«التصفيف السادس عشر: بَيَانُ مَعْنَى الإِحْسَانِ» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 21 رجب 1442 هـ الموافق لـ 05 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف السادس عشر: بَيَانُ مَعْنَى الإِحْسَانِ»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الرَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ: الإِحْسَانُ فِي اللُّغَةِ: الإِتْيَانُ بِمَا هُوَ حَسَنٌ(١)، وَالإِحْسَانُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ الإِتْيَانُ بِالحَسَنَاتِ، وَالحَسَنَاتُ هِيَ: فِعْلُ الوَاجِبَاتِ وَالمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرْكُ المُحَرَّمَاتِ وَالمَكْرُوهَاتِ، وَفِعْلُ أَوْ تَرْكُ المُبَاحَاتِ لِأَنَّهَا مُبَاحَاتٌ، مَعَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ للهِ تَعَالَى وَالإِخْلاَصُ لَهُ فِيهِ، وَمَعَ اسْتِحْضَارِ رُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُ وَاطِّلاَعِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ(٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾(٣)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(٤)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٥)، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، لَمَّا فَسَّرَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الإِحْسَانَ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»(٦) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ(٧).... (يتبع).



(١) الإحسان في اللغة هو ضِدُّ الإساءة، وهو فِعلُ ما ينفع به نفسَه أو غيرَه بحيث يصير حسنًا به، كإطعام الجائع وكسوة العريان، ومِن هنا يظهر الفرق بينه وبين الإنعام، فالإحسان فعلُ ما هو حَسَنٌ لنفس الإنسان ولغيره، تقول: أحسنتُ إلى نفسي، والإنعامُ لا يكون إلاَّ لغيره [«لسان العرب» لابن منظور (٣/ ١٧٩-١٨٠)، «الكلِّيَّات» لأبي البقا (٥٣)].

ويظهر عمومُ الإحسان -أيضًا- وزيادتُه على العدل الذي هو أن يعطيَ ما عليه ويأخذ ما له، بينما الإحسان هو أن يعطيَ أكثر ممَّا عليه ويأخذ أقلَّ ممَّا له، فالإحسان زائدٌ على العدل، فتحرِّي العدل واجبٌ، وتحرِّي الإحسان ندبٌ وتطوُّعٌ. [«الكلِّيَّات» لأبي البقا (٦٤٠)].

وبهذا المعنى اللغويِّ فسَّر الشوكانيُّ -رحمه الله- في «فتح القدير» (٣/ ١٨٨) قولَه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، حيث قال: «والأَوْلى تفسيرُ العدل بالمعنى اللغويِّ، وهو التوسُّط بين طرفَيِ الإفراط والتفريط، فمعنى أَمْرِه بالعدل: أن يكون عبادُه في الدِّين على حالةٍ متوسِّطةٍ، ليست بمائلةٍ إلى جانب الإفراط وهو الغلوُّ المذموم في الدِّين، ولا إلى جانب التفريط وهو: الإخلال بشيءٍ ممَّا هو من الدِّين.

وأمَّا الإحسان فمعناه اللغويُّ يرشد إلى أنه التفضُّل بما لم يجب كصدقة التطوُّع».

هذا، وللفائدة فإنه لا يَلزم مِن وجود الإحسان وجودُ الرحمة أو بالعكس؛ «لأنَّ الرحمة قد توجد وافرةً في حقِّ مَن لا يتمكَّن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها، وقد يوجد الإحسانُ ممَّن لا رحمةَ له في طبعه كالملِك القاسي، فإنه قد يُحسِنُ إلى بعض أعدائه لمصلحة مُلكه». [«الكلِّيَّات» لأبي البقا (٦٦٧)].

(٢) والمصنِّف -رحمه الله- عند تناوُله لتعريف الإحسان ذكر له ثلاثةَ معانٍ مجتمعةٍ، ومِن بينها معنى «التصديق بذلك لله تعالى والإخلاص له فيه»، فمِن هذه الزاوية تظهر سَعَةُ الإحسان وعموميتُه عن الإيمان مِن جهة نفسه وخصوصيتُه من جهة أهله، وهو ما ترجم معناه ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٠) بقوله: «وأمَّا الإحسان فهو أعمُّ من جهة نفسه، وأخصُّ من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمانُ يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصُّ من المؤمنين، والمؤمنون أخصُّ من المسلمين».

