«التصفيف الخامس عشر: بيانُ معنى الإيمان (٩)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الخامس عشر: بيـانُ معنى الإيمـان (٩)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الثَّالِثُ وَالثَّلاَثُونَ: مَنِ ارْتَكَبَ المَعَاصِيَ سُمِّيَ فَاسِقًا حَتَّى يَتُوبَ(١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(٢)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(٣).



(١) الفُسوق هو: الخروج عن الطاعة والميلُ عن الاستقامة، وهو ينقسم إلى فِسقٍ أكبرَ مخرجٍ عن المِلَّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠]، وفِسقٍ أصغر غيرِ مُخرجٍ من الإسلام، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].

ومرادُ المصنِّف -رحمه الله- بالفاسق هو المنتسبُ إلى مِلَّة الإسلام الذي لم يخرج عنها، ولكن خرج عن طاعة الله ورسوله بارتكاب الكبيرة التي مِن جملتها الإصرارُ على الصغيرة، ويُعرف بالفاسق المِلِّيِّ.

والفسقُ يكون تارةً بترك الفرائض وتارةً بفعل المحرَّمات، وهو في عُرف الشرع أشدُّ من العصيان.

- فمن حيث التسميةُ فإنَّ أهل السنَّة والجماعة لا يسلبون الفاسقَ الملِّيَّ الإسلامَ بالكلِّيَّة، ولا يُعطونه صفةَ الإيمان المطلق: يخاطَب باسم الإيمان أو الإسلام، ويعامَل معاملةَ المسلمين، فهو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، أو مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، فلا يُعطى الاسمَ المطلق ولا يُسلب مطلقَ الاسم.

- أمَّا مِن حيث الحكمُ في الآخرة فالفاسق الملِّيُّ واقعٌ تحت مشيئة الله عزَّ وجلَّ: إن شاء غفر له ابتداءً برحمته، وإن شاء عذَّبه بعدله، ولا يُخلَّد في النار إن عُذِّب، بل يخرج منها بعد أن يَلبَث فيها ما شاء الله أن يبقى، ثمَّ يُدْخِله الجنَّة، كما وردت في ذلك أحاديث الشفاعة وخروجِ الموحِّدين من النار.

هذا مذهب السلف في التسمية والحكم، وهو المذهب الوسط العدل، للآيات الكثيرة التي يخاطب الله بها الفسَّاقَ والمذنبين باسم الإيمان أو الإسلام كالتي استدلَّ بها المصنِّف في الموضع السابق، ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فالآيةُ تنفي بمفهومها عن القاتل الكفرَ حيث سمَّى المقتولَ أخًا للقاتِل، مع أنَّ قَتْلَ المؤمن كبيرةٌ من كبائر الذنوب.

ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم﴾ [الممتحنة: ١]، وقد نزلت هذه الآية في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لمَّا حاول إخبارَ قريشٍ بخروج النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم [«تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٤٤)].

هذا، وقد خالف معتقدَ السلف طوائفُ تتجلَّى مخالفتُها مِن حيث التسميةُ والحكم وهي:

- الخوارج: الذين يُكفِّرون مرتكبَ الكبيرة على مذهب جمهورهم، ومِن الخوارج مَن يكفِّر بالذنوب عامَّةً كبيرِها وصغيرِها مع الإصرار عليها، فمِن حيث التسمية فمرتكب الكبيرة كافرٌ كفرًا مخرجًا عن الملَّة، ومن حيث حكمُه فهو مخلَّدٌ في النار، ومعظمُ الخوارج يجعلونه مباحَ الدم والمال والعِرض.

وقريبٌ مِن هذا المعتقد مذهبُ المعتزلة الذين وافقوا الخوارجَ في الحكم وخالفوهم في التسمية، فقالوا: هو في منزلةٍ بين المنزلتين بين الكفر والإيمان، لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، فيعاملونه في الدنيا معاملةَ المسلمين، ويحكمون عليه في الآخرة بالخلود في النار.

