«التصفيف الثامن والأربعون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام ـ ٢ ـ» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 12 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 19 ديسمبر 2018 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بنِ باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف الثامن والأربعون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام ـ ٢ ـ»

 [الفصل الثَّامنُ والسِّتُّون: الرُّسُلُ حجَّةُ الله](١)

[وَالرُّسُلُ هُمْ](٢) حُجَّةُ اللهِ وَشُهُودُهُ، أَنْبَأَهُمُ اللهُ بِوَحْيِهِ، وَأَرْسَلَهُمْ لِتَبْلِيغِهِ لِخَلْقِهِ؛ لِيُعَرِّفُوهُمْ بِـهِ وَبِشَرْعِهِ، وَيُنَبِّهُوهُمْ إِلَى آيَاتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ بِإِنْعَامَاتِهِ، وَيُبَشِّرُوهُمْ بِالسَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ إِذَا اتَّبَعُوهُمْ، وَيُخَوِّفُوهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ وَالهَلَاكِ إِذَا خَالَفُوهُمْ؛ فَقَامَتْ بِهِمْ ـ لَمَّا بَلَّغُوا الرِّسَالَةَ وَأَدَّوُا الأَمَانَةَ ـ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَانُوا ـ وَهُمُ العُدُولُ الأُمَنَاءُ الصَّادِقُونَ ـ شُهَدَاءَهُ(٣) عَلَيْهِمْ يَوْمَ لِقَائِهِ(٤)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣ وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤ رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥[النساء](٥)، [وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى](٦): ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۢ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١[النسـاء]، [وَلِقَوْلِهِ(٧): ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم(٨) مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ *وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ*(٩)[النحل: ٨٩]](١٠).



(١) «م.ر»: «الرُّسُلُ حُجَّةٌ».

(٢) «م.ف»: «وَالرُّسُلُ»، «م.ر»: «هُمْ».

(٣) «م.ر.ش»: «شُهَدَاءَ».

(٤) «م.ف»: «القِيَامَةِ».

بيَّن المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ فيما تَقدَّمَ اختصاصَ النبوَّةِ والرسالةِ لمَنْ أهَّلهُ اللهُ لها مِنْ عبادِه المتَّصِفين بصفات الفضائل والكمالات التي فَطَرَهم عليها، وعَصَمهم مِنَ الكُدُورات والرذائل والنقائص والرُّعونات والشهوات ومُتَعِ الحياة، وأَبْعَدَهم عن الضلال والانحراف والفساد، وقد خصَّ اللهُ تعالى أنبياءَه ورُسُلَه بهذه المزايا والفضائل؛ ليتمكَّنوا مِنَ الاضطلاع بأعباء الرسالة ويَقْوَوْا على ما تحويهِ مَهَمَّتُهم الربَّانيةُ مِنْ تبليغ الحقِّ والدعوةِ إلى الله ووعظِ العباد بآيات الترغيب والترهيب وإقامةِ الحجَّة عليهم ونحوِ ذلك مِنْ جهةٍ، وليكونوا ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ مثالًا يُقْتدى به في أمور الدِّين والدنيا؛ فلو انتفَتْ عن الرُّسُل والأنبياء هذه الخصائصُ الروحية والعقلية بأَنْ ضَعُفَتْ عقولُهُم أو انحطَّتْ فِطَرُهم لَمَا كانوا أهلًا لحَمْلِ هداية الله إلى الناس ـ كما سيأتي ـ؛ فكان المؤهَّلُ المختارُ الذي اصطفاهُ اللهُ مِنْ سائر خَلْقِه لحملِ رسالة الله إلى عباده يتَّصِفُ بالصدق باطنًا وظاهرًا في القصد والقول والعمل، كما يتَّصِفُ بالأمانة في كُلِّ أحوالها ومجالاتها القولية والعملية: كتبليغ كُلِّ ما أَمَرَ اللهُ تعالى به أَنْ يُبلَّغَ عنه مِنْ غيرِ كتمانٍ بحالٍ مِنَ الأحوال، ودعوةِ الناس بالوحي الإلهيِّ في السرِّ والعلن، وتأديةِ الأمانة في الحكم والقضاء ونحوِ ذلك دون خيانةٍ ولا إهمالٍ، كما يتَّصِفُ ـ أيضًا ـ بالفطنة بمفهومها الواسع مِنْ: دقَّةِ الفهم، وحُسْنِ الإدراك، وصفاءِ الذهن، وقوَّةِ الذكاء، وسَعَةِ الاستيعاب، ورِقَّةِ الشعور، ورَهافةِ الحسِّ، وسرعةِ البداهة، وغيرِها مِنْ مؤهِّلات تلقِّي الوحي عن الله تعالى.

