«التصفيف الثاني: بيان قواعد الإسلام الخمس (٢)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م

العقائد الإسلامية

من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
«التصفيف الثاني: بيان قواعد الإسلام الخمس (٢)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

ثَالِثًا: وَمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الإِسْلاَمُ الَّذِي لاَ نَجَاةَ لِأَحَدٍ إِلاَّ بِالدُّخُولِ فِيهِ(١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾(٢)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(٣).

رَابِعًا: لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الإِسْلاَمَ إِلاَّ بِالإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ(٤)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾(٥)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(٦).

وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»(٧) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(٩).

خَامِسًا: الدُّخُولُ فِي الإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ بِشَهَادَةِ(١٠) أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ(١١) وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ(١٢) لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ(١٣) لَمَّا بَعَثَهُ لِلْيَمَنِ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ(١٤)، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِياَّكَ وَكَرَائِمَ(١٥) أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ»(١٦) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١٧).



(١) تخصيص النبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بالذكر في أنه جاء بالإسلام مع أنَّ الرسل الكرام كانت دعوتهم إليه، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، حيث أخبرنا تعالى عن نوحٍ عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، وقول إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقول يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقول موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]. فهؤلاء رسلُ الله بُعثوا بالإسلام، متفاوتون بحسَب شرائعهم الخاصَّة التي ينسخ بعضُها بعضًا إلى أن نُسِخت بشريعة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم التي لا تُنسخ أبدَ الآبدين، ولهذا قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» [أخرجه البخاري (٦/ ٤٧٨) في «أحاديث الأنبياء» برقم (٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

فدينهم واحدٌ هو دين الإسلام في كلِّ وقتٍ وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإنمَّا تنوَّعت الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع فهي بمنزلة أولاد العَلاَّت وهم الإخوة من أبٍ واحدٍ وأمَّهاتهم شتَّى، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «الاقتضاء» (٢/ ٣٨٠): «فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد النسخ لم يكن مسلمًا»، ولأنَّ الدليل القاطع في إثبات نبوَّة الأنبياء قبل بعثة النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم منتفٍ، فمَن أنكر نبوَّتَه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مع دعوى الإيمان بنبوَّة غيره يكون متناقضًا مِن جهة أنَّ هذه النبوَّاتِ ثبتت بدليل إعجاز القرآن الكريم المثبت لنبوَّة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فعدمُ التصديق به هو إنكارٌ لأصل النبوَّات، ولهذا كان الكفر برسالة أيِّ رسولٍ يُعَدُّ كفرًا برسالة الإسلام، لأنَّه يتضمَّن التكذيبَ ببعض ما جاء في القرآن العظيم.

(٢) الآية ١٦٢- ١٦٣ من سورة الأنعام.

(٣) الآية ٢٠ من سورة آل عمران.

(٤) لا يصير الكافر مسلمًا بمجرَّد شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فلو قال: أنا أعلم أنه نبيٌّ ولا أتبعه أو لا أدين بدينه؛ لم يكن مسلمًا، لأنَّ مجرَّد الإقرار والإخبار بصحَّة رسالته لا توجب الإسلام إلاَّ أن يلتزم طاعتَه ومتابعته، وهذا باتِّفاق الصحابة والتابعين وأئمَّة السنَّة، قال ابن القيِّم -رحمه الله- مبيِّنًا ذلك في «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٣٠): «إنَّ الإيمان لا يكفي فيه قولُ اللسان بمجرَّده، ولا معرفةُ القلب مع ذلك، بل لا بدَّ فيه من عمل القلب وهو حبُّه لله ورسوله وانقيادُه لدينه، والتزامُه طاعتَه ومتابعةَ رسوله».

