«التصفيف الثالث والثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (٤)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 21 رجب 1442 هـ الموافق لـ 05 مارس 2021 م

العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الثالث والثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (٤)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الثَّانِي وَالخَمْسُونَ: تَوْحِيدُ اللهِ تَعَالَى فِي شَرْعِهِ

وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى: تَوْحِيدُهُ فِي شَرْعِهِ، فَلاَ حَاكِمَ وَلاَ مُحَلِّلَ وَلاَ مُحَرِّمَ سِوَاهُ(١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر﴾(٢)، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾(٣)، ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِب﴾(٤)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾(٥)، وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾(٦)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾(٧)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾(٨)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(٩).



(١) المصنِّف -رحمه الله- أراد بيانَ منزلة الحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والعبادة وتوحيد الاتِّباع، وبيَّن أنَّ هذا المقام يقتضي وجوبَ اعتقاد تفرُّده سبحانه بالحكم واختصاصِه به، لأنه كما لا حُكْمَ إلاَّ حكمُ الله في ملكوته فكذلك يجب أن يُفْرَد حكمُه في فصل منازعات الناس وخصوماتهم وفي الحقوق والواجبات، فلذلك أوجب الله على عباده الحكمَ بشريعته المنزَّلة، فالله تعالى هو الحَكَمُ وإليه الحُكْمُ، قال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ للهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]، وقال تعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ [يوسف: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦].

فكانت الغاية -إذن- من تنزيل الكتاب هو إقامةَ حكمه والعملَ بشريعته كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، ومن منطلق هذه الغاية جعل الله من صفات المؤمنين الحكمَ بما أنزل الله والتحاكمَ إليه، وبالمقابل جعل من صفات المنافقين العدولَ عن حكم الله وشرعه إلى تحكيم حكم الطاغوت والجاهلية، وهو ما يناقض كلمةَ التوحيد: شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ذلك لأنَّ الإيمان يقتضي الانقيادَ لشرع الله وتحكيمَه في كلِّ أمور الدين والدنيا، فمن زعم أنه مؤمنٌ واختار حُكْمَ الطاغوت على حكم الله فهو غير صادقٍ.

فلذلك كان توحيد الله تعالى في الطاعة وتحقيق شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يكون إلاَّ بتحكيم العباد لِما أنزل الله فإنَّ فيه حياةَ القلوب بعبودية الله تعالى، ولزومِ طاعته وطاعة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم على الدوام، وفيه من الصلاح والخير ما لا يخفى، قال تعالى منوِّهًا بحكمة الاستجابة لله ولرسوله في حياة القلوب والجوارح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].

وهذا بخلاف ترك العمل بالشريعة وعدم الاستجابة لله وللرسول والعدول عنها إلى ما يخالف حُكْمَها، فإنَّ هذا الرفض نابعٌ من اتِّباع الهوى ومُورِثٌ لضلالٍ مبينٍ في الدنيا، وما يعقبه في الآخرة من عقابٍ مهينٍ وعذابٍ شديدٍ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَاب﴾ [ص: ٢٦]، وقال تعالى محذِّرًا من التحاكم إلى غير حكمه وشرعه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].

هذا، وأهمِّية مسألة إفراد الله تعالى بالحكم جليلةٌ، تتحدَّد منزلتها وتتبلور مقاماتها من التوحيد والإيمان في المحاور التالية:

المحور الأوَّل: مقام إفراد الله بالحكم من توحيد الربوبية:

