التصفيف الخامس والأربعون: الإيمان بكُتُبِ الله تعالى (٣) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 30 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 18 ديسمبر 2017 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف الخامس والأربعون: الإيمان بكُتُبِ الله تعالى (٣)»

[الفصل ٦٥: القرآن هو الهداية العامَّة للبشر](١)

نُؤْمِنُ بِأَنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى(٢) هِدَايَةً عَامَّةً لِجَمِيعِ(٣) البَشَرِ لِمَا فِيهِ سَعَادَتُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالأُخْرَوِيَّةُ؛ بِتَنْوِيرِ العُقُولِ، وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَتَقْوِيمِ الأَعْمَالِ، وَإِصْلَاحِ الأَحْوَالِ، وَتَنْظِيمِ الاِجْتِمَاعِ(٤) البَشَرِيِّ عَلَى(٥) أَكْمَلِ نِظَامٍ، [وَكُلُّ مَنْ](٦) خَالَفَهُ فَهُوَ ضَالٌّ(٧)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ[إبراهيم: ١]، وَلِقَوْلِهِ(٨):﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧[الأعراف]، وَلِقَوْلِهِ(٨): ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ(٩)[الإسراء: ٨٢]، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ(١٠) تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١١).



(١) «م.ر.أ»: بزيادةِ عنوانٍ فرعيٍّ: «القرآن هدايةٌ»، وفي «م.ر.ب» بزيادةِ: «وظيفةُ القرآن».

(٢) «م.ف»: بزيادةِ: «إلى» بعدها، ولعلَّه خطأٌ مطبعيٌّ.

(٣) «م.ر.ش»: «جَمِيعَ».

(٤) «م.ف»: «المُجْتَمَعِ».

(٥) «م.ف»: «إِلَى».

(٦) «م.ر»: «وَأَنَّ كُلَّ مَا».

(٧) أراد المصنِّف رحمه الله ـ مِنْ خلالِ هذا الفصل ـ بيانَ ما في القرآنِ الكريم مِنَ الهدى والرحمةِ والموعظة والتذكيرِ والشفاء وعمومِ الخير للعالَمِين جميعًا، بحيث لا يجد مُبْتغي الحقِّ أمامَه سوى القرآنِ الكريم لإدراكِ الحقائقِ العلمية المُثْبَتةِ فيه، والوصولِ إلى التعاليم الإلهية الصحيحةِ بما حَوَى مِنْ أصول التشريع وقواعدِه، والوقوفِ على أسراره وعجائبه؛ فهو الكتابُ العزيز والقرآنُ المَجيدُ الذي حُفِظَتْ أصولُه وسَلِمَتْ تعاليمُه، واشتمل على ما لم تَشْتَمِلْ عليه كُتُبُ المتقدِّمين مِنَ العلم العظيم والحقِّ المُبين واليقينِ المُوصِلِ إلى كُلِّ خيرٍ، والهدى المُبيِّنِ للحقِّ مِنَ الباطل، والصحيحِ مِنَ الضعيف؛ فهو الهدى المُرْشِدُ للطُّرُقِ النافعةِ للعباد في دُنْيَاهم وأُخْرَاهُم لتحقيقِ سعادة الدارين؛ قال تعالى: ﴿الٓمٓ ١ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢[البقرة].

ويجدر التنبيه إلى أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ ذَكَر أنَّ الله أَنْزَل القرآنَ هدايةً عامَّةً لجميع البشر، ثمَّ أعقب ذلك بقوله: «وكُلُّ مَنْ خالفه فهو ضالٌّ»، ولعلَّه يُفْهَم مِنْ ذِكْرِ خصوص المخالِفِ الضالِّ عدمُ شمولِ الهداية له تحديدًا على وجه التعيين أو شمولُهَا له ابتداءً لا انتهاءً، أي: خروجه منها بسببِ مخالفته، وهو الأقرب إلى مذهب المصنِّف.