وقد أحسن المصنِّف حيث أتى بلفظ: «الإيمان بالنبيِّ» لأنَّ مقتضى الإيمان التسليمُ المطلق فيما جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو أخبر عنه، وتصديقُه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه من غير ضيقٍ أو حرجٍ أو تعقيبٍ أو جدالٍ أو مناقشةٍ، أو الأخذِ بالبعض وتركِ البعض، فهذه نتيجةٌ حتميةٌ للإيمان به والرضى به رسولاً، إذ من التناقض أن يؤمن الرجل بالنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ثمَّ يتمرَّد على بعض ما جاء به، أو ينازعَه في بعض ما جاء به، أو لا يرضى بذلك، أو يُنصِّبَ نفسه معقِّبًا لبعض ما جاء به، ونحو ذلك ممَّا لا يتوافق جذريًّا مع مقتضى الإيمان به.

(٥) الآية ١٧٠ من سورة النساء.

(٦) الآية ١٥٨ من سورة الأعراف.

(٧) أخرجه مسلمٌ في كتاب «الإيمان» (٢/ ١٨٦) بابٌ في وجوب الإيمان برسالة النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

والحديث دليلٌ على أنَّ رسالة النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ناسخةٌ للملل كلِّها، كما أنَّ فيه تصريحًا فيمن سمع بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وما أُرسل به، وبلَّغه ذلك على الوجه الذي أنزله عليه ممَّن هو موجودٌ في زمنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو بعده إلى يوم القيامة، ثمَّ لم يؤمن به إلاَّ كان مصيره النارَ -والعياذ بالله- وذكر اليهوديَّ والنصرانيَّ تنبيهًا على من سواهما كالمجوسي أو اللادينيِّ، لأنَّ المنصوص بذكرهم خصَّصهم الحديثُ باعتبار الحقيقة الواقعة وهي كونُهم أصحابَ كتابٍ منزَّلٍ يعلمون الحقَّ وهم يكتمونه، قال النووي: «لأنَّ اليهود والنصارى لهم كتابٌ فإذا كان هذا شأنَهم مع أنَّ لهم كتابًا فغيرُهم ممَّن لا كتاب له أَوْلى». والحديث يدلُّ بمفهومه -أيضًا- على أنَّ من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذورٌ، جريًا على الأصل المتَّبع في أنه «لا حكم قبل ورود الشرع» على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأنَّ «الدليل الشرعي يثبت حكمُه من ثوابٍ وعقابٍ على من قامت عليه الحجَّة بالرسل والكتب، فلا يجوز إعطاء ما بعد الشرع حُكْمَ ما قبل الشرع» [انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/  ٥٣٩)، «شرح مسلم» للنووي (٢/ ١٨٨)].

(٨) هو أبو الحسين مسلم بن الحجَّاج القشيريُّ النيسابوريُّ أحد الأئمَّة من حفَّاظ الحديث، تقوم شهرته ومكانته على كتابه «الجامع الصحيح» الذي يفضِّله المغاربة على «صحيح البخاري» لِما امتاز به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ من غير تقطيعٍ ولا روايةٍ بالمعنى. هذا، وقد كان مسلمٌ من أوعية العلم، ثقةً جليل القدر، له مؤلَّفاتٌ منها: «العلل» و«الأسماء والكنى» و«الطبقات» و«التاريخ». توفِّي سنة (٢٦١ﻫ)، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٨/ ١٨٢)، «الفهرست» للنديم (٢٨٦)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١٣/ ١٠٠)، «اللباب» لابن الأثير (٣/ ٣٨)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٥/ ١٩٤)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٥٥٧)، «مرآة الجنان» لليافعي (٢/ ١٧٤)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٣٣)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ١٤٤).

(٩) هو الصحابيُّ الجليل الحافظ عبد الرحمن بن صخرٍ الدوسيُّ اليمنيُّ المعروف بكنيته، فهو أوَّل المكثرين من رواية الحديث على الإطلاق، حدَّث عنه خلقٌ كثيرٌ من الصحابة والتابعين، وَلِيَ إمرةَ المدينة، وناب عن مروان في إمرتها، وله فضائل ومناقب، توفِّي سنة: ٥٨ﻫ.

انظر ترجمته في: «التاريخ الصغير» للبخاري (١/ ١٢٥)، «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ٣٦٢)، (٤/ ٣٢٥)، «المعارف» لابن قتيبة (٢٧٧)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٤/ ١٧٦٨)، «أسد الغابة» لابن الأثير (٥/ ٣١٥)، «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٥٧٨) و«طبقات القرَّاء» للذهبي (١/ ٤٣)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٨/ ١٠٣)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٦٣).

