«التصفيف الثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (١)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 30 رجب 1438 هـ الموافق لـ 27 أبريل 2017 م

العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (١)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

التاسع والأربعون: توحيده في ربوبيَّته:

وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى: تَوْحِيدُهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ(١)، وَهُوَ العِلْمُ بِأَنْ لاَ خَالِقَ غَيْرُهُ وَلاَ مُدَبِّرَ لِلْكَوْنِ وَلاَ مُتَصَرِّفَ فِيهِ سِوَاهُ(٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾(٣)، ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾(٤)، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾(٥)، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»(٦).



(١) تعرَّض المصنِّف -رحمه الله- فيما سبق إلى أجلِّ أبواب التوحيد وأعظمها قدرًا وهو توحيد الأسماء والصفات لارتباطه بالله عزَّ وجلَّ في ذاته وأسمائه وصفاته، وهو أحد قسمي التوحيد العلمي، حيث بيَّن فيه عقيدة أهل السنَّة القائمةَ على أصلين راسخين: - إثباتٌ بلا تشبيهٍ أوَّلاً، - وتنزيهٌ بلا تعطيلٍ ثانيًا [انظر: مبحث الإيمان بالله وعقيدة الإثبات والتنزيه: التصفيف التاسع عشر].

ثمَّ عرَّج -في هذا الفصل- على القسم الثاني من التوحيد العلمي المتمثِّل في توحيد الربوبية وهو: الإقرار بأنَّ الله تعالى وحده لا شريك له، الخالق لكلِّ المخلوقات العلوية والسفلية والمرئيَّة وغيرها، والاعتراف بأنه سبحانه وحده المتصرِّف بهذا الكون، بيده جميع المقادير من رزقٍ وموتٍ وحياةٍ وما يتعلَّق بكافَّة أمور الخلائق، فهو المحيي المميت، النافع الضارُّ، الموجِد والمُعْدِم، والمتفرِّد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، له الأمر كلُّه، بيده الخير كلُّه، لا يخرج شيءٌ عن ربوبيته، وكلُّ من في السماوات والأرض عبدٌ له في قبضته وتحت قهره، ولا يستقلُّ شيءٌ سواه بإحداث أمرٍ من الأمور، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٠/ ٣٣١)، «مدارج السالكين» لابن القيِّم (١/ ٣٤)، «تيسير العزيز الحميد» لسليمان بن عبد الله (١٧)].

ويمكن اختصار تعريف توحيد الربوبية بأنه «إفراد الله تعالى بالخلق والحكم»، فكلاهما من خصائص الربوبية ومقتضياتها:

- فالخلق يشمل الخلق الأوَّل أي: ابتداء خلق جميع الخلائق والناس، والخلق الثاني: وهو البعث، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، وهذا يندرج في خصائص ربوبيَّته.

- والحكم يشمل: حكم الله القدري والكوني، فهو حكمه سبحانه بالنفع والضرر والرزق والتدبير ونحو ذلك ممَّا يقضي الله به تقديرًا وخلقًا.

- كما يشمل -أيضًا- حكمه الشرعي، وهو ما يقضي الله به شرعًا، فجميع أحكام الله الشرعية من مقتضيات ربوبيَّته.

وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الحُكْمُ» [أخرجه أبو داود في «الأدب» (٥/ ٢٤٠) باب في تغيير الاسم القبيح، والنسائي في «آداب القضاة» (٨/ ٢٢٦) باب: إذا حكَّموا رجلاً فقضى بينهم، من حديث أبي شريحٍ رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «إرواء الغليل» برقم (٢٦١٥)]، وهذا غير الحكم الشرعيِّ الدينيِّ من جهة امتثال العبد به -عمليا- خالصًا لله تعالى، فإنَّ هذا من توحيد الألوهية والعبادة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، وقد يَرِدُ الحكم بالمعنيين معًا: الكونيِّ والشرعيِّ، مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، قال ابن القيِّم -رحمه الله- في «شفاء العليل» (٢/ ٧٦٧): «فما كان من كونيٍّ فهو متعلِّقٌ بربوبيته وخلقه وما كان من الدينيِّ فهو متعلِّقٌ بإلهيته وشرعه، وهو كما أخبر عن نفسه سبحانه ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فالخلق قضاؤه وقدره وفعلُه، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جاريةٌ على خلقه قدرًا وشرعًا، ولا خروج لأحدٍ عن حكمه الكونيِّ القدريِّ».