ولا يخفى أنَّ مَقامَ النبوَّةِ أَسْمَى مِنْ أَنْ يتَّصِف أهلُها بأضداد الكمالات والفضائل؛ فمتى وُجِدَتِ النقائصُ والرذائل بَطَلَتِ النبوَّةُ وانتفَتِ الرسالة؛ إذ لا نبوَّةَ مع الكذب والنفاق والخيانة، ولا أهليةَ مع كتمان الحقِّ وبطءِ الإدراك وبلادةِ الحسِّ والغباء؛ فالأنبياءُ والرُّسُل معصومون مِنَ التورُّط في الآثام والرذائل، ومنزَّهون مِنَ الوقوع في المعاصي والقبائح، بل جمَّلَهم اللهُ بالأخلاق العظيمة، وحلَّاهم بالصفات الجميلة التي تجعل منهم المَثَلَ الأعلى المقتدى به للوصول إلى كمالهم المقدَّر لهم.

فالحاصل: أنهم ـ بهذه الصفاتِ الكمالية التي يتمتَّع بها مَنِ اختاره اللهُ لمَقامِ النبوَّة مِنَ الأمانة والصدق والتبليغ والفطنةِ والتفاني في الحقِّ وأداءِ الواجب وغيرِها مِنَ الكمالات الخَلْقية والعقلية والنفسية ـ شرَّفهم اللهُ بتلقِّي الوحي الإلهيِّ مِنَ الملَكِ الموكَّلِ به؛ لتبليغِ أمانةِ ما يُوحِي به اللهُ تعالى ـ مِنْ كلماته الصادقةِ في أخبارها، العادلةِ في أحكامها ـ إلى عبادِه فيما يُخالِفُ مُعتقَداتهم، ويأمرونهم بما يَسْتنكِرونه، وينهَوْنهم عمَّا أَلِفوه، بثباتٍ وعزمٍ وصدقٍ وشجاعةٍ لا خشيةَ فيها ولا خوفَ إلَّا مِنَ الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥ[المائدة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ[الأحزاب: ٣٩].

ولا تقتصِرُ المَهَمَّةُ الرساليةُ والوظيفةُ الربَّانيةُ على بيان الحقِّ وتبليغِه، بل تتعدَّى إلى دعوة العباد إلى السبيل المُوصِلِ إلى الله تعالى وإلى دارِ كرامته، المتضمِّنِ للعلم بالحقِّ والعملِ به وإيثارِه وإخلاص الدِّينِ لله وَحْدَه لا شريكَ له؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ[النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥[الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨[يوسف]، وتبذل الرُّسُلُ والأنبياءُ ـ لأداء المَهَمَّةِ الرسالية ـ الجهودَ العظيمة بتبليغ الحقِّ والدعوةِ إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانيةً، مع اتِّخاذِ أساليبِ الترغيب والترهيب والوعدِ والوعيد؛ لفتحِ قلوب العباد وتنويرِ عقولِهِم وتحفيزِ نفوسهم إلى فعلِ الطاعات وتركِ المعاصي؛ ذلك لأنَّ النفس البشرية مطبوعةٌ على محبَّةِ الخير لذاتها ومُشتاقةٌ إلى تحصيله ودفعِ الشرِّ والمَضارِّ عنها؛ فالتبشيرُ والإنذارُ هما مفتاحُ النفسِ البشرية؛ لذلك كانَتْ دعوةُ الأنبياءِ والرُّسُلِ مُصطبِغةً بهما؛ فهُمْ يبشِّرون الطائعين بما تَسْتعذِبُه قلوبُهم وتهواهُ نفوسُهم وتَلَذُّ أَعْيُنُهم مِنَ الحياة الطيِّبة، ويَعِدُونهم بالعزِّ والتمكين والأمن في الدنيا، كما أخبر اللهُ به في قوله تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ[النحل: ٩٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗا[النور: ٥٥]، ويرغِّبونهم في الإيمان والعمل الصالح وما يُجازيهم اللهُ به مِنْ ثوابٍ ونعيمٍ في الآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧[النحل]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٣[النساء]. وبالمُقابِل يُنْذِرون العُصاةَ بالشقاء والهلاك في الدنيا، ويخوِّفونهم بما يُلاقونه مِنْ عذابٍ في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا[طه: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٤[النساء].

