«التصفيف الأوَّل: بيان قواعد الإسلام الخمس (١)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م

العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الأوَّل: بيان قواعد الإسلام الخمس (١)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

افْتِتَاحٌ

الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْه(١) وَنَسْتَغْفِرُهُ، [وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا](٢)، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَنَشْهَدُ(٣) أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ(٤)، [وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ](٥)(٦).

قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ
-بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ-

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»(٧)(٨).

الكَلاَمُ عَلىَ القَاعِدَةِ الأُولىَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا:

أَوَّلاً: لاَ نَجَاةَ لِأَحَدٍ عِنْدَ اللهِ تَعَالىَ إِلاَّ بِالدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ(٩) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾(١٠)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾(١١).

ثَانِيًا: الإِسْلاَمُ هُوَ دِينُ اللهِ الذِي أَرْسَلَ بِهِ جَمِيعَ رُسُلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾(١٢)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(١٣)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾(١٤)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(١٥). بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(١٦).



(١) قوله: «ونتوب إليه» زيادةٌ مدرجةٌ في الحديث الوارد في خطبة الحاجة، والأَوْلى ذكرُ الخطبة -كما هي- مع المحافظة على نصِّها الثابت من غير زيادةٍ عليها.

وقد اقتصر المصنِّف على صدر الخطبة، وورد في نصِّها بعد قوله: «وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله» ذكرُ الآيات التالية مرتَّبةً على الوجه التالي:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠- ٧١].

(٢) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من نصِّ المصنِّف.

(٣) أورد المصنِّف الفعلَ في الشهادتين بصيغة الجمع، وهو خلاف المنصوص عليه في الأحاديث المثبِتة لها بصيغة المتكلِّم المفرد، فالأفعال في نصِّ الأحاديث وردت بصيغة الجمع ما عدا الشهادتين، قال ابن القيِّم -رحمه الله- في [«تهذيب السنن» (٦/ ١٤٩)]: «والأحاديث كلُّها متَّفقةٌ على أنَّ: «نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ» بالنون، والشهادتان بالإفراد: «وأشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لمَّا كانت كلمة الشهادة لا يتحمَّلها أحدٌ عن أحدٍ، ولا تقبل النيابةَ بحالٍ أفرد الشهادةَ بها، ولمَّا كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك: فيستغفر الرجل لغيره، ويستعين اللهَ له، ويستعيذ بالله له؛ أتى فيها بلفظ الجمع، ولهذا يقول: «اللهمَّ أعِنَّا، وأعِذْنا، واغفرْ لنا». قال ذلك في حديث ابن مسعودٍ، وليس فيه «نَحْمَدُهُ»، وفي حديث ابن عبَّاسٍ «نَحْمَدُهُ» بالنون، مع أنَّ الحمد لا يتحمَّله أحدٌ عن أحدٍ ولا يقبل النيابةَ، فإنْ كانت هذه اللفظة محفوظةً فيه إلى ألفاظ الحمد والاستعانة على نسقٍ واحدٍ.

وفيه معنًى آخر، وهو أنَّ الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلبٌ وإنشاءٌ، فيُستحبُّ للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين، وأمَّا الشهادة فهي إخبارٌ عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيِّه بالرسالة، وهي خبرٌ يطابق عَقْدَ القلب وتصديقَه، وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله بخلاف إخباره عن غيره، فإنه إنما يخبر عن قوله ونُطقه لا عن عقد قلبه، والله أعلم».

(٤) أخرجه بهذا اللفظ مسلمٌ: (٦/ ١٥٣) في «الجمعة»، باب: خطبته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في الجمعة، وابن ماجه: (١/ ١٧) رقم: (٤٥)، وأحمد في «مسنده» برقم: (٥٣٧١) والبيهقيُّ في «الجمعة» برقم (٦٠١٠) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفي صدره: «فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ». وفي روايةٍ أخرى: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» أخرجه أبو داود: (٥/ ١٥) رقم: (٤٦٠٧)، والترمذي: (٥/ ٤٤) رقم: (٢٦٧٦)، وابن ماجه: (١/ ١٦) رقم: (٤٢)، وأحمد في «مسنده» برقم: (١٧٦٠٨) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ».

(٥) ما بين المعقوفتين زيادةٌ أخرجها النسائيُّ (٣/ ١٨٨-١٨٩) في «العيدين» باب: كيف الخطبة، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن النسائي» (١/ ٥١٢) رقم: (١٥٧٧).