(١٠) الشهادة تدلُّ على معنى العلم والمعرفة والبيان والإخبار، ويسمَّى شاهدًا لأنَّه يخبر بما عَلِمَ، والشهادة تتضمَّن معنى الإقرار والإذعان والاعتقاد، فإنَّ الشاهد يعتقد صحَّةَ ما يشهد به، فمن شَهِدَ بما لا يعتقده كانت شهادته كاذبةً، لأنَّ إخباره لا يطابق اعتقادَه كما قال تعالى في شأن المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وسبب كذبهم عدمُ اعتقادهم بصحَّة ما يقولون وعدمُ اعتقادهم بما يقولون.

(١١) وشهادة «أنْ لا إله إلاَّ الله» هي الركن الأوَّل من أركان الإسلام كما في حديث جبريل عليه السلام ومعناه: أنِّي أعلم وأُقِرُّ وأعتقد بأنَّ المعبود بحقٍّ الذي لا يستحقُّ العبادةَ غيرُه هو الله تعالى وأن أبيِّن ذلك وأظهره بلساني وأفعالي وسلوكي، إذ لا يكفي النطقُ بها بل يلزم العلمُ بمعناها، والعمل بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمَّد: ١٩]، فأركان الشهادة اثنان: نفيٌ وإثباتٌ، وحدُّ النفي من الإثبات «لا إله» أي: أنفي جميعَ ما يُعْبَد من دون الله، والإثبات في قوله «إلاَّ الله»، لأنَّ الاستثناء من النفي إثباتٌ، أي: أُثبت العبادةَ لله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه ليس له شريكٌ في مُلْكه، فإفرادُ الله تعالى بالعبادة الذي يسمَّى بتوحيد الألوهية الذي يتضمَّن توحيدَ الربوبية بمعنى أنَّ توحيد الربوبية جزءٌ من معنى توحيد الألوهية، ومتعلِّقُ الربوبية الأمورُ الكونية: كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، فمدلولُ توحيد الربوبية علميٌّ اعتقاديٌّ، وهو توحيد المعرفة والإثبات أيضًا، ومعناه: الاعتقاد والإقرار بأنَّ الله تعالى وحده هو ربُّ العالمين، الخالق، الرزَّاق ذو القوَّة المتين، المحي المميت. وهذا التوحيد يستلزم توحيدَ الألوهية، بمعنى أنَّ توحيد الألوهية خارجٌ عن توحيد الربوبية لكن لا يتحقَّق توحيد الربوبية إلاَّ بتوحيد الألوهية الذي يتعلَّق بالأوامر والنواهي، فمدلوله عمليٌّ طلبيٌّ، ويسمَّى أيضًا توحيدَ الإرادة والقصد، ولا يخفى أنَّ العمليَّ متضمِّنٌ للعلميِّ، فإذا علم العبد أنَّ ربَّه لا شريك له في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومَن عبد إلهَه وحده يكون قد اعترف أوَّلاً بأنْ لا ربَّ غيرُه يَشْرَكه في خلقه وأمره، والعكس غير صحيحٍ، لأنَّ أوَّل ما يتعلَّق القلب بتوحيد الربوبية، ثمَّ يرتقي إلى توحيد الألوهية، فصار التوحيد على نوعين:

- توحيد الألوهية: الذي جحده أكثر الخلق من المشركين قديمًا وحديثًا من عبَّاد الأحجار والأشجار والقبور والأضرحة وغيرها، وقد ذكر الله تعالى رَفْضَهم لهذا التوحيد، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، وقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وهذا التوحيد هو الذي بعث الله رُسُلَه وأنزل كُتُبَه بالدعوة إليه، قال ابن القيِّم -رحمه الله- في [«إغاثة اللهفان» (٢/ ١٣٥)]: «الإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الربِّ بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المشركون فاحتجَّ الله عليهم به، فإنَّه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الألوهية».