فالحاصل: أنَّ مَهَمَّةَ الرُّسُل والأنبياءِ تظهر في الدعوة إلى عبادة الله وَحْدَه، ونبذِ الشرك، وإقامةِ دِين الله وتبليغه بتعليم الناسِ الحلالَ والحرامَ، وتزكيةِ النفوس وتطهيرها وإصلاحها بالأعمال المُوجِبة لها، وتقويمِ المُعْتقَداتِ المُنْحرِفة عن الفطرة السليمة، وإخراجِ الناس مِنْ ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحقِّ، واتِّخاذِ الوعظ بالتبشير والإنذار أسلوبًا للدعوة إليه سبحانه؛ حتَّى يُقيمَ اللهُ الحجَّةَ على عِبادِه برُسُله، ويقطعَ عُذْرَ مَنْ أَغْفَلَ اللهُ قلبَه عن ذِكْرِه واتَّبَع هواهُ وكان أمرُه فُرُطًا؛ قال تعالى: ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ[الأنعـام: ٤٨؛ الكهف: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِ[النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ ١٣٤[طه]؛ فاللهُ أَعْدَلُ العادلين، ومنزَّهٌ ـ سبحانه ـ عن الظلم؛ فلا يُعذِّبُ أحَدًا حتَّى تقوم عليه الحجَّةُ الرسالية ثمَّ يُعانِدَها ولا ينتفعَ بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥[الإسراء].

والله تعالى يأتي لكُلِّ أمَّةٍ ـ يومَ القيامة ـ برسولها؛ ليَشْهدَ عليها بالخير والشرِّ، وأنه بلَّغها رسالةَ ربِّه وأقامَ عليها الحجَّةَ؛ فلا يُقْبَلُ للكُفَّار عذرٌ بعدما عَلِموا ـ يقينًا ـ بطلانَ ما هم عليه، وهُمْ يُقِرُّون على أَنْفُسهم بالكفر والافتراء على الله تعالى؛ فلا يُرْفَعُ عنهم العقابُ، ولا يُخفَّفُ عنهم العذابُ، مِنْ غيرِ إنظارٍ ولا إمهالٍ مِنْ حينِ يَرَوْنه؛ قال تعالى مُخْبِرًا عن ذلك: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤ وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥[النحل]، وقال سبحانه: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ[النحل: ٨٩]، وقال تعالى ـ أيضًا ـ: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۢ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١ يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢[النساء].

هذا، ولا تنتهي مَهَمَّةُ الرُّسُل والأنبياءِ عند الوظائف الربَّانية السابقة، بل ـ فضلًا عن ذلك ـ فهُمْ يقودون أُمَمَهم في السياسة والحكم في السلم والحرب، ويقومون على رعايةِ مَصالِحِ الناس، ويحكمون بين الناس بحكم الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗا[المائدة: ٤٨]؛ ففي الآيةِ: الأمرُ بالحكم بالتنزيل، وأنَّ «الشرائع التي تختلف باختلاف الأُمَم هي التي تَتغيَّرُ بحسَبِ تغيُّرِ الأزمنة والأحوال، وكُلُّها ترجع إلى العدل في وقتِ شِرْعَتِها، وأمَّا الأصولُ الكِبارُ التي هي مصلحةٌ وحكمةٌ في كُلِّ زمانٍ فإنها لا تختلف؛ فتُشْرَعُ في جميع الشرائع» [«تفسير السعدي» (٢٥٨)]، وقال تعالى عن التوراة: ﴿يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ[المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ[ص: ٢٦]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ» [أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» (٦/ ٤٩٥) بابُ ما ذُكِرَ عن بني إسرائيل، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٢/ ٢٣١) بابُ وجوبِ الوفاء ببيعة الخليفة الأوَّلِ فالأوَّل، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

