«التصفيف السادس والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنزِيه (٨)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف السادس والعشرون: عقيدة الإثبات والتَّنـزِيه (٨)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ:

وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْكَلامُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ المَعْلُومَاتِ(١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾(٢).



(١) معتقدُ أهل السنَّة والجماعة أنَّ كلامَ الله تعالى صفةٌ ذاتيةٌ وفعليةٌ، فذاتيةٌ باعتبار أنها صفةٌ لازمةٌ لذاته، مُتَّصِفٌ بها أزلاً وأبدًا، أي لم يحدث له كلامٌ بعد أَنْ كان غيرَ متكلِّمٍ، وفعليةٌ باعتبار آحاده، فاللهُ تعالى لم يزل متكلِّمًا -حقيقةً- بمشيئته بما شاء متى شاء وكيف شاء، ويُكلِّم مَنْ شاء مِنْ عباده وسائر خلقه. ومِنْ كلامه الكتبُ المُنَزَّلةُ منها: القرآنُ الكريم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، فالكلامُ كلامُ البارئ والصَّوتُ صوتُ القارئ، أمَّا الذي سمع القرآنَ الكريم مِنَ اللهِ فإنَّما هو الروحُ الأمين: جبريلُ عليه السلامُ، وسمعه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مِن جبريلَ عليه السلامُ، وسمعه الصحابةُ رضي اللهُ عنهم مِن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم، ويسمعه بعضُهم مِن بعضٍ، فهو كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، محفوظٌ في الصدور، ومكتوبٌ في المصاحف، ومسموعٌ بالآذان، ومقروءٌ بالألسنة.

واللهُ تعالى يُوصف بالكلام، فهو يتكلَّم بحرفٍ وصوتٍ يُسْمِعه مَن يشاء مِنْ خلقِه كما أسمعه موسى عليه السلامُ في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣].

-        ويوصف الله تعالى بالقول فهو يقول كما في قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢].

-        ويوصف الله تعالى بالحديث فهو يتحدَّث، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وقولُه تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣].

-        ويوصف الله تعالى بالنِّداء فهو ينادي، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]، وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].

-        ويوصف الله تعالى بالنِّجاء والمناجاة فهو يناجي، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، والفرقُ بين النداء والنِّجاء أنَّ الأوَّل يكون للبعيد والآخَرَ يكون للقريب.

وكلامُه سبحانه حروفٌ وكلماتٌ منها: كلماتُ الله الكونيةُ: وهي ما يُكوِّن به الكائناتِ مِثل قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، والأخرى كلماتُه الشرعيّةُ: وهي كلامُه المنزَّلُ على رسلِه المتضمِّنِ للأخبار والشرائع، وهي تامَّةٌ بوصفَيِ الصدق والعدل، فكلماتُ الله في الأخبار غايةٌ في الصدق لا يعتريها كذبٌ ولا خطأٌ ولا نسيانٌ بأيِّ وجهٍ مِنَ الوجوه، وهي في الأحكام والشرع غايةٌ في العدل فلا جَوْرَ فيها بوجهٍ مِنَ الوجوه، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، وكلماتُ الله الكونيةُ والشرعيةُ كلُّها كلامُه سبحانه تُضاف إليه إضافةَ صفةٍ إلى موصوفٍ ليس فيها شيءٌ مخلوقٌ، ولهذا يُتعوَّذ بكلمات الله تعالى كما يُتعوَّذ بصفاته الأخرى، ففي الحديث: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» [أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» (١٧/  ٣١) باب الدعوات والتعوُّذ، من حديث خولة بنت حكيمٍ السُّلَمِيَّة رضي الله عنها]، والمرادُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ في الحديثِ: الكاملاتُ التي لا يدخل فيها نقصٌ ولا عيبٌ وهي كاملةٌ بوصفَيِ الصِّدق والعدل، وشاملةٌ للكلمات الكونية والشرعية.

