«التصفيف الثاني والثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (٣)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م

 

«التصفيف الثاني والثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (3)»



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الثاني والثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (٣)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الحَادِي وَالخَمْسُونَ: انْفِرَادُهُ بِالخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالشُّمُولِ:

وَوَحْدَانِيَّتُهُ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ تَسْتَلْزِمُ وَحْدَانِيَّتَهُ تَعَالَى فِي أُلُوهِيَّتِهِ، فَالمُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالعَطَاءِ وَالمَنْعِ وَدَفْعِ الضَّرِّ وَجَلْبِ النَّفْعِ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُفْرَدَ بِالعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ الخُضُوعِ وَالذُّلِّ مَعَ الفَقْرِ وَالحَاجَةِ لِلْعَزِيزِ الغَنِيِّ القَادِرِ المُنْعِمِ(١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(٢)، ولقوله تعالى:﴿الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ؟ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ. أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾(٣).



(١) فلا شكَّ أنَّ أصل الدين وقوامه ولبَّه وصميمه يتمثَّل في الإيمان بوجود الله وتحقيق كمال وحدانيته، وتوحيدُ الربوبية أو المعرفة أمرٌ فطريٌّ معلومٌ في النفوس التي هي مفطورةٌ على الإقرار به أعظمَ من كونها مفطورةً على الإقرار بغيره من الموجودات، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].

ومعظم الخلائق الذين سلمت فطرتهم أقرُّوا بالخالق وكماله بمعرفةٍ فطريةٍ تحصل ضرورةً في قلب العبد، لا يُحتاج معها إلى سرد الأدلَّة وحشدِ البراهين إلاَّ لمن تشوَّهت فطرتهم بسبب عوامل تضليل الشياطين لهم عن سواء السبيل، فأعرضوا عن توحيد الخالق مقلِّدين ما توارثوه من تقليد الآباء واتِّباعهم، وهذا المعنى يؤكِّده النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيما يروي عن ربِّه تعالى أنه قال: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا»[أخرجه مسلمٌ في «الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها» (١٧/ ١٩٧) باب الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهلُ الجنَّة وأهل النار، من حديث عياض بن حمارٍ المجاشعيِّ رضي الله عنه].

فاحتاجت الأمَّة -عندئذٍ- من يبصِّرها بضلالها وينبِّهها عن غفلتها وينير لها سبيل الحقِّ بدعوتها إلى أصل الفطرة التي كانت عليها، وقد أفصح ابن باديس -رحمه الله- عن هذا المضمون في تفسيره «مجالس التذكير» (٣٦٦) في مَعْرِض تفسير قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦]، حيث قال -رحمه الله-: «خلق الله الخلقَ حنفاء موحِّدين، فأتتهم الشياطن فأضلَّتهم عن سواء السبيل، فمِن رحمته تعالى بهم أن أرسل إليهم رجالاً منهم لهدايتهم، وأنزل عليهم كتبًا منه لدلالتهم»، ثمَّ بيَّن -رحمه الله- حال «تلك الأمَّة التي ما أُنذر آباؤها، فهي مشتغلةٌ بما توارثته من آبائها من عبادة الأوثان وارتكاب الإثم والعدوان، وأنواع الضلال والخسران، مُعْرِضةً عن توحيد خالق الأرض والسموات، وعن النظر فيما نُصب للدلالة عليه من الآيات، طال عليها أمدُ الجهالة، واستولت عليها أسباب الضلالة، فتمكَّنت منها الغفلة التمكُّنَ التامَّ؛ فذهبت في أوديتها البعيدة المدى كالأنعام أو أضلَّ من الأنعام»، ثمَّ يتابع -رحمه الله- قوله: «لمَّا ضلَّ الخلق عن طريق الحقِّ والكمال الذي يوصلهم إليه: إلى مرضاته والفوز بما لديه، أرسل إليهم الرسلَ ليعرِّفوهم بأنَّ ذلك الطريق هو الإسلام، ويكونوا أدلَّتهم في السير، وقادتَهم إلى الغاية، وأنزل عليهم الكتبَ لينيروا لهم بها الطريق، ويقودوهم على بصيرةٍ، ويتركوهم على البيضاء: ليلُها كنهارها، لا يهلك عليها إلاَّ من ظلم نفسَه فحاد عن السواء أو تخلَّف عن القافلة فكان من الهالكين».

فالحاصل أنَّ توحيد الربوبية جُبلت عليه فِطَرُ العقلاء ومعرفتُه ضروريةٌ، لا يحتاج إلى إقامة الأدلَّة والبراهين إلاَّ لمن ضعف إيمانه وقلَّ يقينه وتعرَّضت فطرته لعوامل التشويه والإفساد، فاختلطت عليه العقيدة الصحيحة بمختلف المعتقدات الفاسدة، ووقع في شراك الشيطان وشركه لنسيانه للميثاق الأزليِّ المعقود بين ربِّه وفطرته، فإنه -والحال هذه- يحتاج إلى من يبيِّن له طريقَ الحقِّ بالحجَّة والبرهان، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧٣): «إنَّ الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًّا ضروريًّا في حقِّ من سلمت فطرته وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلَّة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلَّة عليه كثيرٌ من الناس عند تغيُّر الفطرة وأحوالٍ تَعْرِض لها» [انظر: المصدر السابق (٢/ ٦)].