فالأنبياء والرُّسُل ـ إذن ـ هم النموذج المثاليُّ للكمال البشريِّ في الطهر والنزاهة والقداسة، وهُمُ الأُمَناءُ العُدولُ الصادقون، الذين بلَّغوا وحيَ اللهِ البلاغَ المُبين، وهُمْ حجَّتُه على خَلْقه وشُهَداؤُه عليهم يومَ القيامة، وقد أَكْمَلَ اللهُ تعالى دِينَه الحقَّ بخاتمهم محمَّدٍ الأمين صلَّى الله عليه وسلَّم، وبه تمَّتْ نعمةُ الله على خَلْقِه بما أَنْزَلَ مِنَ الهداية والنور؛ فالسعيدُ مَنِ اتَّبَعها ولازَمَها واستقامَ عليها ونَصَرها، والشقيُّ مَنْ شاقَّها ولم ينقَدْ إليها، وعارَضها بالهوى والخرافات، وخالَفَها بالبِدَع والمُحْدَثات؛ فإنَّ «بحسَبِ متابَعةِ الرسول تكون العزَّةُ والكفايةُ والنصرة، كما أنَّ بحسَبِ متابَعتِه تكون الهدايةُ والفلاح والنجاة؛ فاللهُ ـ سبحانه ـ علَّقَ سعادةَ الدارَيْن بمتابَعتِه، وجَعَلَ شقاوةَ الدارَيْن في مخالَفته؛ فلأتباعِه الهدى والأمنُ والفلاح والعزَّةُ والكفاية والنصرةُ والولاية والتأييدُ وطِيبُ العيشِ في الدنيا والآخرة، ولمُخالِفِيه الذلَّةُ والصَّغارُ والخوفُ والضلال والخذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة» [«زاد المَعاد» لابن القيِّم (١/ ٣٧)]، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٦)]: «والرُّسُلُ ـ صلواتُ الله وسلامُه عليهم ـ عليهم البلاغُ المُبين، وقد بلَّغوا البلاغَ المُبين، وخاتمُ الرُّسُلِ محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم أنزل اللهُ كتابَه مُصدِّقًا لِمَا بين يدَيْه مِنَ الكتاب ومُهيمِنًا عليه؛ فهو الأمينُ على جميع الكُتُب، وقد بلَّغ أَبْيَنَ البلاغِ وأَتَمَّه وأكمله، وكان أنصحَ الخَلْقِ لعبادِ الله، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا: بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، وجاهَدَ في الله حقَّ جهادِه، وعَبَدَ اللهَ حتَّى أتاهُ اليقينُ؛ فأَسْعَدُ الخَلْقِ وأعظمُهم نعيمًا وأعلاهم درجةً: أعظمُهم اتِّباعًا ومُوافَقةً له علمًا وعملًا».

(٥) قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٢٣٤)] شارحًا لهذه الآياتِ بما نصُّه: «يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبدِه ورسولِه مِنَ الشرع العظيم والأخبارِ الصادقة ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلام، وفي هذا عدَّةُ فوائد:

منها: أنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم ليس ببِدْعٍ مِنَ الرُّسُل، بل أرسل اللهُ قبله مِنَ المُرْسَلين العددَ الكثيرَ والجمَّ الغفيرَ؛ فاستغرابُ رسالتِه لا وجهَ له إلَّا الجهلُ والعناد.

ومنها: أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم مِنَ الأصول والعدل الذي اتَّفقوا عليه، وأنَّ بعضهم يُصدِّقُ بعضًا ويُوافِقُ بعضُهم بعضًا.