- توحيد الربوبية: الذي أقرَّ به المشركون غالبًا، وجحده المعطِّلة فأنكروا وجودَ الله سبحانه كالدهرية والملاحدة من الشيوعيين والعلمانيين في عصرنا الحاليِّ، ولم ينكر توحيدَ الربوبية إلاَّ شواذُّ تظاهروا بالجحود، مع اعترافهم في الباطن وقرارة قلوبهم مكابرةً منهم على الحقِّ كما قال تعالى في شأن فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقد خاطبه موسى عليه السلام كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاَءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].

- أمَّا توحيد الأسماء والصفات: فالمراد منه إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من صفات الكمال، ونفيُ ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من صفات النقص على حدِّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فهو توحيدٌ شاملٌ للنوعين: الربوبية والألوهية معًا، ذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكلِّ ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلاَّ له سبحانه، فمن جملة توحيد الربوبية: الربُّ، الخالق، الرازق، الملك. ومن جملة توحيد الألوهية: الله، الغفور، الرحيم، التوَّاب. وإنما جُعل توحيدُ الأسماء والصفات قسمًا مستقلاًّ لمَّا كثر منكروه من الجهمية وتلامذتهم من المعتزلة والأشاعرة وروَّجوا الشبهَ حوله فأُفرِد بالبحث وصُنِّفت فيه العديد من المصنَّفات.

وهذه الأنواع الثلاثة تشكِّل بمجموعها جنابَ التوحيد فلا يكمل لأحدٍ توحيدُه إلاَّ باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، ولهذا جَرَتْ سنَّة القرآن الكريم على سَوْق آياتِ ربوبية الله تعالى مقرونةً بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١-٢٢]، فتوحيد الربوبية لا يُدْخِلُ مَنْ آمن به في الإسلام، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٣): «فأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق وقرَّره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجَّة عليهم»، كما لا يصحُّ من جهةٍ أخرى قيام توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية لأنه لا يصلح أن يُعْبَد إلاَّ من كان ربًّا خالقًا مالكًا مدبِّرًا، ولا يستقيم توحيد الربوبية والألوهية بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته فهي علاقة تلازمٍ وتضمُّنٍ وشمولٍ، فتوحيد الربوبية مستلزمٌ لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمِّنٌ لتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات شاملٌ للنوعين معًا، فشهادة أن «لا إله إلاَّ الله» التي دعا إليها الرسلُ على أنواع التوحيد الثلاثة، ففيها إثبات العبادة لله وحده ونفيُها عمَّا سواه، وهذا معنى توحيد العبادة: لا معبود بحقٍّ إلاَّ الله، كما دلَّت على توحيد الربوبية لأنَّ العاجز لا يكون إلهًا ولأنَّ المعبود لا بدَّ أن يكون خالقًا مدبِّرًا، كما دلَّت على توحيد الأسماء والصفات لأنَّ فاقد الأسماء الحسنى وصفات الكمال غيرُ كاملٍ، ولا يَصْلُح مَنْ هذا حالُه أن يكون إلهًا خالقًا، فتبيَّن أنَّ الخلل والانحراف في أيِّ نوعٍ منها فهو خللٌ وانحرافٌ في التوحيد كلِّه [انظر: «منهاج السنَّة» لابن تيمية (٢/ ٧٣)، «الكواشف الجليَّة» للسلمان (٤٢١)، «دعوة التوحيد» للهرَّاس (٧٣-٧٤)].

هذا، وكلمة «لا إله إلا الله» لها أسماءٌ كثيرةٌ منها: كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص، وسمِّيت بذلك لأنها تنفي الشركَ وتُثبت العبادةَ لله تعالى، ففيها إخلاص التوحيد وإخلاصُ العبادة، وتسمَّى كلمةَ التقوى في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]، لأنها تقي مِن النار مَنْ قالها مخلصًا، وتسمَّى العروةَ الوثقى كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وهو الحبل الوثيق المحكم، وهي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي التي جعلها إبراهيم عليه السلام باقيةً في عَقِبِهِ لعلَّهم يرجعون [انظر «تفسير كلمة التوحيد» للشيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب].