التشريع من خصائص ربوبية الله تعالى، فالدين ما شرعه الله تعالى ورسوله والحلال ما حلَّله الله ورسوله، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله، لأنه تنفيذٌ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته وكمال ملكه وتصرُّفه، لذلك لا يجوز لأحدٍ أن يشرِّع من دون الله ولا أن يخرج عن شيءٍ ممَّا شرعه الله في دينه، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وإنما الواجب على العباد اتِّباعُ ما أنزله الله من أمر شريعته وحكمه لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون﴾ [الأعراف: ٣] قال السعدي -رحمه الله- في [«القول السديد» (١٠٢)]: «فإنَّ الربَّ والإله هو الذي له الحكم القدريُّ والحكم الشرعيُّ والحكم الجزائيُّ، وهو الذي يُؤْلَه ويُعْبَد وحده لا شريك له، ويطاع طاعةً مطلقةً فلا يُعصى بحيث تكون الطاعات كلُّها تبعًا لطاعته»، وإذا كان الأمر الكونيُّ القدريُّ أو الشرعيُّ الدينيُّ كلُّه لله تعالى مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وكلاهما من خصائص الربوبية ومقتضياتها؛ فإنَّ حقيقة الرضا بالله ربًّا التي توجب إفرادَ الله تعالى بالخلق والحكم والتشريع، فإنها توجب -لزومًا- إفرادَ الإله بالطاعة لاختصاصه بالإصلاح الدينيِّ والدنيويِّ دون ما سواه. لذلك جعل الله طاعةَ المشرِّعين المحلِّلين للحرام المحرِّمين للحلال شركًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وسمَّى الله المتبوعين في التحليل والتحريم أربابًا لمتَّبعيهم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [التوبة: ٣١]، وفي حديث عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]»، قَالَ: قُلْتَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ» قَالَ: «أَجَلْ، وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ» [أخرجه الترمذي في «تفسير القرآن» باب (١٠) رقم (٣٠٩٥)، والبيهقي في «سننه» (١٠/ ١١٦)، وحسَّنه الألباني في «غاية المرام» (١٩-٢٠)].

وروى البيهقي في «سننه» (١/ ١٦٦) عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: «سُئِلَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]» أَكَانُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ؟ قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ لَهُمْ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَصَارُوا بِذَلِكَ أَرْبَابًا».

فجاء التصريح النبويُّ بأنَّ عبادتهم لم تكن الصلاةَ من الركوع والسجود ولا غيرَها من العبادة بالجوارح، وإنما كانت في دعوتهم من دون الله بالطاعة في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فهذه عبادة الرجال، وقد ذكر الله أنَّ ذلك شركٌ بقوله: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] [انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦٧)]، وقد أفصح ابن حزمٍ -رحمه الله- عن هذا المعنى في «الفصل بين الملل والأهواء والنحل» (٣/ ٢٢٣) بقوله: «فلمَّا كان اليهود والنصارى يحرِّمون ما حرَّم أحبارُهم ورهبانهم ويُحلُّون ما أحلُّوا كانت هذه ربوبيةً صحيحةً وعبادةً صحيحةً قد دانوا بها وسمَّى الله تعالى هذا العملَ اتِّخاذَ أَرْبَابٍ من دون الله وعبادةً، وهذا هو الشرك بلا خلافٍ»، وقال ابن العربي -رحمه الله- في [«أحكام القرآن» (٢/ ٩٢٧)]: «وفيه دليلٌ على أنَّ التحريم والتحليل لله وحده، وهذا مثل قوله: ﴿وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩]، بل يجعلون التحريمَ لغيره».

المحور الثاني: مقام إفراد الله بالحكم من توحيد الألوهية والعبادة:

يتجلَّى مقام الحكم بما أنزل الله ومنزلته في معنى إفراد الله تعالى بالطاعة التي هي أخصُّ العبادة المطلقة، إذ عبادة الله سبحانه تقتضي إفرادَه سبحانه بالتشريع والتحليل والتحريم، ولا ينبغي أن تُصْرَف هذه العبادة ولا غيرها إلاَّ لله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ [يوسف: ٤٠]، لذلك كان قبول الحكم بغير ما أنزل الله من الشرك في الطاعة والاتِّباع، والشرك من خصال الكفر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِين﴾ [آل عمران: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين﴾ [آل عمران: ١٤٩]، ولا فرق بين الشرك بالله في حكمه والشرك به في عبادته، وهذا المعنى يؤكِّده الشنقيطي في «أضواء البيان» (٧/ ١٦٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [الشورى: ١٠] حيث قال: «فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وفي قراءة ابن عامرٍ من السبعة «وَلاَ تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا» بصيغة النهي، وقال في الإشراك به في عبادته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، فالأمران سواءٌ ..، وبذلك تعلم أنَّ الحلال هو ما أحلَّه الله، والحرامَ هو ما حرَّمه الله، والدينَ هو ما شرعه الله، فكلُّ تشريعٍ من غيره باطلٌ، والعمل به بدلَ تشريع الله عند من يعتقد أنه مثلُه أو خيرٌ منه كفرٌ بواحٌ لا نزاع فيه»، وفي موضعٍ آخر من «أضواء البيان» (٤/ ٨٣) أوضح -رحمه الله- -بعد سرد عدَّة آياتٍ قرآنيةٍ- أنَّ حكم من اتَّبع وأطاع غيرَ شرعِ الله في التحليل والتحريم أنه شركٌ بالله في الطاعة والاتِّباع حيث قال: «ويُفهم من هذه الآيات، كقوله: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، أنَّ متَّبعي أحكام المشرِّعين غيرَ ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ: كقوله فيمن اتَّبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فصرَّح بأنهم مشركون بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة واتِّباعِ التشريع المخالف لِما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم﴾ [يس: ٦٠-٦١]، وقوله تعالى عن نبيِّه إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، أي: ما يعبدون إلاَّ شيطانًا، أي: وذلك باتِّباع تشريعه، ولذا سمَّى الله تعالى الذين يطاعون فيما زيَّنوا من المعاصي شركاءَ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُم﴾ [الأنعام: ١٣٧]».

ويدخل في عموم قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١] طاعةُ ولاة الأمور من الحكَّام والرؤساء والأمراء في تغيير أحكام الله وتبديل شريعته بتحليلهم الحرامَ وتحريمِهم الحلالَ كدعوى أنَّ تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصافٍ، الأمر الذي يوجب مساواتَهما فيه، وكدعوى أنَّ تعدُّد الزوجات تعدٍّ على حقِّ الزوجة وشعورها، وطلاقَ المرأة ظلمٌ وتجاوزٌ فيُمنع التعدُّد والطلاق رفعًا للظلم وإحقاقًا للعدل، وكدعوى أنَّ الرجم والقطع والقصاص ونحوها أعمالٌ وحشيةٌ لا يسوغ فعلُها بالجاني بحجَّة مخالفة العقل والطبع، وكمن يبيح الربا والزنا وشُرْبَ الخمر وخروجَ المرأة متبرِّجةً واختلاطَها بالرجال، بل إبطال الأحكام الشرعية التي تصون الأخلاق وتحفظ الأعراض تحت شعار التقدُّم والرقيِّ والتحرُّر تقليدًا للغرب الكافر وجريًا على ما يوافق هواهم، وما أشبه ذلك من تبديل أحكام الله وتغييرها بالقوانين الشيطانية التي عبدوها من دون الله بالعقل والهوى والتقليد والتشبُّه بالكفَّار، فمن أطاعهم فقد اتَّخذهم شركاءَ الله في التشريع والتحليل والتحريم وعبدهم بما شرعوه من أحكامٍ من بنات أفكارهم ولو كانت غيرَ محسوسةٍ.