وقد بنى الخوارج والمعتزلة معتقدَهم على نصوص الوعيد، وقرَّروا أنَّ الله تعالى وَصَف المؤمنَ بالطاعة والاستقامة، والخارجُ عن هذه الصفة خارجٌ عن الإيمان بالكلِّيَّة، فأقفلوا بابَ الرجاء وَسَعَةَ رحمة الله في وجه العصاة والمذنبين، الأمرُ الذي يترتَّب عليه مِن اليأس والقنوط مِن رحمة الله وعفوه ومغفرتِه ما لا يخفى.

- وعلى طرفٍ نقيضٍ: مذهبُ غلاة المرجئة الذين نظروا إلى أنَّ النصوص المخاطِبة للفُسَّاق إنما كانت باسم الإيمان أو الإسلام، فأسبغوا على الفاسق المنحرِف اسمَ الإيمان المطلق، فقالوا بأنَّ المعاصيَ مهما كانت لا تؤثِّر في إيمانه ولا تنقصه، أي: لا يضرُّ مع الإيمان معصيةٌ كما لا ينفعُ مع الكفر طاعةٌ، فَبَنَوْا مُعتقدَهم على نصوص الوعد وأهملوا نصوصَ الوعيد وهي كثيرةٌ منها: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وهذا المعتقد ظاهرُ البطلان كسابقه، وإذا كان المخالفون لهم من الخوارج والمعتزلة قد أغلقوا بابَ الرجاء وَسَعَةَ رحمةِ الله؛ فإنَّ المرجئةَ فَتَحَتْ البابَ على مصراعيه لانتهاك حُرُمات الله والتعدِّي بالقبائح والانغماس في الرذائل واقتراف الموبقات وارتكاب المعاصي. فكان موقفُ أهلِ السُّنَّة وَسَطًا بين الإفراط والتفريط والغُلُوِّ والجَفَاء، حيث كان مبنى موقفهم على الأدلَّة الشاملة لجميع زوايا موضوع الفاسق الملِّيِّ، ونظروا إلى النصوص مجتمعةً، فلم يغفلوا جوانبَ ويأخذوا بأخرى كما هو صنيع طرفَيِ النقيض: الخوارج والمعتزلة من جهةٍ، وما يقابلهما المرجئة، فهدى الله الذين آمنوا لِما اخْتُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنه، واللهُ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.

هذا، والمسلم العاصي الذي يُهمل الواجباتِ ويفعل بعضَ المحرَّمات التي لا تصل إلى الكفر الأكبر؛ فإنه يُستصحب في حقِّه وصفُ الفِسق مع ثبوت الإيمان، ويبقى فِسقُه متعلِّقًا به إلاَّ أن يتوب، فلا يستحقُّ الولاءَ المطلق، إذ مُستحِقُّه المؤمن حقًّا الذي آمن بالله ورسوله وقام بشعائر دينه من القيام بالواجبات واجتناب المحرَّمات صادِقًا ومُخلِصًا له الدِّينَ، كما لا يستحقُّ البراءَ المطلَق؛ لأنَّ مُستحِقَّه هو المشرك والكافر، سواءٌ كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا ونحو ذلك، ويشمل الحكمُ فيمن فعل مكفِّرًا من المسلمين اقتضى ردَّته. وإنما المسلم العاصي يستحقُّ الولاءَ من جهةِ إيمانه والبراءَ من جهةِ معصيته، ومرتبتُه -من جهة الولاية- ظالمٌ لنفسه تأتي بعد مرتبة السابق بالخيرات: وهو مَن فعل الواجباتِ واجتنبَ المحظوراتِ، وحافَظَ على المسنونات، وتورَّع عن المكروهات، وبعد مرتبة المقتصد: وهو مَنِ اكتفى بفعل الواجبات واجتناب المحظورات، وإن لم يحافظ على المسنونات، ولم يتورَّع عن المكروهات، ويجمع ذلك قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].

(٢) الآية ١١ من سورة الحجرات.