علمًا أنَّ أهْلَ السنَّة والجماعة إنما يُثبتون صفةَ الكلام لله تعالى مع نفيِ تشبيهه ومماثلته للمخلوقات، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

هذا، والمخالفون لمقالة أهل السنَّة والجماعة افترقوا في مسألة الكلام على أقوالٍ عديدةٍ، أظهرها مَنْ أنكر صفةَ الكلام، وقالوا: إنَّ معنى كونه تعالى متكلِّمًا أي: خالقًا للكلام في غيرِه وهو مذهبُ الجهميةِ والمعتزلةِ، ومنهم مَنْ أنكر أن يكونَ للهِ كلامٌ حقيقيٌّ، وإنما يذهبون إلى أنه معنًى قائمٌ بالذات لا يتعلَّق بالقدرة والمشيئة، بل هو لازمٌ للذات لزومَ الحياة والعلم وهو مذهب الكُلاَّبية والأشاعرة، غيرَ أنَّ الكلاَّبية يرَوْن أنَّ كلام الله عزَّ وجلَّ أربعةُ معانٍ: الأمرُ والنهيُ والخبرُ والاستخبارُ، وأنَّ الحروف والأصوات حكايةٌ عن كلام الله، خُلِقَت للدلالة على المعنى القائم بذاته، بينما الأشاعرةُ يرَوْن أنَّ كلام الله معنًى واحدٌ لا ينقسم وليس له أبعاضٌ ولا أجزاءٌ، فالأمرُ هو عينُ النهيِ، والخبرُ هو عينُ الاستخبار، والوعدُ هو عينُ الوعيد، وهذه الوجوهُ ترجع إلى اعتباراتٍ في كلامه لا إلى عددٍ في نفس الكلام، بمعنى أنها صفاتٌ للمعنى الواحد لا أنواعٌ له، فالكلامُ عند الأشاعرة -إذن- ما هو إلاَّ معنًى قائمٌ بالنفس دون العبارة، والعبارةُ دلالتُه عليه مِنَ الإنسان، فالمتكلِّمُ -عندهم- مَنْ قام به الكلامُ، وكلامُ اللهِ ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، وعليه فالقرآنُ المنزَّلُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم ليس كلامَ الله حقيقةً -عندهم- بل هو عبارةٌ عن كلام الله النفسي، وغيرُها مِنْ مقالات الخلف المتأثِّرة بخزعبلات الفلاسفة والمتشبِّعة بتمحُّلات المناطقة.

والأدلَّةُ كثيرةٌ ومتضافرةٌ تشهد لصحَّة معتقد أهل السنَّة والجماعة في تقريرهم أنَّ كلام الله صفةُ ذاتٍ وفعلٍ، قديمُ النوع حادثُ الآحاد، فهو سبحانه يتكلَّم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته، وله حرفٌ وصوتٌ يُسْمِعه مَن يشاء مِن خلقِه مِن غير تشبيهٍ ولا تمثيلٍ للمخلوقِ، ويكفي فسادَ مقالات المخالفين خروجُها عن إجماع السلف وأئمَّة السنَّة والحديث، قال ابن تيمية -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى» (١٢/  ٢٤٣-٢٤٤)]: «والصوابُ الذي عليه سلفُ الأمَّة كالإمام أحمدَ والبخاري صاحب «الصحيح» في «كتاب خلق أفعال العباد» وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم أتباع النصوص الثابتة وإجماعِ سلف الأمَّة، وهو: أنَّ القرآن جميعَه كلامُ الله: حروفُه ومعانيه، ليس شيءٌ مِن ذلك كلامًا لغيره، ولكنْ أنزله على رسوله، وليس القرآنُ اسمًا لمجرَّد المعنى، ولا لمجرَّد الحرفِ، بل لمجموعهما، وكذلك سائرُ الكلام ليس هو الحروفَ فقط، ولا المعانِيَ فقط، كما أنَّ الإنسان المتكلِّمَ الناطقَ ليس هو مجرَّدَ الروح، ولا مجرَّدَ الجسد، بل مجموعهما، وأنَّ اللهَ تعالى يتكلَّم بصوتٍ كما جاءت به الأحاديثُ الصِّحاحُ، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوتِ القارئ ولا غيره، وأنَّ الله ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما لا يُشبه علمُه وقدرتُه وحياتُه علْمَ المخلوق وقدرتَه وحياتَه فكذلك لا يُشبه كلامُه كلامَ المخلوق، ولا معانيه تُشبه معانِيَه، ولا حروفُه تُشبه حروفَه، ولا صوتُ الربِّ يُشبه صوتَ العبد، فمَنْ شبَّه اللهَ بخلقه فقدْ ألحد في أسمائه وآياته، ومَن جحد ما وصف به نفْسَه فقد ألحد في أسمائِه وآياتِه».