- كما يدخل في الشرك بالله في الطاعة اتِّباعُ عالمٍ من العلماء فيما أخطأ الحقَّ واتَّبع هواه فحرَّم ما أحلَّ اللهُ وأحلَّ ما حرَّم اللهُ مع علمه به لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، إذ سلطة التشريع من التحريم والتحليل حقٌّ خالصٌ لله تعالى فلا يجوز الاعتداء على حقِّه ومنازعتُه في ربوبيته وحكمه، قال ابن حزمٍ -رحمه الله- في «النبذ» (٢٢): «وصحَّ أنَّ من نفى شيئًا أو أوجبه فإنه لا يُقبل منه إلاَّ ببرهانٍ لأنه لا موجِبَ ولا نافيَ إلاَّ الله تعالى، فلا يجوز الخبر عن الله تعالى إلاَّ بخبرٍ واردٍ من قِبَلِه تعالى إمَّا في القرآن وإمَّا في السنَّة، والإباحة تقتضي مبيحًا والتحريمُ يقتضي محرِّمًا والفرضُ يقتضي فارضًا، ولا مبيحَ ولا محرِّمَ ولا مفترضَ إلاَّ الله تعالى خالقُ الكلِّ ومالكُه لا إله إلاَّ هو». وقال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٧١): «من علم أنَّ هذا خطأٌ فيما جاء به الرسول ثمَّ اتَّبعه على خطئه وعَدَلَ عن قول الرسول فهذا له نصيبٌ من هذا الشرك الذي ذمَّه الله، لا سيَّما إن اتَّبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالفٌ للرسول؛ فهذا شركٌ يستحقُّ صاحبه العقوبةَ عليه، ولهذا اتَّفق العلماء على أنه إذا عرف الحقَّ لا يجوز له تقليد أحدٍ في خلافه». ذلك لأنَّ العالِم ليس له من الطاعة إلاَّ لأنه مبلِّغٌ عن الله دينَه وشرعه، والطاعة المطلقة العامَّة إنما تجب لله ولرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلا يسوغ أن يأخذ المقلِّد أو المتَّبع بقولٍ أو يعتقده لكونه قولَ إمامه، بل لأجل أنَّ ذلك ممَّا أمر الله به ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم.

- كما يدخل في شرك الطاعة دخولاً أوَّليًّا اتِّخاذُ تشريعات أهل الأهواء والباطل من الخرافيين والمتصوِّفة والشيعة دينًا مُلزمًا يطاعون في ضلالاتهم وأباطيلهم كالتوسُّل بالأموات ودعائهم دون الله ومختلف أعمال الجاهلية، فإنَّ هذا التشريع لم يأذن به الله تعالى.

هذا، وحكم من كان عالمًا بأن المشرِّعين المحلِّين للحرام والمحرِّمين للحلال قد غيَّروا شرعَ الله وبدَّلوا دينَه فاتَّبعهم على التبديل واعتقد اعتقادهم وأطاعهم مع علمه أنه خلافُ دين الإسلام فهذا شركٌ أكبر، أمَّا إذا كان اعتقاده ثابتًا بالتحريم والتحليل، مع ذلك أطاعهم فإنَّ حكمه حكمُ صاحب المعاصي، أمَّا إذا كانت طاعتُه لهم بدوافع الهوى فقد وقع صاحبُه في الشرك الأصغر، وهذه الصور المختلفة للحكم في المسألة قد فصَّل فيها ابن تيمية -رحمه الله- تفصيلاً ماتعًا حيث قال في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٧٠): «وهؤلاء الذين اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانهم أربابًا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم اللهُ وتحريم ما أحلَّ الله يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدَّلوا دينَ الله فيتَّبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليلَ ما حرَّم الله وتحريمَ ما أحلَّ الله اتِّباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دينَ الرسل فهذا كفرٌ وقد جعله الله ورسوله شركًا - وإن لم يكونوا يصلُّون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتَّبع غيرَه في خلاف الدين -مع علمه أنه خلافُ الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله- مشركًا مثل هؤلاء.

والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا لكنَّهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ، فهؤلاء لهم حكمُ أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في «الصحيح» عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» .....

ثمَّ ذلك المحرِّم للحلال والمحلِّل للحرام إن كان مجتهدًا قصدُه اتِّباعُ الرسول لكن خَفِيَ عليه الحقُّ في نفس الأمر وقد اتَّقى اللهَ ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربَّه. ولكن من علم أنَّ هذا خطأٌ فيما جاء به الرسول ثمَّ اتَّبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيبٌ من هذا الشرك الذي ذمَّه الله لا سيَّما إن اتَّبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالفٌ للرسول، فهذا شركٌ يستحقُّ صاحبه العقوبةَ عليه»، ثمَّ تابع كلامَه -رحمه الله- فقال: «وأمَّا إن قلَّد شخصًا دون نظيره بمجرَّد هواه ونصره بيده ولسانه من غير علمٍ أنَّ معه الحقَّ فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عملُه صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا، كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ وإن أخطأ فليتبوَّأ مقعده من النار، وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدَّم فيه الوعيد ومن جنس عبدِ الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإنَّ ذلك لمَّا أحبَّ المالَ حبًّا منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبدًا له، وكذلك هؤلاء، فيكون فيه شركٌ أصغر ولهم من الوعيد بحسب ذلك».

