«التصفيف الرابع والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنزِيه (٦)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 15 رجب 1442 هـ الموافق لـ 27 فبراير 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الرابع والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنـزِيه (٦)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ:

وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: العِلْمُ الَّذِي تَنْكَشِفُ لَهُ جَمِيعُ المَعْلُومَاتِ مِنَ الوَاجِبَاتِ وَالجَائِزَاتِ وَالمُسْتَحِيلاَتِ، فَيَعْلَمُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحَالاَتِ، وَتَسْتَوِي عِنْدَهُ الجَلِيَّاتُ وَالخَفِيَّاتُ(١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾(٢)، ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(٣)، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾(٤).



(١) صفة العلم من صفاتِ اللهِ الذاتيةِ الثابتةِ بالنقل والعقل، ومن أسمائه سبحانه «العليم» للمبالغة في وصفه بكمال العلم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣، وغيرها]، وقال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].

ومعتقد أهل السُّنَّة والجماعة: أنَّ لله تعالى علمًا، وهو صفةٌ من لوازم نفسه المقدَّسة، وأنَّ علمه سبحانه أزليٌّ بأزليةِ ذاته، يعلم في الأزل ما سيكون من دقيق الأمور وجليل الأشياء بمعلوماتٍ غيرِ متناهيةٍ، كما أنَّه سبحانه عالِمٌ بالسَّرائر والخفيَّاتِ التي لا يُدْرِكُها علمُ الخلق المحدود بنوعٍ من المعلومات دون نوع، ويُوجَدُ علمهم في حالٍ دون حالٍ، وليس للعبد من علمٍ إلاَّ ما قدَّر اللهُ له، وتعتريه آفاتُ الجهل وتعقبُ ذِكْرَهُ عيوب الضياع والنسيان، قال تعالى على لسان عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦]، فعِلْمُ الله تعالى علمُ حقيقةٍ وكمالٍ: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجنُّ: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٥٩-٦٠]، وغيرها من الآيات القرآنية وكذا ما استدلَّ به المصنِّف، وقد صحَّ في حديث الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ..» [أخرجه البخاري في «الدعوات»: (١١/ ١٨٣)، باب الدعاء عند الاستخارة من حديث جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما]، وفي حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قول الخضِرِ لموسى عليهما السلام: «إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لاَ أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ» [أخرجه البخاريُّ في «العلم» (١/ ٢١٧)، باب ما يُسْتَحَبُّ للعالم إذا سُئِلَ: «أيُّ النَّاس أعلم؟»، ومسلمٌ في «الفضائل» (١٥/ ١٣٥)، باب من فضائل الخضِر صلَّى الله عليه وآله وسلم].

وأمَّا الدَّليل العقليُّ على علمه تعالى فقول ابن أبي العزِّ -رحمه الله- في [«شرح العقيدة الطحاوية» (١٤٨)]: «أنه يستحيل إيجادُ الأشياءِ مع الجهل؛ ولأنَّ إيجادَه الأشياءَ بإرادته، والإرادةُ تستلزم تصوُّرَ المرادِ، وتصوُّرُ المرادِ: هو العلمُ بالمراد، فكان الإيجاد مستلزمًا للإرادة، والإرادةُ مستلزِمةً للعلم، فالإيجادُ مستلزمٌ للعلم؛ ولأنَّ المخلوقاتِ فيها مِنَ الإحكام والإتقان ما يستلزم عِلْمَ الفاعلِ لها، لأنَّ الفعلَ المُحْكَمَ المُتْقَنَ يمتنع صدورُه عن غير عِلْمٍ؛ ولأنَّ من المخلوقاتِ ما هو عالمٌ والعلمُ صفةُ كمالٍ، ويمتنعُ أن لا يكونَ الخالقُ عالمًا، وهذا له طريقان:

- أحدُهما: أن يقالَ: نحن نعلم بالضَّرورة أنَّ الخالقَ أكمَلُ من المخلوق، وأنَّ الواجبَ أكمَلُ من الممكن، ونعلم ضرورةً أنَّا لو فرضنا شيئين أحدُهما عالِمٌ والآخرُ غيرُ عالِمٍ كان العالِمُ أكملَ، فلو لم يكنِ الخالقُ عالِمًا لزم أن يكونَ الممكنُ أكمَلَ منه وهو ممتنع.