والذي يظهر لي صحيحًا أنَّ القرآن العظيم هدًى ورحمةٌ وموعظةٌ وتذكيرٌ للناس أجمعين، غير أنَّ المُخالِف الضالَّ لم تنتفِ عنه الهدايةُ كُلِّيًّا، وإنما حَصَل على هدايةٍ ناقصةٍ غيرِ نافعةٍ، وهي هدايةُ بيانٍ لا توفيقٍ؛ لعدمِ توفيقه للعمل بمُقتضاها؛ وفي هذا المعنى قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٢٩)]: «﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾: لأنه ـ في نَفْسِه ـ هدًى لجميعِ الخَلْق: فالأشقياءُ لم يرفعوا به رأسًا، ولم يقبلوا هُدَى الله؛ فقامَتْ عليهم به الحجَّةُ، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأمَّا المُتَّقون الذين أَتَوْا بالسبب الأكبر لحصول الهداية ـ وهو التقوى التي حقيقتُها: اتِّخاذُ ما يَقِي سَخَطَ اللهِ وعذابَه، بامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ النواهي ـ فاهتدَوْا به، وانتفعوا غايةَ الانتفاع؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا[الأنفال: ٢٩]؛ فالمُتَّقون هُمُ المُنْتَفِعون بالآيات القرآنية والآياتِ الكونية؛ ولأنَّ الهداية نوعان: هدايةُ البيانِ وهدايةُ التوفيقِ؛ فالمُتَّقون حَصَلَتْ لهم الهدايتان، وغيرُهم لم تحصل لهم هدايةُ التوفيق، وهدايةُ البيانِ بدون توفيقٍ للعمل بها ليسَتْ هدايةً حقيقيةً تامَّةً».

ـ والقرآن الكريم هو الحافلُ بجميعِ ما يحتاج إليه البشرُ، والمُبيِّنُ لكُلِّ شيءٍ تتوقَّفُ عليه سعادتُهم الدنيويةُ والأخرويةُ مِنْ حيث العقائدُ والعبادات والأخلاق والآداب والمُعامَلاتُ؛ وهو البشرى للمسلمين بخيرِ الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩[النحل]. قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٢/ ٥٨٢)]: «.. فإنَّ القرآن اشتمل على كُلِّ علمٍ نافعٍ مِنْ خبرِ ما سَبَقَ وعِلْمِ ما سيأتي، وكُلِّ حلالٍ وكُلِّ حرامٍ، وما الناسُ إليه محتاجون في أمرِ دنياهم ودينِهم ومَعاشِهم ومَعادِهم».

ـ والقرآن الكريم هو الجامع لأَسْمَى المبادئ وأَقْوَمِ المَناهِجِ وخيرِ النُّظُم، وهو خيرُ كفيلٍ بتكوين الفرد الكامل، وإعدادِ الأسرة الفاضلة، وإيجادِ المجتمع الصالح، والوسيلةُ الناجعةُ لإقامةِ الحقِّ والعدل، وإبعادِ الظلم، وصدِّ العدوان، ودفعِ الضلال والشقاء؛ قال تعالى: ﴿ الٓمٓ ١ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ٢ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ ٣[لقمان]، قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٧٥٨)]: «آياتُه مُحْكَمَةٌ، صدرَتْ مِنْ حكيمٍ خبيرٍ.

مِنْ إحكامها: أنها جاءَتْ بأَجَلِّ الألفاظ وأَفْصَحِها وأَبْيَنِها، الدالَّةِ على أجَلِّ المعاني وأَحْسَنِها.

ومِنْ إحكامها: أنها محفوظةٌ مِنَ التغيير والتبديل، والزيادةِ والنقص، والتحريف.

ومِنْ إحكامها: أنَّ جميعَ ما فيها مِنَ الأخبار السابقةِ واللاحقة، والأمورِ الغيبيةِ كُلِّها، مُطابِقةٌ للواقع، مُطابِقٌ لها الواقعُ، لم يخالفها كتابٌ مِنَ الكُتُبِ الإلهية، ولم يُخْبِرْ بخلافِها نبيٌّ مِنَ الأنبياء، ولم يأتِ ولن يأتيَ علمٌ محسوسٌ ولا معقولٌ صحيحٌ يُناقِضُ ما دلَّتْ عليه.