المحور الثالث: مقام إفراد الله بالحكم من توحيد الاتِّباع:

والمراد بهذا المقام تحقيق متابعة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، قال ابن أبي العزِّ -رحمه الله- في «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٢٢٨) مفصحًا عن هذا التوحيد بقوله: «فالواجب كمال التسليم للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، والانقياد لأمره، وتلقِّي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يعارضه بخيالٍ باطلٍ يسمِّيه معقولاً، أو يحمله شبهةً أو شكًّا، أو يقدِّم عليه آراءَ الرجال وزبالةَ أذهانهم، فيوحِّده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحَّد المرسلَ بالعبادة والخضوع والذلِّ والإنابة والتوكُّل.

فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلاَّ بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذَ أمره وتصديقَ خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظِّمه، فإن أذنوا له نفَّذه وقَبِلَ خبرَه، وإلاَّ فإن طلب السلامةَ فوَّضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلاَّ حرَّفه عن مواضعه وسمَّى تحريفَه تأويلاً وحملاً».

وتوحيد الاتِّباع هو معنى شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله، أي: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلاَّ بما شرع، وأن يعظِّم أمْرَه ونهيه فلا يقدِّم عليه قولَ أحدٍ كائنًا من كان، فكان تحكيم شرع الله تعالى وحده محتوًى في هذا المعنى، ذلك لأنَّ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو المعبودَ وحده دون ما سواه وأن يكون الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم هو المتَّبَع المحكَّم ما جاء به، إذ لا طريق لمعرفة شرعِ الله إلاَّ طريق النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لذلك أقسم الله تعالى بذاته المقدَّسة أنه لا يؤمن أحدٌ حتى يحكِّم الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم في جميع ما شجر بينهم من أمور الدين والدنيا، فما حكم به فهو الحقُّ الذي يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا دون أن يبقى أيُّ حرجٍ من حكمه مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وفي مَعْرِض شرح هذه الآية قال ابن القيِّم في «التبيان في أقسام القرآن» (٢٧٠): «أقسم سبحانه بنفسه المقدَّسة قسمًا مؤكَّدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكِّموا رسولَه في كلِّ ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يُثْبِت لهم الإيمانَ بمجرَّد هذا التحكيم حتى ينتفيَ عنهم الحرج وهو ضيقُ الصدر وتنشرحَ صدورُهم لحكمه كلَّ الانشراح وتنفسح له كلَّ الانفساح وتقبلَه كلَّ القبول، ولم يثبت لهم الإيمانَ بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلةُ حكمه بالرضى والتسليم وعدمُ المنازعة وانتفاءُ المعارضة والاعتراض». وقال -رحمه الله- أيضًا في «إعلام الموقِّعين» (١/ ٥١): «ثمَّ أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكِّموا رسولَه في كلِّ ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتفِ في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرَّده حتى ينتفيَ عن صدورهم الحرجُ والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتفِ منهم أيضًا بذلك حتى يسلِّموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمنٍ أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخيَّر بعد ذلك فقد ضلَّ ضلالاً مبينًا».

المحور الرابع: مقام إفراد الله بالحكم من الإيمان:

المراد بهذا المقام أنَّ تحكيم شرع الله تعالى من الإيمان ويدلُّ عليه ما تقدَّم من قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ..﴾ [النساء: ٦٥]، قال ابن حزمٍ في «الدرَّة فيما يجب اعتقاده» (٣٣٨): «فسمَّى الله تعالى تحكيمَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إيمانًا، وأخبر الله تعالى أنه لا إيمان إلاَّ ذلك، مع أنه لا يوجد في الصدر حرجٌ ممَّا قضى، فصحَّ يقينًا أنَّ الإيمان عملٌ وعقدٌ وقولٌ، لأنَّ التحكيم عملٌ، ولا يكون إلاَّ مع القول، ومع عدم الحرج في الصدر وهو عقدٌ». ذلك لأنَّ الإيمان يتضمَّن معنًى زائدًا على مجرَّد التصديق، فهو الإقرار المستلزم لقبول الأخبار والانقياد للأحكام والإذعان لها، وعليه فكما على الخلق تصديقُ الرسل فيما أخبروا، فإنَّ عليهم طاعتَهم فيما أمروا، إذ الإقرار يتضمَّن قولَ القلب وهو التصديق وعملَ القلب الذي هو الانقياد والإذعان، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤].