هذا، وتنحصر شروط «لا إله إلاَّ الله» في سبعةٍ وهي:

١- العلم المنافي للجهل.

٢- اليقين المنافي للشكِّ.

٣- الإخلاص المنافي للشرك.

٤- الصدق المنافي للكذب.

٥- المحبَّة المنافية لضدِّها.

٦- الانقياد المنافي للامتناع.

٧- القبول المنافي للردِّ.

(١٢) شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله هي الركن الثاني في الشهادتين في الإسلام، ومعناها العلمُ والتصديق والاعتقاد الجازم بأنَّ محمَّدًا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وهذا يقتضي طاعتَه فيما أمر، وتصديقَه فيما أخبر، واجتنابَ ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد اللهَ إلاَّ بما شرع، وأن يعظِّم أمْرَه ونهيَه، فلا يقدِّمَ عليه قولَ أحدٍ ويسلِّم لحكمه، فمحبَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الحقيقية هي تجريد متابعتِه لشرعِه، ولا يخفى أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما جاء به من ربِّه إفرادُ الله بالعبادة بجميع أشكالها وصورها أي: تحقيق معنى كلمة التوحيد، فطاعتُه في حقيقتها طاعةٌ لله، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وأمثال ذلك.

(١٣) هو الصحابيُّ أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرٍو الأنصاريُّ السلميُّ المدنيُّ، شهد العقبةَ وبدرًا والمشاهدَ مع النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وبعثه إلى اليمن يعلِّم الناسَ القرآنَ والأحكام، وكان يُرْدِفه في الأسفار، وهو من فقهاء الصحابة ونجبائهم، له مناقب جمَّةٌ، استُشهد في طاعون عمواس بالأردنِّ سنة ١٨ﻫ.

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ٣٤٧)، «التاريخ الكبير» للبخاري (٧/ ٣٥٩)، «المعارف» لابن قتيبة (٢٤٥)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٨/ ٢٤٤)، «طبقات الفقهاء» للشيرازي (٤٥)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٣/ ١٤٠٢)، «أسد الغابة» لابن الأثير (٤/ ٣٧٦)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١/ ٤٤٣)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ٩٤)، «الإصابة» لابن حجر (٣/ ٤٢٦)، «طبقات الحفَّاظ» للسيوطي (١٥)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٩٢).

(١٤) قال الشيخ سليمان في «تيسير العزيز الحميد» (١٢٧): «وفيه أنه لا يُحكم بإسلام الكافر إلاَّ بالنطق بالشهادتين، قال شيخ الإسلام: فأمَّا الشهادتان إذا لم يتكلَّم بهما مع القدرة فهو كافرٌ باتِّفاق المسلمين، وهو كافرٌ ظاهرًا وباطنًا عند سلف الأمَّة وأئمَّتها وجماهير العلماء».

(١٥) جمع كريمة وهي: الشيء النفيس الذي تتعلَّق به نفس مالكه ويختصُّه له، حيث هي جامعةٌ للكمال الممكن في حقِّها [«النهاية» لابن الأثير (٤/ ١٦٧)، قال النووي في «شرح مسلم» (١/ ١٩٧): «وفيه أنه يحرم على الساعي أخذُ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على ربِّ المال إخراجُ شرِّ المال، وفيه أنَّ الزكاة لا تُدْفَع إلى كافرٍ ولا تُدْفَع إلى غنيٍّ من نصيب الفقراء».

