَ غيظِه وإرادةَ العلوِّ على الخَلْقِ، بمنزلةِ الوالدِ إذا أدَّب ولدَه؛ فإنَّه لو كفَّ عن تأديبِ ولدِه ـ كما تُشير بِهِ الأمُّ رقَّةً ورأفةً ـ لفسد الولدُ، وإنَّما يؤدِّبه رحمةً به وإصلاحًا لحالِه؛ مع أنَّه يؤدِّبه ويُؤْثِرُ أنْ لا يُحوجَه إلى تأديبٍ، وبمنزلةِ الطبيبِ الذي يسقي المريضَ الدواءَ الكريهَ، وبمنزلةِ قطعِ العضوِ المتآكلِ والحجمِ وقطعِ العروقِ بالفصادِ ونحوِ ذلك، بل بمنزلةِ شربِ الإنسانِ الدواءَ الكريهَ، وما يُدخله على نفسِه مِنَ المشقَّةِ لينالَ به الراحةَ، فهكذا شُرعتِ الحدودُ، وهكذا ينبغي أن تكونَ نيَّةُ الوالي في إقامتِها، فإنَّه متى كان قصدُه صلاحَ الرعيَّةِ والنهيَ عنِ المنكراتِ بجلبِ المنفعةِ لهم ودفعِ المضرَّةِ عنهم، وابتغى بذلك وجهَ اللهِ تعالى وطاعةَ أمرِه؛ ألان اللهُ له القلوبَ وتيسَّرتْ له أسبابُ الخيرِ، وكفاه العقوبةَ اليسيرةَ، وقد يرضى المحدودُ إذا أقام عليه الحدَّ. وأمَّا إذا كان غرضُه العلوَّ عليهم وإقامةَ رياستِه ليعظِّموه، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموالِ انعكس عليه مقصودُه.

[«السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعيَّة» لابن تيمية (٧٩)]