فكان في تحكيم الشريعة إذعانٌ وانقيادٌ وخضوعٌ لدين الله تعالى، وعدمُ تحكيمها إباءٌ وردٌّ وامتناعٌ، وممَّا تقدَّم يتجلَّى واضحًا أنَّ تحكيم شرع الله تعالى والعملَ بنصوص الوحيين عند التنازع والخصومات شرطٌ في الإيمان، والتحاكمَ إلى غير شرع الله ينافي الإيمانَ، بل هو من علامات النفاق، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٥٩-٦٢]. قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في «تفسيره»: (١/ ٥١٨): «فما حكم بِهِ الكتاب والسنَّة وشهدا له بالصحَّة فهو الحقُّ، وماذا بعد الحقِّ إلاَّ الضلال؟ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ أي: ردُّوا الخصوماتِ والجهالاتِ إلى كتاب الله وسنَّة رسوله فتَحاكَموا إليهما فيما شجر بينكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ فدلَّ على أنَّ من لم يتحاكم في محلِّ النزاع إلى الكتاب والسنَّة ولا يرجعْ إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر». وفي نفس السياق من تقرير أنَّ التحاكم إلى شرع الله شرطٌ في الإيمان ما أفصح عنه ابن القيِّم -رحمه الله- في «إعلام الموقِّعين» (١/ ٤٩) بقوله: «والمقصود أنَّ أهل الإيمان لا يُخرجهم تنازُعُهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان إذا ردُّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما شرطه الله عليهم بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾، ولا ريب أنَّ الحكم المعلَّق على شرطٍ ينتفي عند انتفائه. ومنها: أنَّ قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: ٥٩] نكرةٌ في سياق الشرط تعمُّ كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دِقَّه وجِلَّه، جليَّه وخفيَّه، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا لم يأمر بالردِّ إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالردِّ عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصلُ النزاع... ومنها: أنه جعل هذا الردَّ من موجِبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الردُّ انتفى الإيمان؛ ضرورةَ انتفاء الملزوم لانتفاء لازِمه، ولا سيَّما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكلٌّ منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثمَّ أخبرهم أنَّ هذا الردَّ خيرٌ لهم، وأنَّ عاقبته أحسن عاقبةٍ، ثمَّ أخبر سبحانه أنَّ من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكَّم الطاغوتَ وتحاكم إليه، والطاغوت: كلُّ ما تجاوز به العبد حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ؛ فطاغوت كلِّ قومٍ مَن يتحاكمون إليه غيرَ الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرةٍ من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعةٌ لله».

فالحاصل: أنَّ الإيمان يقتضي الانقياد والإذعان لشرع الله وتحكيمَه في كلِّ أمور الدين والدنيا، فمن ادَّعى أنه مؤمنٌ واختار تحكيمَ غيرِ شرع الله ورسوله فهو كاذبٌ في ذلك.

(٢) جزءٌ من الآية (٥٤) من سورة الأعراف.

(٣) جزءٌ من الآية (٤٠) من سورة يوسف وتمامها: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾، والآية (٦٧) من سورة يوسف أيضًا وتمامها ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وجزءٌ من الآية (٥٠) من سورة الأنعام وتمامها: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.

وقد استدلَّ بالآيات على مقام الحكم بما أنزل الله من ربوبيته وألوهيته، فكما أنه لا حُكم إلاَّ حكمُه في ملكوته فيجب أن لا يكون الحكم إلاَّ حكمَه في الفصل بين الخصومات والنزاعات -كما تقدَّم- فلله تعالى الحكم القدريُّ والجزائيُّ، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ الله تعالى من أسمائه «الحَكَمُ»، ومن موجبات الإيمان بالاسم التحاكمُ إلى شرعه وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِين﴾ [التين: ٨]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [الشورى: ١٠].