والاسم في الآية بمعنى الذكر، وقد تضمَّنت الآية النهيَ عن تلقيب بعضِهم بعضًا على وجهٍ يسوءُ الشخصَ سماعُها، كأن يقول لأخيه المسلم: «يا فاسق يا منافق»، أو يقول لمن أسلم: «يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ»، أو أن يقول له: «يا كلب يا حمار يا خِنْزير»، قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئاتِ ثُمَّ تاب، فنهى أن يُعَيَّرَ بما سلف». [«تفسير القرطبي» (١٦/ ٣٣١)].

فالحاصل أنَّ مَن فعل ما نهى عنه من السخرية والهمز والنبز فذلك فسوقٌ يَلزم صاحبَه إذا لم يتب عمَّا نهى الله عنه، وقد وصف الله فاعلَه بالظلم لارتكابه ما نهى الله عنه وامتناعِه من التوبة، فظَلَمَ مَن سَخِر منه ومَن هَمَزَه ولقَّبه، وظَلَم نفسَه بما لَزِمَها من الإثم. [انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢١٢)، «فتح القدير» للشوكاني (٥/ ٦٤)].

(٣) الآيتان ٤، ٥ من سورة النور.

والآية التي استدلَّ بها المصنِّف تضمَّنت ثلاثةَ أحكامٍ في القاذف: جَلْدَه، ورَدَّ شهادته أبدًا، وفِسْقَه.

والاستثناءُ غير عاملٍ في جلده بإجماعٍ، وعاملٌ في فِسْقِه بإجماعٍ، وردُّ شهادته التي لا تُقبل مدَّةَ عمره خلافٌ، وما عليه عامَّة الفقهاء أنَّ الاستثناء عاملٌ في ردِّ شهادته؛ لأنَّ ردَّها كان لعِلَّة الفِسق، فإذا زال بالتوبة قُبِلَتْ شهادتُه مُطلقًا قبل الحدِّ وبعده، وخالف في ذلك سفيان الثوريُّ وأبو حنيفة، فلا يعمل الاستثناء -عندهم- في ردِّ شهادته وإنما يزول فِسقُه عند الله، وبهذا قال شريحٌ القاضي وإبراهيم النخعيُّ والحسن البصريُّ [انظر: «تفسير القرطبي» (١٢/ ١٧٨-١٧٩)].

ومنشأ الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى عمل الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو: هل هو في جميعها لِما هو عليه مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ وأصحابهما، أم يعمل الاستثناء في أقرب مذكورٍ وهو مذهب الأحناف، أم يُسلك فيه بمذهب الوقف وهو مذهب الباقلاني؟

وأصل الخلاف سببان:

الأوَّل: هل الجمل في حكم جملةٍ واحدةٍ، أم لكلِّ جملةٍ حكمٌ بنفسها في الاستقلال؟

والثاني: تشبُّهُ الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدِّمة؛ فإنه يعود على جميعِها عند الفقهاء أو لا يُشبَّه به؛ لأنه من باب القياس في اللغة. [انظر مذاهب العلماء وأدلَّتهم في مؤلَّفي «الإنارة شرح كتاب الإشارة للإمام أبي الوليد الباجي» (ص: ١٥٠)، والمصادر الأصولية المثبتة على هامش كتاب «الإشارة» من تحقيقي (ص ٢١٤)].

والظاهر أنَّ مذهب الجمهور في هذه المسألة أصحُّ لاتِّفاق أهل اللغة أنَّ تَكرار الاستثناء عَقِبَ كُلِّ جملةٍ تَلزمه الركاكة في الاستعمال، والركاكة قبحٌ يتخلَّص منه كلام العرب؛ ولأنَّ الاستثناء صالحٌ لأَنْ يعود إلى كُلِّ واحدةٍ من الجمل، ولم ينفرد فيه ما يمنعه، وليست جملةٌ أَوْلى من أختها، فوجب اشتراكهم في عَوْد الاستثناء إلى الجميع، ويؤيِّد ذلك أنَّ آيةَ المحاربة يعود فيها الاستثناء إلى الجميع باتِّفاقٍ؛ ولأنَّ الأُمَّة أجمعت على أنَّ التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أَوْلى. [انظر «تفسير القرطبي» (١٢/ ١٨٠-١٨٩١)].