هذا، وقد يغني ذكر الخلق -في اختصار التعريف- عن الملك، لأنَّ مخلوقات الله هي ملكُه، سواءً في الخلق الأوَّل أو الثاني، لقوله تعالى: ﴿للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠].

(٢) وجديرٌ بالتنبيه أنَّ المصنِّف -رحمه الله- عرَّف توحيد الربوبية بالعلم ليُظهر تعلُّقه بالتوحيد العلميِّ الخبريِّ، غير أنَّ إطلاق العلم -في هذا المقام- قاصرٌ عن المعنى المطلوب، والأَوْلى التعبير بالإقرار لتضمُّنه العلمَ بالشيء عن تصديقٍ به، المستلزمَ لقبول الأخبار والإذعان للأحكام، وهو معنى الإيمان بانفراد الله بالربوبية.

كما أنَّ المصنِّف -رحمه الله- جعل -في تعريفه للتوحيد- العلمَ بأنَّ الله تعالى منفردٌ بأمورٍ ثلاثةٍ: الخلق والتدبير والتصرُّف، والمعلوم بأنَّ كلاًّ من التدبير والتصرُّف يتعلَّقان بالأمر، لأنَّ الله هو المدبِّر للأمر المتصرِّف به والقاضي به، فهذا حكمُه القدريُّ والكوني، وهو ما يقضي الله به تقديرًا وخلقًا، لذلك كان إفراد الله بالحكم أو بالأمر أوسع وأَوْلى من التعبير عن تفرُّده بلفظتي التدبير والتصرُّف.

هذا، وتوحيد الربوبية جُبلت عليه فِطَرُ العقلاء، فلا يوجد -في العالم- من يثبت صانعين متماثلين من كلِّ الوجوه، فهذا النوع من التوحيد «لم يذهب إلى نقيضه طائفةٌ معروفةٌ من بني آدم، بل القلوب مفطورةٌ على الإقرار به أعظم من كونها مفطورةً على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]» [«شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ الحنفي (٧٧)].

والعرب في الجاهلية -بقطع النظر عن الحنفاء منهم- كانوا يتوقَّفون في إثبات توحيد الألوهية والعبادة لا الربوبية، فقد كان الشرك في الألوهية والعبادة سمةً غالبةً فيهم، على أنَّ منهم من أشرك في الربوبية أو في بعض خصائصها.

وعامَّة العرب وسوادهم -وإن كانوا يُقِرُّون بتوحيد الربوبية- إلاَّ أنه لم يكن ذلك على وجه الكمال والتمام، فقد كان إقرارهم ببعض صفات الربوبية وخصائصها كاعترافهم بالخالق والرازق والمحيي والمميت والمدبِّر لشئون الخلق، ولم يكن ذلك حكمًا مطَّردًا على سائر المشركين، قال الشهرستاني -رحمه الله- في «الملل والنحل» (٣/ ٢١٩): «اعلم أنَّ العرب أصنافٌ شتَّى: فمنهم معطِّلةٌ، ومنهم محصِّلةٌ نوعَ تحصيلٍ.

معطِّلة العرب: وهم أصنافٌ:

فصنفٌ منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني، وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤]، .. وصنفٌ منهم أقرُّوا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة، وهم الذين أخبر عنهم القرآن: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].... وصنفٌ منهم أقرُّوا بالخالق وابتداء الخلق ونوعٍ من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجُّوا إليها ونحروا لها الهدايا، وقرَّبوا المقرَّبين، وتقرَّبوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلُّوا وحرَّموا، وهم الدهماء من العرب إلاَّ شرذمةً منهم»

لذلك كان القرآن الكريم يستدلُّ على الكفَّار باعترافهم بربوبية الله تعالى على وجوب توحيده في عبادته بأسلوب الاستفهام التقريريِّ، وفي هذا المعنى قال الشنقيطي في «أضواء البيان» (٣/ ٤١١): «ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقرُّوا بربوبيته احتجَّ بها عليهم على أنه هو المستحقُّ لأن يُعْبَد وحده، ووبَّخهم منكِرًا عليهم شِرْكَهم به غيرَه، مع اعترافهم بأنه هو الربُّ وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الربُّ وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحقُّ لأن يُعْبَد وحده.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ [يونس: ٣١]، فلما أقرُّوا بربوبيته وبَّخهم منكِرًا عليهم شِرْكَهم به غيره، بقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].

ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ للهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، فلمَّا اعترفوا وبَّخهم منكِرًا عليهم شِرْكَهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥]، ثمَّ قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ للهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦-٨٧]، فلما أقرُّوا وبَّخهم منكِرًا عليهم شِرْكَهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧]، ثمَّ قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ للهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]، فلمَّا أقرُّوا وبَّخهم منكِرًا عليهم شِرْكَهم بقوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] .. والآيات بنحو هذا كثيرةٌ جدًّا، ولأجل ذلك ذكرْنا في غير هذا الموضع أنَّ كل الأسئلة المتعلِّقة بتوحيد الربوبية استفهاماتُ تقريرٍ، يراد منها أنهم إذا أقرُّوا رُتِّب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأنَّ المُقِرَّ بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورةً نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]».

وممَّا تقدَّم يتَّضح جليًّا أنَّ توحيد الربوبية الذي قرَّره أهل الكلام وأقرَّ به الخلق -ولو سلَّمْنا أنه على وجه التمام والكمال- فلا يكون توحيد صاحبه صحيحًا ولا ينفعه ولا ينجيه من الوعيد إلاَّ بإخلاص العبادة لله وحده، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «تلخيص كتاب الاستغاثة» (الردِّ على البكري) (١/ ٣٥٨): «وهذا التوحيد -توحيد الربوبية العامَّة- كان المشركون يُقِرُّون به، فهو وحده لا ينجي من النار ولا يُدْخِل الجنَّة، بل التوحيد المنجي شهادةُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله بحيث يُقِرُّ بأنَّ الله سبحانه هو المستحقُّ للعبادة دون ما سواه، وأنَّ محمَّدًا رسوله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن عصى الرسول فقد عصى الله»، وقال -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٣): «فأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق وقرَّره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجَّة عليهم»، وقال -رحمه الله- في موضعٍ آخر من «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٠٢): «ومعلومٌ أنَّ هذا هو تحقيق ما أقرَّ به المشركون من التوحيد ولا يصير الرجل بمجرَّد هذا التوحيد مسلمًا فضلاً عن أن يكون وليًّا لله أو من سادات الأولياء»، وقال ابن القيِّم -رحمه الله- في «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٧): «وأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المسلم والكافر، وقرَّره أهل الكلام في كتبهم، فلا يكفي وحده، بل هو الحجَّة عليهم، كما بيَّن ذلك –سبحانه- في كتابه الكريم في عدَّة مواضع».

قلت: وقد تقدَّم من كلام الشنقيطيِّ -رحمه الله- في إيراده بعضَ الأمثلة من القرآن الكريم التي احتجَّ فيها عليهم بالربوبية على وجوب توحيده في الألوهية والعبادة.

(٣) جزءٌ من الآية ٣ من سورة فاطر.

وتمام الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.

قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في «تفسيره» (٣/ ٥٤٧): «ينبِّه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنه المستقلُّ بالخلق والرزق فكذلك فليُفْرَدْ بالعبادة ولا يُشْرَكْ به غيرُه من الأصنام والأنداد والأوثان، ولهذا قال: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، أي: فكيف تُؤْفَكون بعد هذا البيان ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟».

(٤) جزءٌ من الآية ٥٤ من سورة الأعراف.

قال السعدي -رحمه الله- في «تيسير الكريم الرحمن» (٣٢٨): «أي: له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات: علويُّها وسفليُّها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، والأمر المتضمِّن للشرائع والنبوَّات، فالخلق: يتضمَّن أحكامَه الكونية القدرية، والأمر: يتضمَّن أحكامَه الدينية الشرعية، وثَمَّ أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء».