قلت: ومِن زاويةٍ أخرى فقد أوضح المصنِّف -رحمه الله- في تعريفه الشرعيِّ أنَّ الإحسان يجمع بين عبادة إتيان الحسنات، والإيمانِ وكمال الإخلاص، مع استحضار القلب بمراقبة الله تعالى. والظاهر أنَّ هذا التعريف بمعانيه الثلاثة غيرُ جامعٍ لاقتصاره على أحد نوعَيِ الإحسان، وهو: إحسانٌ في عبادة الخالق سبحانه بالفعل الحسن الذي يحبُّه، دون شموله للإحسان في حقوق الخلق الذي يتبلور فيه معنى الإنعام على الناس ببذل أنواع المنافع ومختلف المصالح لأيِّ مخلوقٍ يكون، وهو النوع الثاني للإحسان.

قال ابن جُزَيٍّ -رحمه الله- في «التسهيل في علوم التنزيل» (١/ ١٩) -في معرض ذِكر الإحسان-: «له ثلاث معانٍ: فعلُ الحسنات، والإنعامُ على الناس، ومراقبةُ الله تعالى المشارُ إليها في قوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»».

وقال السعديُّ -رحمه الله- في «بهجة قلوب الأبرار» (٢٣٤) -مُبيِّنًا الإحسانَ- أنه: «نوعان: إحسانٌ في عبادة الخالق بأن يعبد اللهَ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وإحسانٌ في حقوق الخلق، وهو: بذلُ المنافع من أيِّ نوعٍ كان لأيِّ مخلوقٍ يكون».

(٣) الآية ١١٠ من سورة الكهف.

(٤) الآية ١١٢ من سورة البقرة.

(٥) الآية ٩٠ من سورة يوسف.

وذِكْرُ الصبر لازمٌ بالتقوى؛ لأنَّ في إتيان الحسنات حَبْسًا للنفس على ما تكرهه مِن عبادة الله تعالى، فيحملها على التقوى، ويُلْزِمها بالطاعة، كما يحبسها عن اقتراف المعاصي التي تشتهيها نفسُه، فيمنعها من الاقتراب، ويصدُّها عن الارتكاب، ذاكرًا لوعد الله تعالى لأهل طاعته ووعيدِه لأهل معصيته، كما يحبس نفسَه على البلاء الذي نزل به، فلا يجزع ولا يسخط، بل يحتمل المكروهَ والأذى في ذات الله تعالى بالرضى والتسليم، لعلمه بأنَّ أقدار الله جاريةٌ، وأنَّ قضاءه عدلٌ، وحُكْمَه نافذٌ، فكان الصبر بضاعةَ الصِّدِّيقين المتَّقين المؤمنين، وشعارَ المحسنين.

(٦) فجملة الآيات التي استدلَّ بها المصنِّف على الإحسان يظهر فيها ما قرَّره في تعريفه الشرعيِّ من المعاني، ذلك لأنَّ ثوابَ الله المرجوَّ على إتيان الحسنات وتركِ السيِّئات إنما يكون جزاؤه الصالح على عمله الموافق للشرع، وهو ذاك الفعل الحسن الذي يحبُّه الله تعالى، لكن لا يكون العمل محلَّ قَبولٍ ورِضًى إلاَّ بانضمام التصديق مع كمال الإخلاص إلى العمل، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥]، كما لا يتمُّ تقوى الله وخشيتُه إلاَّ بمعرفة الله واستحضارِ رؤية الله له واطِّلاعِه على ظاهره وباطنه، وهذا مِن إحسان عبادة الخالق سبحانه بالتقوى والمراقبة كما بيَّنه حديثُ جبريل عليه السلام.

(٧) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١/ ١٥٠) باب بيان الإسلام والإحسان، وأبو داود في «السنَّة» (٥/ ٦٩) باب القدر، والترمذيُّ في «الإيمان» (٥/ ٦) باب ما جاء في وصف جبريل للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم الإيمانَ والإحسان، وابن ماجه في «المقدِّمة» (١/ ٢٤) باب الإيمان، من حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

وأخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ١١٤) باب سؤال جبريل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم، وفي «التفسير» (٨/ ٥١٣) باب ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، ومسلم في «الإيمان» (١/ ١٦١) باب إثبات القدر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.