- الثاني: أن يقالَ: كلُّ علمٍ في الممكِنات التي هي المخلوقات فهو منه، ومن الممتنع أن يكونَ فاعلُ الكمال ومُبْدِعُه عاريًا منه، بل هو أحقُّ به، والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقاتُ لا في قياسٍ تمثيليٍّ ولا في قياسٍ شموليٍّ، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالقُ به أحقُّ، وكل نقصٍ تنزَّهَ عنه مخلوقٌ ما فتنزيهُ الخالق عنه أولى».

هذا، والأدلَّةُ متضافرةٌ على وصْفِ الله تعالى بالعلم، لا يُنكرها إلا ضالٌّ أو مُعانِدٌ مُكابِرٌ كغلاةِ القدريةِ المنكرين عِلْمَ الله السابقَ للأشياءِ قبلَ وقوعِها، فإنَّ مذهبَهم اندثر لتفاهته ومخالفتِه للفطرة، قال ابن حجرٍ -رحمه الله- في [«فتح الباري» (١/  ١١٩)]: «وقد حكى المصنِّفون في المقالات عن طوائفَ من القدرية إنكارَ كونِ البارئِ عالمًا بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قال القرطبيُّ وغيرُه: «قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدا يُنْسَبُ إليه من المتأخِّرين»، قال: «والقدرية اليومَ مُطْبِقُونَ على أنَّ الله عالِمٌ بأفعال العبادِ قبل وقوعِها، وإنما خالفوا السلفَ في زعمهم بأنَّ أفعالَ العباد مقدورةٌ لهم وواقعةٌ منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلاً أخفُّ من المذهب الأول»».

قلت: وإنكارُ سَبْقِ عِلْمِ الله بالأشياء قبل حدوثِها كفرٌ، وهو ما عليه اعتقادُ مذهب غلاة القدرية المندثِر، أمَّا جمهورُ القدريَّة فمذهبُهم أخفُّ، فهم يُقِرُّون بتقدُّم علمِ الله، غيرَ أنهم يُنْكِرون عمومَ المشيئة والخلق، لذلك كان حُكْمُ السَّلف عليهم مغايرًا للحكم على غلاتهم، قال ابن تيميةَ -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٨٥)]: «وقولُ أولئك كفَّرهم عليه مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم، وأمَّا هؤلاء فَهُمْ مُبْتَدِعون ضالُّون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك، وفي هؤلاء خلقٌ كثيرٌ مِنَ العلماءِ والعُبَّاد كُتِبَ عنهم العلمُ وأخرج البخاريُّ ومسلمٌ لجماعةٍ منهم، لكنْ من كان داعيةً إليه لم يخرِّجوا له، وهذا مذهبُ فقهاءِ أهل الحديث كأحمدَ وغيره».

(٢) جزء من آية ٤٠ من سورة الأحزاب، وجزء من آية ٢٦ من سورة الفتح.

(٣) آية ١٤ من سورة الملك.

(٤) آية ٣٨ من سورة إبراهيم.

      هذا، وعلم الله تعالى صفةٌ ذاتيةٌ قديمةٌ غيرُ مخلوقةٍ، إذ إنها صفةٌ لازمةٌ لله تعالى، وخالف في ذلك المعتزلةُ فلا يُثْبِتُونَ لله العلمَ وإنما ينفون عنه الجهلَ ويدَّعون أنَّ عِلْمَ الله ذاتُه، ويقولون بأنه عالِمٌ بذاته لا بعلمٍ [انظر: «الملل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ٥٥)، «مقالات الإسلاميِّين» للأشعري (١/ ٢٤٣)، «الفَرق بين الفِرق» للبغدادي (٩٣)، «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار (١٨٣)].

ولا يخفى بطلان هذا المذهب، إذ المعلومُ أنَّ إثباتَ العلمِ هو نفيٌّ للجهل، وهو صفةُ كمال ومدحٍ، ونفيُ الجهل ليس إثباتًا للعلم على نحو ما ناظر به عبد العزيز المكيُّ صاحبُ الشافعيِّ بشرًا المرِّيسيَّ المعتزليَّ في هذه المسألة عند المأمون فقال: «وقد مدح الله تعالى الأنبياءَ والملائكةَ والمؤمنين بالعلم لا بِنَفْيِ الجهل، فمَنْ أثبتَ العلمَ فَقَدْ نفى الجهلَ، ومن نفى الجهلَ لم يُثْبِتِ العلمَ، وعلى الخلق أن يُثْبِتُوا ما أثْبَتَه الله تعالى لنفسه، ويَنْفُوا ما نفاه ويُمْسِكُوا عمَّا أمْسَكَ عنه» [«شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١٤٧-١٤٨)].