(٥) جزءٌ من الآية ٥ من سورة السجدة.

والمراد بالآية أنَّ الله تعالى يُحْكِم الأمرَ بقضائه وقدره من السماء فيُنزله إلى الأرض [انظر: «فتح القدير» للشوكاني (٤/ ٢٤٨)].

قال السعدي -رحمه الله- في «تيسير الكريم الرحمن» (٧٦٧): «﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ القدريَّ والأمر الشرعيَّ، الجميعُ هو المتفرِّد بتدبيره، نازلةً تلك التدابير من عند المليك القدير ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾، فيُسْعِد بها ويُشقي، ويُغني ويُفقر، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويُكرم ويُهين، ويرفع أقوامًا ويضع آخَرين، ويُنزل الأرزاق.

﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي: الأمر ينزل من عنده، ويعرج إليه ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، وهو يعرج إليه ويصله في لحظةٍ».

(٦) أخرجه البخاري في «الأذان» (٢/ ٣٢٥) باب الذكر بعد الصلاة، وفي مواضع أخرى من الصحيح، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٩٠) باب استحباب الذكر بعد الصلاة؛ من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

والحديث شرحه ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٤٧) حيث قال ما نصُّه: «والمعنى أنَّ صاحب الجَدِّ لا ينفعه منك جَدُّه، أي: لا ينجيه ويخلِّصه منك جَدُّه، وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح، و«الجَدُّ»: هو الغنى وهو العظمة وهو المال. بيَّن صلَّى الله عليه وسلَّم أنه من كان له في الدنيا رئاسةٌ ومالٌ لم يُنجه ذلك ولم يخلِّصه من الله، وإنما ينجيه من عذابه إيمانه وتقواه؛ فإنه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»، فبيَّن في هذا الحديث أصلين عظيمين:

أحدهما: توحيد الربوبية، وهو أن لا معطيَ لما منع الله، ولا مانع لما أعطاه، ولا يُتوكَّل إلاَّ عليه ولا يُسأل إلاَّ هو.

والثاني: توحيد الإلهية، وهو بيان ما ينفع وما لا ينفع، وأنه ليس كلُّ من أُعطي مالاً أو دنيا أو رئاسةً كان ذلك نافعًا له عند الله منجيًا له من عذابه، فإنَّ الله يعطي الدنيا من يحبُّ ومن لا يحبُّ، ولا يعطي الإيمانَ إلاَّ من يحبُّ، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلاَّ﴾ [الفجر: ١٥-١٧] يقول: ما كلُّ من وسَّعتُ عليه أكرمتُه، ولا كلُّ من قَدَرْتُ عليه أكون قد أهنتُه، بل هذا ابتلاءٌ ليشكر العبدُ على السرَّاء ويصبر على الضرَّاء، فمن رُزق الشكرَ والصبرَ كان كلُّ قضاءٍ يقضيه الله خيرًا له كما في الصحيح عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «لاَ يَقْضِي اللهُ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ قَضَاءٍ إِلاَّ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [أخرج أوَّلَه الشهاب القضاعي في «مسنده» (٥٩٦) بلفظ «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ فَوَاللهِ لاَ يَقْضِي اللهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلاَّ كَانَ خَيْرًا لَهُ» من حديث أنسٍ رضي الله عنه، وأخرج سائرَه مسلمٌ في «الزهد» (١٨/ ١٢٥) باب: «المؤمن أمرُه كلُّه خيرٌ» بلفظ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» من حديث صهيبٍ، وليس في صحيح البخاري].

و«توحيد الإلهية» أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، فيطيعه ويطيع رسله ويفعل ما يحبُّه ويرضاه، وأمَّا «توحيد الربوبية» فيدخل ما قدَّره وقضاه وإن لم يكن ممَّا أمر به وأوجبه وأرضاه، والعبد مأمورٌ بأن يعبد الله ويفعل ما أمر به وهو توحيد الإلهية، ويستعين الله على ذلك وهو توحيدٌ له فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]».