هذا، وللمحدِّث ناصر الدين الألباني رسالةٌ قيِّمةٌ في خطبة الحاجة تتبَّع طُرُقَها وألفاظها من مختلف كتب السنَّة المطهَّرة، وذكر جملةً من فوائدها، وآخر طبعةٍ للرسالة تولَّتها مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، سنة: (١٤٢١ﻫ/ ٢٠٠٠م).

(٦) هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يعلِّمها أصحابَه كما يعلِّمهم التشهُّدَ في الصلاة، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يفتتح خُطَبَه بها، وكان السلف الصالح يقدِّمونها بين يدي دروسهم وكتبهم ومختلف شئونهم، وقد دأب الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- على هذه الصيغة عند افتتاح مجالسه العلمية العامرة، ودروسه العامَّة تأسِّيًا بالنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ولعلَّ من آثار حصول النفع والفائدة من مجالسه حِرْصَه على المحافظة عليها، ولا يخفى أنَّ خطبة الحاجة تتضمَّن الحمد والثناء على الله بما هو أهلُه، والتشهُّد الذي إن خَلَتِ الخطبةُ منه فإنها تُعَدُّ كاليد المقطوعة التي لا طائل تحتها على ما أخبر به النبيُّ المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بقوله: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» [أخرجه أبو داود (٥/ ١٧٣)، وأحمد (٢/ ٣٠٢-٣٤٣)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٢٠٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (٣/ ١٨٩)، وفي «السلسلة الصحيحة» (١/ ١١٥) رقم: (١٦٩)].

لذلك يُستحبُّ المحافظة على نصِّها في افتتاح الخطب والدروس والمحاضرات، وفي طلائع الرسائل وصدور الكتب ومقدِّمة المصنَّفات، وعند عقود النكاح، تمسُّكًا بالسنَّة وعملاً بالهدي المغني عن التعبيرات الكثيرة المختلفة التي يأتي بها الوعَّاظ وغيرهم، وخير الهدي هديُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

قال الأستاذ محمَّد الصالح رمضان في هذا الموضع من روايته في «مقدِّمة العقائد» (٢٣): «هذا ما حفظناه عن أستاذنا الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس، وقد كان يفتتح به دروسَ التفسير العمومية كلَّ ليلةٍ طيلةَ السنوات التي قرأناها عليه، رحمه الله ورضي عنه».

(٧) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ (١/ ٤٩) في «الإيمان»، باب: «دعاؤكم: إيمانكم»، ومسلمٌ (١/ ١٧٧) في «الإيمان»، باب بيان أركان الإسلام، والترمذيُّ (٥/ ٥) في «الإيمان» بابُ ما جاء بُني الإسلام على خمسٍ، والنسائيُّ (٨/ ١٠٧) بابٌ: على كم بُني الإسلام، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (١/ ١٧)، باب بيان الأعمال، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

هذا، وقد ورد في رواية البخاريِّ والنسائيِّ تقديمُ الحجِّ على الصوم، وعليه بنى البخاريُّ ترتيبَه، لكنْ ورد في مسلمٍ (١/ ١٤٦) من رواية سعد بن عبيدة عن ابن عمر بتقديم الصوم على الحجِّ وفيه: «فقال رجلٌ: «الحَجُّ وَصِيَامُ رَمَضَانَ» قَالَ: «لاَ، صِيَامُ رَمَضَانَ وَالحَجُّ، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»»، قال ابن حجرٍ في «الفتح» (١/ ٥٠): «ففي هذا إشعارٌ بأنَّ رواية حنظلة التي في البخاريِّ مرويةٌ بالمعنى».