(٤) جزءٌ من الآية (١١٦) من سورة النحل.

قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في مَعْرِض شرح هذه الآية في «تفسيره» (٢/ ٥٨٩-٥٩٠): «ثمَّ نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين، الذين حلَّلوا وحرَّموا بمجرَّد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وغير ذلك ممَّا كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾، ويدخل في هذا كلُّ من ابتدع بدعةً ليس له فيها مستندٌ شرعيٌّ، أو حلَّل شيئًا ممَّا حرَّم الله، أو حرَّم شيئًا ممَّا أباح الله، بمجرَّد رأيه وتشهِّيه»

(٥) الآية (٨٧) من سورة المائدة.

وفي الآية دليلٌ على نهي الله تعالى المؤمنين أن يحرِّموا على أنفسهم من الطيِّبات والمستلذَّات التي تشتهيها النفوس، إمَّا لظنِّهم أنَّ تركها طاعةٌ لله تعالى وتقرُّبًا إليه فيزهدون في الدنيا ويترفَّعون عن ملذَّاتها كما يفعله القسِّيسون والرهبان، أو ما يفعله كثيرٌ من العوامِّ بما يقصدونه من تحريمٍ على أنفسهم ما أحلَّ الله لهم من طيِّبات المطاعم والملابس والمناكح مستعملين ألفاظ التحريم الداخلة تحت النهي القرآنيِّ مثل: «حرامٌ عليَّ»، و«حرَّمته على نفسي»، ونحو ذلك، وعُدَّ ذلك اعتداءً على الله فنهاهم عن التشديد على أنفسهم بتحريم الحلال، وعن الترخيص لأنفسهم بتحليل الحرام لِما في ذلك من مجاوزةٍ لِما شرعه الله في كلِّ أمور الدنيا والدين، قال ابن جريرٍ الطبريُّ -رحمه الله- في «جامع البيان» (٧/ ١٢): «وليس لأحدٍ أن يتعدَّى حدَّ الله تعالى في شيءٍ من الأشياء ممَّا أحلَّ أو حرَّم، فمن تعدَّاه فهو داخلٌ في جملةِ مَن قال تعالى ذكرُه فيه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾»، ويؤكِّده قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].

(٦) الآية (١٤٠) من سورة الأنعام.

وفي هذه الآية بيان هلاك المفترين على ربِّهم الكذبَ، الذين زيَّن لهم شركاؤهم قَتْلَ بناتهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه سفهًا وطيشًا لا لحجَّةٍ شرعيةٍ ولا عقليةٍ، وحرَّموا على أنفسهم ما رزقهم الله تعالى من الطيِّبات والأنعام التي سمَّوْها بحائرَ وسوائب جهلاً منهم وقلَّةَ فهمٍ بعاجل ضرِّه وآجل مكروهه، فشرعوا هذه المنكرات افتراءً على الله بالتكذيب والتخرُّص عليه بالباطل، تاركين محجَّةَ الحقِّ بهذه الأفعال المَقيتة فانحرفوا عن سواء السبيل وما كانوا إلى الحقِّ مهتدين ولا إلى الصواب موفَّقين. [انظر «جامع البيان» للطبري (٨/ ٥١)، و«فتح القدير» للشوكاني (٢/ ١٦٧)].

(٧) جزءٌ من الآية (٢١) من سورة الشورى.

قال ابنُ كثيرٍ -رحمه الله- في «تفسيره» (٤/ ١١١) في مَعْرِض شرح هذه الآية: «أي: هم لا يتَّبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتَّبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجنِّ والإنس من تحريم ما حرَّموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة».