ومِنْ إحكامها: أنها ما أَمَرَتْ بشيءٍ إلَّا وهو خالصُ المصلحةِ أو راجِحُها، ولا نَهَتْ عن شيءٍ إلَّا وهو خالصُ المفسدةِ أو راجِحُها، وكثيرًا ما يجمع بين الأمرِ بالشيء مع ذِكْرِ حكمتِه وفائدتِه، والنهيِ عن الشيء مع ذِكْرِ مَضَرَّتِه.

ومِنْ إحكامها: أنها جمعَتْ بين الترغيب والترهيب، والوعظِ البليغ الذي تعتدل به النفوسُ الخيِّرةُ وتحتكم، فتعملُ بالحزم.

ومِنْ إحكامها: أنك تجد آياتِه المتكرِّرةَ ـ كالقَصص والأحكام ونحوِها ـ قد اتَّفقَتْ كُلُّها وتَواطأَتْ، فليس فيها تَناقُضٌ ولا اختلافٌ؛ فكُلَّما ازداد بها البصيرُ تدبُّرًا، وأَعْمَلَ فيها العقلَ تفكُّرًا؛ انبهر عَقْلُه وذَهِلَ لُبُّه مِنَ التوافق والتواطؤ، وجَزَمَ جزمًا لا يُمترى فيه: أنه تنزيلٌ مِنْ حكيمٍ حميدٍ.

ولكِنْ ـ مع أنه حكيمٌ: يدعو إلى كُلِّ خُلُقٍ كريمٍ، وينهى عن كُلِّ خُلُقٍ لئيمٍ ـ أَكْثَرُ الناسِ محرومون الاهتداءَ به، مُعْرِضون عن الإيمانِ والعمل به، إلَّا مَنْ وفَّقَهُ اللهُ تعالى وعَصَمَه، وهُمُ المُحْسِنون في عبادةِ ربِّهم والمُحْسِنون إلى الخَلْق».

ـ والقرآن الكريم هو العلم اليقينيُّ والنورُ الكاشفُ لجميعِ الظلمات القلبية، والمُزيلُ لجميعِ الشُّبَهِ والجهالات النفسية، والمبيِّنُ للحقائق والأسرار الكونية، وقد جَعَلَ اللهُ اتِّباعَ القرآن ـ وهُوَ النورُ المنزَّل الذي جاءَ به نَبِيُّنا محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم مبلِّغًا إلى الناسِ ـ سببَ فلاحِهم وسعادتِهم في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤[النساء]، وقال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ[إبراهيم: ١]، وقال تعالى: ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧[الأعراف].

ـ والقرآن الكريم هو الشفاءُ والرحمةُ لجميعِ الأمراض الحسِّيَّةِ والمعنوية: فهو شفاءٌ لأمراضِ الأبدان وأعراضِ الأجسام وأدوائها، وشفاءٌ لأمراض القلوب والنفوسِ والعقول؛ فهو شفاءٌ مِنَ الكفر والشرك، والحيرةِ والخوف، والقلقِ والاضطراب، والكِبْرِ والحسد، والعجزِ والكسل، والظلمِ والجَوْر، والبخلِ والشُّحِّ؛ فهو شفاءٌ بالتذكير والموعظة الداعيةِ إلى اكتسابِ كُلِّ فضيلةٍ، والزاجرةِ عن كُلِّ رذيلةٍ؛ قال تعالى: ﴿قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ[يونس: ٥٧]، وهذا الشفاء خاصٌّ بالمؤمنين بالقرآن، المصدِّقين بآياته، العالِمِين والعامِلين به، أمَّا الظالمون الجاحدون به فإنَّ الحجَّة تقوم عليهم به ولا تزيدهم آياتُه إلَّا خسارةً؛ قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢[الإسراء].