(٨) هذا الحديث هو أحد أركان الإسلام، ودعائمه العظام، وجوامع الأحكام، إذ هو أصلٌ في معرفة الدين، ومجمع أركانه التي عليها بُني وبها يقوم، وعليها اعتمادُه، وهذه القواعد والأركان منصوصٌ عليها في القرآن الكريم، وليست هي كلَّ الإسلام، لأنَّ شُعَب الإيمان كثيرةٌ كما ثبت عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» الحديث [أخرجه مسلمٌ (٢/ ٣) وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، وإنما خصَّ هذه بالذكر لأهمِّيَّتها، ولم يذكر معها الجهادَ مع أنه يُظهر الدينَ ويقمع عنادَ الكافرين، لأنَّ الجهاد فرضٌ على الكفاية ولا يتعيَّن إلاَّ في بعض الأحوال بخلاف هذه الخمس فهي فرضٌ دائمٌ لا يسقط بحالٍ، قال ابن رجبٍ -رحمه الله- في «جامع العلوم والحِكَم» (٤١): «والمقصود تمثيل الإسلام ببنيانٍ ودعائمُ البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقيَّة خصال الإسلام كتتمَّة البنيان، فإذا فُقد منها شيءٌ نقص البنيان وهو قائمٌ لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس؛ فإنَّ الإسلام يزول بفقدها جميعِها بغير إشكالٍ، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله».

والحديث يفيد أنَّ الإسلام عقيدةٌ وعملٌ، وأنَّ هذه الأركانَ مرتبطةٌ ومتماسكةٌ، فمن حقَّقها كاملةً كان مسلمًا كامل الإيمان، ومن لم يأتِ بالشهادتين، أو أنكر وجوبَ شيءٍ من الأركان الأربعة، أو امتنع عن فِعْلِها كبرًا وحسدًا أو بغضًا لله ورسوله أو بغضًا لِما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؛ فهو كافرٌ بالإجماع. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٠٢، ٦٠٩، ١٠/ ٤٣٤، ٢٠/ ٩٧، ٢٢/ ٤٠، ٣٥/ ١٠٥)].

أمَّا من أقرَّ بوجوبها وأهمل شيئًا من الأربعة غير الشهادتين كسلاً وتهاونًا، أو انشغالاً عنها بأمورٍ أخرى، فهذا موضع خلافٍ بين العلماء:

• بين مكفِّرٍ لتارك واحدةٍ من الأربعة: وهو إحدى الروايات عن أحمد، وهو مرويٌّ عن سعيد بن جبيرٍ والحسن البصريِّ والسدِّيِّ وغيرهم [انظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٢١)، «تفسير القرطبي» (٤/ ١٥٣)، «كتاب الصلاة وحكم تاركها» لابن القيِّم (٣٠)].

• وبين مكفِّرٍ لتارك الصلاة والزكاة فقط: وهو مرويٌّ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وهي الرواية الثانية عن أحمد [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٠٣)، «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (٢٤٦)].

• وذهبت طائفةٌ من أصحاب مالكٍ والشافعيِّ ومن أصحاب أحمد إلى القول أنه لا يكفر إلاَّ بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد.

• لكنَّ المشهور عند جمهور أهل العلم من أصحاب أبي حنيفة ومالكٍ والشافعيِّ وأحمد أنه لا يكفر بترك شيءٍ من الأركان الأربعة، وهي الرواية الرابعة عن الإمام أحمد [انظر: «الأمَّ» للشافعي (١/ ٢٩١)، «البيان والتحصيل» لابن رشد (١/ ٤٧٥-٤٧٧)، «المغني» لابن قدامة (٢/ ٤٤٢)، «شرح مسلم» للنووي (٢/ ٧٠)، «جامع العلوم والحِكَم» لابن رجب (٤١)].

وأهل السنَّة متَّفقون على أنه لا يكفر بالذنب، وإنما أرادوا به المعاصيَ كالزنا والشرب، أمَّا المباني المتقدِّمة ففي تكفير تاركها النزاعُ السابق [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٠٢)].

(٩) وتكملةً للقاعدة فالأَوْلى أن يضاف إليها بعد قوله: «إلاَّ بالدخول في الإسلام» عبارة: «ولزومِه له من غير مفارقةٍ حتى الموت»، ذلك لأنَّ من عاش على شيءٍ مات عليه، ومن مات على شيءٍ بُعث عليه، وهذه العبارة المضافة تدلُّ عليها الآية الثانية التي استشهد بها المصنِّف -رحمه الله-.

(١٠) آية ٨٥ من سورة آل عمران، ومعنى الآية أنَّ الإسلام هو المنهاج الذي أسلمنا لله تعالى بالإيمان به والانقياد له، فهو دين الله تعالى وشريعته، فمن ابتغى غيرَه فعملُه مردودٌ عليه، وهو معدودٌ من الخاسرين يوم القيامة.