هذا والمصنِّف -رحمه الله- بيَّن علاقةَ التلازم بين الربوبية والألوهية من جهة أنَّ من يوحِّد اللهَ في ربوبيته بالإقرار على انفراده سبحانه بالخلق والرزق والإنعام والإحياء والإماتة ونحوها من معاني الربوبية فإنه يَلزمه توحيدُه في ألوهيته وعبادته، وقد نبَّه المصنِّف -رحمه الله- في موضعٍ آخر من «تفسيره» [مجالس التذكير] (٨٣-٨٤) عند تعرُّضه لتفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] عن هذه العلاقة التلازمية بين التوحيدين بصورةٍ جليَّةٍ يحسن أن ننقل نصَّه كاملاً، قال -رحمه الله-: «القضاء يكون بمعنى الإرادة، وهذا هو القضاء الكونيُّ التقديريُّ الذي لا يتخلَّف متعلَّقه، فما قضاه الله لا بدَّ من كونه. ويكون القضاء بمعنى الأمر والحكم، وهذا هو القضاء الشرعيُّ الذي يمتثله الموفَّقون ويخالفه المخذولون، والذي في الآية من هذا الثاني.

﴿رَبُّكَ﴾: الربُّ هو الخالق المدبِّر المنعم المتفضِّل.

«أنْ» مصدريةٌ، والتقدير: بألاَّ تعبدوا إلاَّ إيَّاه، أي: بعدم عبادتكم سواه، بأن تكون عبادتكم مقصورةً عليه.

فالعبادة بجميع أنواعها لا تكون إلاَّ له: فذلُّ القلب وخضوعه والشعورُ بالضعف والافتقارُ والطاعة والانقياد والتضرُّع والسؤال، هذه كلُّها لا تكون إلاَّ لله.

فمن خضع قلبه لمخلوقٍ على أنه يملك ضرَّه أو نفعه فقد عبده.

ومن شعر بضعفه وافتقاره أمام مخلوقٍ على أنه يملك إعطاءه أو منعه فقد عبده.

ومن ألقى قياده بيد مخلوقٍ يتبعه فيما يأمره وينهاه غيرَ ملتفتٍ إلى أنه من عنده أو من عند الله فقد عبده.

ومن توجَّه لمخلوقٍ فدعاه ليكشف عنه السوءَ أو يدفع عنه الضرَّ فقد عبده.

فالله تعالى يُعْلِم الخلقَ كلَّهم في هذه الآية بأنه أمر أمرًا عامًّا وحكم حكمًا جازمًا بأنَّ العبادة لا تكون إلاَّ له.

وجيء باسم الربِّ في مقام الأمر بقصر العبادة عليه تنبيهًا على أنَّ الذي يستحقُّ العبادةَ هو من له الربوبية بالخلق والتدبير والملك والإنعام، وليس ذلك إلاَّ له، فلا يستحقُّ العبادةَ بأنواعها سواه، فهو تنبيهٌ بوحدانية الربوبية التي من مقتضاها انفرادُه بالخلق والأمر الكونيِّ والشرعيِّ على وحدانية الألوهية التي من مقتضاها استحقاقُه وحده عبادةَ جميع مخلوقاته.

وكما انتظمت هذه الجملة توحيدَ الربوبية وتوحيدَ الألوهية، كذلك انتظمت مع الآية السابقة التوحيدَ العلميَّ والتوحيد العمليَّ:

فالأولى: نهيٌ عن أن تعتقد الألوهيةَ لسواه، وهو يتضمَّن النهيَ عن اعتقاد ربوبية سواه وهذا من باب العلم.

والثانية: أمرٌ بأن تكون عبادتك مقصورةً عليه لأنه هو ربُّك وحده، وهذا من باب العمل.

فمن وحَّد الله جلَّ جلاله في ربوبيته وألوهيته علمًا وعملاً فقد استكمل حظَّه من مقام هذا الأساس العظيم.

ومن أخلَّ بشيءٍ من ذلك كان ذلك نقصًا في دينه بقدر ما أخلَّ حتى ينتهيَ الأمر إلى خُلَّصِ المشركين».

(٢) آية ٢١، ٢٢ من سورة البقرة.