ـ والقرآن الكريم هو الذِّكْرُ الإلهيُّ، جليلُ النعمةِ عظيمُ القَدْرِ كريمُ الوصفِ، به تَحْيَا قلوبُ العباد، وتَطيبُ أرواحُهم بتلاوته، وتزكو نفوسُهم بالعمل به؛ فهو المذكِّر لهم بكُلِّ ما يحتاجون إليه مِنَ العلم بأسماء الله وصِفاتِه وأفعالِه، وبأصولِ دِينهم وفروعِه، وبأخبارِ المَعاد والجزاء؛ فهو يُذكِّرُهم بما فيه الخيرُ الدنيويُّ والأخرويُّ ويحثُّهم عليه، ويذكِّرُهم بالشرِّ ويُرهِّبُهم منه؛ قال تعالى: ﴿صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ ١[ص]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡ‍َٔلُونَ ٤٤[الزخرف].

ـ والقرآن الكريم هو الروحُ التي تَتوقَّفُ عليها حياةُ البشر في مَنافِعِهم الدينيةِ ومَصالِحِهم الدنيوية، وإذا كان الجسدُ لا يَحْيَا بدونِ روحٍ فكذلك حالُ الناس؛ فإنهم أمواتٌ إِنْ لم تَسْرِ فيهم الروحُ القرآنية؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢[الشورى]، قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٨٩٧)]: «.. هذا القرآن الكريم سمَّاهُ: «روحًا» لأنَّ الروح يَحْيَا به الجسدُ، والقرآن تَحْيَا به القلوبُ والأرواح، وتَحْيَا به مَصالِحُ الدنيا والدين؛ لِمَا فيه مِنَ الخير الكثير والعلم الغزير، وهو محضُ مِنَّةِ الله على رسوله وعِبادِهِ المؤمنين، مِنْ غيرِ سببٍ منهم؛ ولهذا قال: ﴿مَا كُنتَ تَدۡرِي﴾ أي: قبل نزوله عليك، ﴿مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ﴾ أي: ليس عندك علمٌ بأخبار الكُتُب السابقة، ولا إيمانٌ وعملٌ بالشرائع الإلهية، بل كُنْتَ أُمِّيًّا لا تخطُّ ولا تقرأ، فجاءك هذا الكتابُ الذي ﴿جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَا﴾: يستضيئون به في ظلمات الكفر والبِدَع والأهواءِ المُرْدِيَة، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم.

﴿وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي: تُبيِّنُه لهم وتوضِّحُه وتُنيرُه، وتُرغِّبُهم فيه، وتَنْهاهم عن ضدِّه وتُرهِّبُهم منه».

(٨) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٩) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.أ».

(١٠) «م.ف»: «لَمْ»، وهي روايةُ ابنِ ماجه أخرجها في «سننه» (٢/ ١٠٢٥).

(١١) أخرجها مسلمٌ في «الحجِّ» (٨/ ١٨٤) بابُ حجَّةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، مِنْ حديثِ جابر ابنِ عبد الله رضي الله عنهما. وأخرجه ـ أيضًا ـ أبو داود في «المناسك» (٢/ ٤٦٢) بابُ صفةِ حجَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وابنُ ماجه في «المناسك» (٢/ ١٠٢٥) بابُ حجَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والبيهقيُّ في «سننه» (٥/ ٧)، وابنُ جارودٍ في «المنتقى» (١٩٢).

قال المباركفوريُّ ـ رحمه الله ـ في [«مرعاة المفاتيح» (٩/ ٢٥)]: «.. أي: هو كتابُ اللهِ، ولم يذكر السنَّةَ مع أنَّ بعضَ الأحكامِ يُستفادُ منها لاندراجها تحته؛ فإنَّ الكتاب هو المُبيِّنُ للكُلِّ: بعضها بلا واسطةٍ وبعضها بواسطةٍ؛ قال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ[النحل: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ[النحل: ٤٤]، كذا في «شرح المواهب»، وقال القاري: إنما اقتصر على الكتاب لأنه مُشْتمِلٌ على العمل بالسنَّة لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ[النساء: ٥٩، وغيرها]، وقولِه: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ[الحشر: ٧]؛ فيَلْزَمُ مِنَ العمل بالكتاب العملُ بالسنَّة، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ الأصل الأصيلَ هو الكتابُ».