(١١) جزءٌ من الآية ١٣٢ من سورة البقرة، قوله: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فيه إيجازٌ بليغٌ، والمراد: «الْزَمُوا الإسلامَ ولا تفارقوه حتى تموتوا»، والمراد بالدين المصطفى في الآية الذي أوصى به يعقوبُ بنيه كما أوصى به إبراهيم بنيه هو ملَّتُه التي لا يرغب عنها إلاَّ من سَفِهَ نفسَه، وهي الملَّة التي جاء بها محمَّدٌ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم [انظر: «فتح القدير» للشوكاني (١/ ١٤٥)]، وهي الحنيفية السمحة التي بعث الله بها النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أي: التوحيد الخالص المضادَّ للشرك.

(١٢) جزءٌ من الآية ١٩ من سورة آل عمران، قال ابن القيِّم -رحمه الله تعالى- في «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤١): «وقد دلَّ قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] على أنه دينُ جميع أنبيائه ورُسُله وأتباعهم من أوَّلهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن لله قطُّ ولا يكون له دينٌ سواه، قال أوَّل الرسل نوحٌ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، وقال إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقال يعقوب لبنيه عند الموت: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وقال موسى لقومه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقالت ملكة سبأٍ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].

فالإسلام دينُ أهل السماوات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل الله من أحدٍ دينًا سواه».

وهذا هو الإسلام بمعناه العامِّ، ويأتي بمعنًى خاصٍّ وهو ما جاء به نبيُّنا خاصَّةً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى» (٣/ ٩٤)]: «وقد تنازع الناس فيمن تقدَّم من أمَّة موسى وعيسى: هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاعٌ لفظيٌّ، فإنَّ الإسلام الخاصَّ الذي بعث الله به محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم المتضمِّنَ لشريعة القرآن ليس عليه إلاَّ أمَّةُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، والإسلامُ -اليومَ عند الإطلاق- يتناول هذا، وأمَّا الإسلام العامُّ المتناول لكلِّ شريعةٍ بعث الله بها نبيًّا فإنه يتناول إسلامَ كلِّ أمَّةٍ متَّبِعةٍ لنبيٍّ من الأنبياء».

(١٣) الآية ٦٧ من سورة آل عمران.

(١٤) جزءٌ من الآية ٤٤ من سورة المائدة.

(١٥) استُدلَّ بهذه الآية على أنَّ النافيَ للحكم يلزمه الدليلُ كما يلزم المثبتَ، وهو قول الأكثرين من الفقهاء والمتكلِّمين، والصواب أنَّ الاستدلال بالآية على هذا الحكم لا يصحُّ، لأنَّ الله تعالى لم يطالبهم بدليل النفي المجرَّد، بل ادَّعَوْا دعوى مضمونُها إثبات دخولهم الجنَّةَ وأنَّ غيرهم لن يدخلها، فطولبوا بالدليل الدالِّ على هذه الدعوى المركَّبة من النفي والإثبات، وصاحبُ هذه الدعوى يَلزمه الدليل باتِّفاق الناس، وإنما الخلاف في النفي المجرَّد كما أفصح عن ذلك ابن القيِّم -رحمه الله- وحقَّق مسألةَ النافي: هل عليه دليلٌ؟ حيث يقول -رحمه الله- في [«بدائع الفوائد» (٤/ ١٥١-١٥٢)] ما نصُّه: «إنَّ النفي نوعان: نوعٌ مستلزمٌ لإثبات ضدِّ المنفيِّ: فهذا يَلزم النافيَ فيه الدليلُ: كمن نفى الإباحة فإنه يطالب بالدليل قطعًا، لأنَّ نفيها يستلزم ثبوتَ ضدٍّ من أضدادها ولا بدَّ من دليلٍ، وكذلك نفي التعذيب بالنار بعد الأيَّام المعدودة يستلزم دخولَ الجنَّة والفوزَ بالنعيم ولا بدَّ له من دليلٍ.

النوع الثاني: نفيٌ لا يستلزم ثبوتًا: كنفي صحَّة عقدٍ من العقود أو شرطٍ أو عبادةٍ في الشرعيات، ونفي إمكان شيءٍ ما من الأشياء في العقليات، فالنافي إن نفى العلمَ به لم يَلزمه دليلٌ، وإن نفى المعلومَ نفسه، وادَّعى أنه منتفٍ في نفس الأمر فلا بدَّ له من دليلٍ».

(١٦) الآية ١١١-١١٢ من سورة البقرة.