وفي معرض تفسير هاتين الآيتين أبرز ابن جُزَيٍّ -رحمه الله- في «التسهيل» (١/ ٧٠-٧١) ثلاث فوائد حيث قال -رحمه الله-: «الأولى: هذه الآية ضمنت دعوةَ الخلق إلى عبادة الله بطريقين: أحدهما: إقامة البراهين بخلقتهم وخلقة السموات والأرض والمطر والسموات. والآخر: ملاطفةٌ جميلةٌ بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام، فذكر أوَّلاً ربوبيته لهم، ثمَّ ذكر خلقته لهم وآبائهم، لأنَّ الخالق يستحقُّ أن يُعْبَد، ثمَّ ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشًا والسماءِ بناءً، ومِن إنزال المطر، وإخراج الثمرات، لأنَّ المنعم يستحقُّ أن يُعْبَد ويُشْكَر، وانظر قولَه: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾، و﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾: يدلَّك على ذلك لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفةٍ وخطابٍ بديعٍ.

الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمرُ بتوحيد الله وتركِ ما عُبد من دونه لقوله في آخرها: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا﴾، وذلك هو الذي يُترجَم عنه بقولنا: «لا إله إلاَّ الله»، فيقتضي ذلك الأمرَ بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد، [الثالثة:] وقولُ: «لا إله إلاَّ الله» تكون في القرآن بعد ذكر المخلوقات، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسموات، والحيوان والنبات، والرياح والأمطار، والشمس والقمر، والليل والنهار، وذلك أنها تدلُّ بالعقل على عشرة أمورٍ وهي: أنَّ الله موجودٌ لأنَّ الصنعة دليلٌ على الصانع لا محالة، وأنه واحدٌ لا شريك له لأنه لا خالق إلاَّ هو ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وأنه حيٌّ قديرٌ عالمٌ مريدٌ لأنَّ هذه الصفاتِ الأربعَ من شروط الصانع إذ لا تصدر صنعةٌ عمَّن عَدِمَ صفةً منها، وأنه قديمٌ لأنه صانعٌ للمحدَثات فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث، وأنه باقٍ لأنَّ ما ثبت قِدَمُه استحال عدمه، وأنه حكيمٌ لأنَّ آثار حكمته ظاهرةٌ في إتقانه للمخلوقات وتدبيره للملكوت، وأنه رحيمٌ لأنَّ في كلِّ ما خلق منافعَ لبني آدم: سخَّر لهم ما في السموات وما في الأرض، وأكثرُ ما يأتي ذكرُ المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى وعلى وحدانيته» .

(٣) آية ٥٩-٦٤ من سورة النمل.

وقد أورد المصنِّف -رحمه الله- الآياتِ لبيان أنَّ وحدانية الله تعالى في ربوبيته تستلزم وحدانيته في ألوهيته وعبادته، وهذا المعنى قد سبق تقريره من كلام الشنقيطيِّ -رحمه الله- السابق [في «القاعدة التاسعة والأربعين: توحيده في ربوبيته»] في أنَّ الله تعالى احتجَّ على المشركين بانفراده بالخلق والأمر على وجوب استحقاقه وحده للعبادة، حيث يأتي القرآن الكريم مستعملاً لأسلوب الاستفهام التقريريِّ الإنكاريِّ في كلِّ أسئلته المتعلِّقة بتوحيد الربوبية، يراد منها إذا أقرُّوا بها أن يرتِّبَ التوبيخَ والإنكار على الإقرار، لأنَّ المقرَّ بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورةً.

والآيات القرآنية على نحو هذا كثيرةٌ جدًّا تشهد على العلاقة التلازمية بين التوحيدين بأسلوب الاستفهام التقريريِّ الإنكاريِّ، وضمن هذا السياق قال ابن أبي العزِّ -رحمه الله- في شرح «العقيدة الطحاوية» (٨٣): «والقرآن مملوءٌ من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضربِ الأمثال له، ومن ذلك أنه يقرِّر توحيد الربوبية، ويبيِّن أنه لا خالق إلاَّ الله، وأنَّ ذلك مستلزمٌ أن لا يُعْبَد إلاَّ الله، فيجعل الأوَّل دليلاً على الثاني، إذ كانوا يسلِّمون في الأوَّل وينازعون في الثاني، فيبيِّن لهم سبحانه أنَّكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلاَّ الله وحده، وأنه هو الذي يأتي العبادَ بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرُّهم، لا شريك له في ذلك، فلِمَ تعبدون غيره وتجعلون معه آلهةً أخرى؟ كقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٥٩-٦٠] الآيات، يقول الله تعالى في آخر كلِّ آيةٍ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي: أإلهٌ مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكارٍ يتضمَّن نفيَ ذلك، وهم كانوا مقرِّين بأنه لم يفعل ذلك غيرُ الله، فاحتجَّ عليهم بذلك، وليس المعنى أنه استفهامٌ: هل مع الله إلهٌ؟ كما ظنَّه بعضهم؛ لأنَّ هذا المعنى لا يناسب سياقَ الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهةً أخرى، كما قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩]، وكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، لكنَّهم ما كانوا يقولون: إنَّ معه إلهًا ﴿جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١]، بل هم مقرُّون بأنَّ الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، وكذلك قوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦]، وأمثال ذلك».