(١٦) في هذا الحديث عدَّة أحكامٍ وفوائدَ ذكرها النوويُّ في «شرح مسلم» (١/ ١٩٧)، وابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٣٥٩-٣٦٠، ١٣/ ٣٤٩) منها: قبول خبر الواحد، ووجوبُ العمل به، وفيه أنَّ الوتر ليس بواجبٍ لأنَّ بَعْثَ معاذٍ إلى اليمن كان قبل وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بقليلٍ بعد الأمر بالوتر والعمل به، وفيه أنَّ الكفَّار يُدْعَوْن إلى التوحيد قبل القتال، وفيه أنه لا يُحْكَم بإسلامه إلاَّ بالنطق بالشهادتين وهو مذهب أهل السنَّة كما تقدَّم، وفيه أنَّ الصلوات الخمسَ تجب في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وفيه بيانُ عِظَم تحريم الظلم، وأنَّ الإمام ينبغي عليه أن يعظ ولاتَه ويأمرَهم بتقوى الله تعالى ويبالغَ في نهيهم عن الظلم ويعرِّفهم قُبْحَ عاقبته، وفيه إيجابُ الزكاة في مال الصبيِّ والمجنون لعموم قوله: «من أغنيائهم»، وأنَّ الزكاة لا تُدفع إلى الكافر لعود الضمير «في فقرائهم» إلى المسلمين، وأنَّ الفقير لا زكاة عليه.

تنبيه: الحديث لم يتعرَّض بالذكر لفريضة الصوم والحجِّ، ومعاذٌ رضي الله عنه بعثه النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في آخر الأمر فأشكل ذلك على كثيرٍ من العلماء، وقد أجيب بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان يذكر في كلِّ مقامٍ ما يناسبه، ولا يخفى أنَّ شأن الصلاة والزكاة ليس كسائر الفرائض لِما عُلِم أنهما عبادتان ظاهرتان يُقَاتَل عليهما بخلاف الصوم فإنه أمرٌ باطنٌ وهو ممَّا ائتُمن عليه الناس فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة في الائتمان، لذلك لم يُذكر في حديث معاذٍ الصيامُ لأنه تبعٌ وهو باطنٌ ولا ذُكِرَ الحجُّ لأنَّ وجوبَه خاصٌّ ليس بعامٍّ، وهو لا يجب في العمر إلاَّ مرَّةً واحدةً، وفيه توجيهٌ آخر ذكره ابن حجرٍ في «الفتح» (٣/ ٦١)، قال: «والسرُّ في ذلك أنَّ الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلَّف لا يسقطان عنه أصلاً، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحجِّ فإنَّ الغير قد يقوم مقامَه فيه كما في المعضوب».

(١٧) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري في «الزكاة» (٣/ ٢٦١)، باب: وجوب الزكاة، ومسلم في «الإيمان» (١/ ١٩٥)، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، والترمذي في «الزكاة» (٣/ ٢١)، باب: ما جاء في كراهة أخذ خيار المال في الصدقة من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

هذا، والمصنِّف -رحمه الله- استدلَّ بالحديث لبيان أنَّ الذي يقتصر على الاعتقاد بقلبه دينَ الإسلام وكان قادرًا على النطق ولم يأتِ بالشهادتين لم يكن من أهل القبلة أصلاً، لأنَّ أوَّل ما يؤمر به الخلقُ شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، والعدوُّ وليًّا، والمباح دمُه وماله معصومَ الدم والمال، ثمَّ إن كان ذلك من قلبه فقد دخل ذلك في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان قال النووي في «شرح مسلم» (١/ ١٤٩): «واتَّفق أهل السنَّة من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين على أنَّ المؤمن الذي يُحْكَمُ بأنه من أهل القبلة ولا يخلَّد في النار لا يكون إلاَّ من اعتقد بقلبه دينَ الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً إلاَّ إذا عجز عن النطق لخللٍ في لسانه أو لعدم التمكُّن منه لمعاجلة المنيَّة أو لغير ذلك فإنه يكون مؤمنًا».

قلت: وليس المراد بالنطق بالشهادتين مجرَّدَ قولها، بل لا بدَّ مع اعتقاد القلب بها، والعملِ بمقتضاها وتحقيقِ شروطها، وموالاةِ أهلها، ومعاداةِ من خالفها، ولا يُشترط في صحَّة الإسلام النطقُ بالتَّبَرِّي من كلِّ دينٍ يخالف دينَ الإسلام، لأنَّ اعتقاد الشهادتين يستلزم ذلك.

... يتبع ...

الجزائر في: ٠٤ رجب ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ يوليو ٢٠٠٦م