ومنه يظهر أنَّ من نصب نفسه مشرِّعًا، سواءٌ كان شخصًا طبيعيًّا أو معنويًّا فقد أوقع نفسه في الشرك بالله في ربوبيته في صفة الحكم والتشريع بإثباتهما لغير الله تعالى، لذلك سمَّى الله الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاءَ، فالتشريع خالصٌ لله وحده ولا ينازعه فيه غيره.

وكلُّ من أطاع غيرَ الله في تشريعٍ مخالفٍ لِما شرعه فقد وقع في شرك الطاعة والاتِّباع لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] فسمَّاهم شركاءَ لمَّا أطاعوهم في قتل أولادهم، قال الشنقيطي -رحمه الله- في «أضواء البيان» (٧/ ١٧٣): «وممَّا يزيد ذلك إيضاحًا أنَّ ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة مِن أنه يقول للذين كانوا يشركون به في دار الدنيا: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، أنَّ ذلك الإشراك المذكور ليس فيه شيءٌ زائد على أنه دعاهم إلى طاعته فاستجابوا له كما صرَّح بذلك في قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]».

(٨) جزءٌ من الآية (١٠) من سورة الشورى. وقد تقدَّم معناه في مقام إفراد الله بالحكم من توحيد الألوهية والعبادة.

(٩) الآية (٥٩) من سورة النساء وقد تقدَّم الكلام في معنى الآية في مقام إفراد الله تعالى بالحكم ومنزلته من الإيمان، فالحاصل أنه يجب توحيد الله في شرعه فيعتقد لمسلم أنْ لا مشرِّع ولا حاكم ولا محلِّل ولا محرِّم إلاَّ الله تعالى وأنَّ ما حكم به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم هو حكم الله تعالى لأنه وحيٌ يوحى، وما حرَّمه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فالله حرَّمه، وما أحلَّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فالله أحلَّه لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» [أخرجه أحمد في «مسنده» (٤/ ١٣٠-١٣١) وأبو داود في «السنَّة» (٥/ ١٠) باب لزوم السنَّة، من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٣/ ١١٧) برقم (٤٦٠٤)] ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُول اللهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللهُ» [أخرجه الترمذي في «العلم» (٥/ ٣٨) باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وابن ماجه في «المقدِّمة» (١/ ٦) باب تعظيم حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والتغليظ على من عارضه، والدارمي في «سننه» (١/ ١٤٤) باب: السنَّة قاضيةٌ على كتاب الله، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٠٩) من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني (انظر «صحيح ابن ماجه» (١/ ٢١))] لذلك يجب طاعته فيما قضى به وحكم مع كمال التسليم له والانقياد لأمره لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠].

والحكم بشرع الله تعالى من الإيمان -كما تقدَّم- وقد ينتفي الإيمان عمَّن نازع اللهَ في تشريعه وربوبيته، ونواقض الإيمان فيه على وجوهٍ وصورٍ متعدِّدةٍ منها أن يشرع شيئًا لم يأت به الله ولا رسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم، أو يبدِّل الشرعَ المجمع عليه أو يجحد حكم الله بالاعتراض عليه أو يرضى بشريعةٍ غير شريعة الله، سواءٌ كانت مجلوبةً من الشرق أو الغرب أو يفضِّلَ حكمها على حكم الله تعالى، أو يساويَ بينهما ويعتقد التماثل بينهما، أو يعتقد أنَّ حكم الله غير واجبٍ فيجوِّز الحكم بما يخالف حُكْمَ الله تعالى، ومن يأبى تحكيمَ شرع الله ويمتنعُ من قبوله أو التحاكم إليه وغيرها من حالات الحكم بغير ما أنزل الله، والعدول عن شريعة الله كلِّيًّا أو جزئيًّا.

وطاعة المبدِّلين المغيِّرين لشرع الله مع حصول العلم بمخالفتهم لدين الرسل يكون شركًا بالله في الطاعة يدخلون في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]، وإذا كان الأحبار والرهبان الذي شرعوا غيرَ تشريع الله مشركين لأنهم نازعوا اللهَ تعالى في ربوبيته وبدَّلوا دينَ الله وشرعه فإنَّ طاعة المشرِّعين غيرَ ما شرعه الله ومتابعةَ أحكامهم يُعَدُّ شركًا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].