وقال -رحمه اللهُ- في موضعٍ آخَرَ مِن «مجموع الفتاوى» (١٢/  ٣٠٤-٣٠٥): «واستفاضت الآثارُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والصحابةِ والتابعين ومَن بعدهم مِن أئمَّة السنَّة أنه سبحانه ينادي بصوتٍ: نادى موسى، وينادي عباده يومَ القيامة بصوتٍ، ويتكلَّم بالوحي بصوتٍ، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ مِنَ السلفِ أنه قال: إنَّ اللهَ يتكلَّم بلا صوتٍ أو بلا حرفٍ، ولا أنه أنكر أن يتكلَّم اللهُ بصوتٍ أو بحرفٍ، كما لم يَقُلْ أحدٌ منهم إنَّ الصوت الذي سمعه موسى قديمٌ، ولا إنَّ ذلك النداءَ قديمٌ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّ هذه الأصوات المسموعة من القرَّاء هي الصوتُ الذي تكلَّم اللهُ به، بلِ الآثارُ مستفيضةٌ عنهم بالفرقِ بين الصوت الذي يتكلَّم اللهُ به وبين أصوات العباد». [انظر افتراق الناس في مسألة كلام الله في: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٦/  ٥١٣-٥٤٥)، مختصر «الصواعق المرسلة» لابن القيِّم (٤٢٣) باختصار الموصلي، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١٧٩-٢٠٣)].

هذا، ومقصودُ المصنِّف -رحمه الله- أنَّ لله تعالى الإرادةَ والمشيئة المطلقة في جميع الممكنات أو المتضادَّات أو المتقابِلات أو الممتنِعات أو المستحيلات، كما أنَّ له علمًا تنكشف له به جميعُ المعلوماتِ مِنَ الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأنَّ له سمعًا تنكشف له به جميع المسموعات، وبصرًا تنكشف له به جميعُ المبصَرات، وأنَّ له كلامًا يدلُّ على جميع المعلومات ليدخلَ تحته المعلوماتُ والمعدوماتُ والموجوداتُ.

(٢) جزءٌ من الآية ١٦٤ من سورة النساء.

هذه الآيةُ سيقتْ لإثبات صفة الكلام لله تعالى، ذلك لأنَّ «الكلام صفةُ كمالٍ، فإنَّ مَن يتكلَّم أكمَلُ ممَّنْ لا يتكلَّم، كما أنَّ مَن يعلمُ ويقدر أكمَلُ ممَّن لا يعلم ولا يقدر، والذي يتكلَّم بمشيئتِه وقدرتِه أكمَلُ ممَّن لا يتكلَّم بمشيئتِه وقدرتِه، وأكمل ممَّن تكلَّم بغيرِ مشيئتِه وقدرته إن كان ذلك معقولاً.. ولا أحد مِنَ العقلاء يتصوَّر كلامًا يقوم بذات المتكلِّم بدون مشيئته وقدرته، فكيف تُثْبِت بالدليل المعقول شيئًا لا يُعْقَل...» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٦/  ٢٩٤، ٢٩٥)].

واللهُ تعالى ذمَّ بني إسرائيلَ على عبادتِهم العجلَ، وجعل مِنَ الدليل على بطلان إلهيَّتِه كونَه لا يتكلَّم، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ. أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾ [طه: ٨٨-٨٩].

هذا، وقد اكتفى المصنِّفُ في إثبات صفة الكلام بالاستدلال لها بآيةٍ واحدةٍ دون التعرُّضِ إلى الأحاديث الصحيحة في هذا الباب، ويمكن أن نُورِدَ بعضَها ليحصلَ التطابقُ مع عنوان المؤلَّف، فمِن ذلك:

-        حديثُ أبي سعيدٍ الخدْريِّ رضي الله عنه أنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «يَقُولُ اللهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (١٣/  ٤٥٣) باب قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]].

-        حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنه قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (١٣/  ٤٨٧) باب كلام الربِّ مع أهل الجنَّة. ومسلم في «الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها» (١٧/  ١٦٨) باب إحلال الرضوان على أهل الجنَّة].

-        حديثُ عديِّ بنِ حاتمٍ رضي اللهُ عنه أنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلاَ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (١٣/  ٤٢٣) باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، ومسلم في «الزكاة» (٧/  ١٠١) باب الحثِّ على الصدقة].