ومنها: أنه مِنْ جنسِ هؤلاء الرُّسُل؛ فلْيَعتبِرْه المُعتبِرُ بإخوانه المُرْسَلين؛ فدعوتُه دعوتُـهم، وأخلاقُهم مُتَّفِقةٌ، ومَصْدرُهم واحدٌ؛ وغايتُهم واحدةٌ؛ فلم يقرنـه بالمجهولين ولا بالكذَّابين ولا بالملوك الظالمين.

ومنها: أنَّ في ذِكْرِ هؤلاء الرُّسُلِ وتَعْدادهم مِنَ التنويه بهم، والثناءِ الصادق عليهم، وشرحِ أحوالهم ما [وفي الأصل: ممَّا] يزداد به المؤمنُ إيمانًا بهم، ومحبَّةً لهم، واقتداءً بهديهم، واستنانًا بسنَّتِهم، ومعرفةً بحقوقهم، ويكون ذلك مصداقًا لقوله: ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩[الصـافَّات]، ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩[الصافَّات]، ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٠[الصافَّات]، ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠[الصافَّات]، ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ[الصافَّات: ٨٠، ١٠٥، ١٢١، ١٣١؛ المُرْسَلات: ٤٤]؛ فكُلُّ مُحْسِنٍ له مِنَ الثناء الحسنِ بين الأنامِ بحسَبِ إحسانه، والرُّسُلُ ـ خصوصًا هؤلاء المُسمَّوْنَ ـ في المرتبة العليا مِنَ الإحسان.

ولمَّا ذَكَرَ اشتراكَهم بوحيِه ذَكَرَ تخصيصَ بعضِهم: فذَكَرَ أنه آتى داودَ الزَّبورَ، وهو الكتاب المعروفُ المزبورُ الذي خصَّ اللهُ به داودَ عليه السلام لفضلِه وشرفِه، وأنه كلَّم موسى تكليمًا أي: مشافَهةً منه إليه لا بواسطةٍ، حتَّى اشتهر بهذا عند العالَمِين فيقالُ: «موسى كليمُ الرحمن».

وذَكَرَ أنَّ الرُّسُلَ عليهم السلام منهم مَنْ قصَّه اللهُ على رسوله ومنهم مَنْ لم يَقْصُصْه عليه، وهذا يدلُّ على كثرتهم، وأنَّ الله أَرْسَلهم مبشِّرين لمَنْ أطاع اللهَ واتَّبَعهم بالسعادة الدنيوية والأخروية، ومُنْذِرين مَنْ عصى اللهَ وخالَفهم بشقاوة الدارين؛ لئلَّا يكون للناس على الله حجَّةٌ بعد الرُّسُل فيقولوا: ﴿مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞ[المائدة: ١٩].

فلَمْ يَبْـقَ للخَلْق على الله حجَّةٌ؛ لإرساله الرُّسُلَ تَتْرَى يبيِّنون لهم أَمْرَ دِينِهم ومَراضِيَ ربِّهم ومَساخِطَه وطُرُقَ الجنَّة وطُرُقَ النار؛ فمَنْ كَفَرَ منهم ـ بعد ذلك ـ فلا يلومَنَّ إلَّا نَفْسَه.

وهذا مِنْ كمال عِزَّتـه تعالى وحكمتِه: أَنْ أَرْسَلَ إليهم الرُّسُلَ وأَنْزَلَ عليهم الكُتُبَ، وذلك ـ أيضًا ـ مِنْ فضلِه وإحسانـه، حيث كان الناسُ مُضطرِّين إلى الأنبياء أَعْظَمَ ضرورةٍ تُقدَّرُ، فأزالَ هذا الاضطرارَ؛ فله الحمدُ وله الشكرُ، ونسأله ـ كما ابتدأ علينا نعمتَه بإرسالهم ـ أَنْ يُتِمَّها بالتوفيق لسلوكِ طريقهم؛ إنه جوادٌ كريمٌ».

(٦) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ»، و«تعالى» ساقطةٌ مِنْ «م.ف».

(٧) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.ش».

(٨) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.ش»، وهو خطأٌ في الآية.

(٩) ما بين النجمتين ساقطٌ مِنْ «م.ر.ش».

(١٠) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ، م.ر.ب».