«التصفيف الخامس: بيان قواعد الإسلام الخمس (٥)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 21 رجب 1442 هـ الموافق لـ 05 مارس 2021 م

العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الخامس: بيان قواعد الإسلام الخمس (٥)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الثَّانِي عَشَرَ: النَّظَرُ الوَاجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ هُوَ النَّظَرُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا القُرْآنُ، كَمَا فِي الآيَاتِ المُتَقَدِّمَةِ(١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ(٢)(٣).

الثَّالِثَ عَشَرَ: مَنْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى إِزَالَتِهَا بِالنَّظَرِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِسُؤَالِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ(٤)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾(٥)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾(٦)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(٧).

الرَّابِعَ عَشَرَ: مَنْ وَرَدَتْ عَلَى قَلْبِه خَطَرَاتٌ(٨) مِنْ دُوْنِ شُبْهَةٍ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(٩)، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ»(١٠)، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: «فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ»(١١).



(١) المصنِّف أرشد إلى طريقٍ آخَرَ من النظر والاعتبار وذلك بالنظر في كتاب الله وتدبُّره، لأنَّ ما يحصل به النور والهدى إنما هو بذكر الله وما نزل من الحقِّ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢-٥٣]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥-١٦].

غير أنَّ الناظر في المطالب العلمية يحتاج إلى أن يظفر بالدليل الهادي للتي هي أقوم، ولا يمكنه إلاَّ إذا وضع الكَلِمَ مواضعَه، وفَهِمَ مقصودَ الدليل ليهتديَ بالقرآن، فإذا حاد عن فهم مقصوده أو حرَّف الكَلِمَ عن مواضعه فلا ينتفع به ولا يهتدي، بل يزيغ به أو يضلُّ ويكون ذلك من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصِّلت: ٤٤].

قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٩): «إنَّ الطالب للعلم بالنظر والاستدلال والتفكُّرِ والتدبُّر لا يحصل له ذلك إن لم ينظر في دليلٍ يفيده العلمَ بالمدلول عليه، ومتى كان العلم مستفادًا بالنظر فلا بُدَّ أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت في قلبه ما لا يحتاج حصولُه إلى نظرٍ، فيكون ذلك المعلومُ أصلاً وسببًا للتفكُّر الذي يطلب به معلومًا آخر، ولهذا كان الذكر متعلِّقًا بالله لأنه سبحانه هو الحقُّ المعلوم، وكان التفكُّر في مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١].

(٢) جزءٌ من الآية ٦ من سورة التوبة.

(٣) قال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٢/ ٩٠٥): «ليس يريد بقوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ مجرَّدَ الإصغاء، فيحصل العلم له بظاهر القول، وإنما أراد به فَهْمَ المقصود من دلالته على النبوَّة، وفهمَ المقصود به من التكليف، ولم يكن يخفى على العرب وجهُ الإعجاز فيه، وطريقُ الدلالة على النبوَّة، لكونه خارجًا عن أساليب فصاحة العرب في النظم والنثر، والخُطَب والأراجيز، والسجع والأمثال، وأنواع فصل الخطاب، فإن خَلَق اللهُ له العلمَ بذلك والقبولَ له صار من جملة المسلمين، فإن صُدَّ بالطبع، ومُنع بالختم، وحَقَّ عليه بالكفر القولُ؛ رُدَّ إلى مأمنه».

قلت: والتدبُّر في القرآن العظيم والتأمُّلُ في آياته نظمًا ومعنى، فإنه يحصل به العلم بالتوحيد -من خلال تفاصيله وجُمَله- ما لا يحصل في غيره، فهو أفضل الأذكار من طريق النظر، فالقرآن تضمَّن الذكرَ القلبيَّ بضروبه واللسانيَّ والعلميَّ على أكمل بيانٍ وأوضح برهانٍ.

(٤) الذي يجب عليه إزالةُ الشبهة إذا عَرَضت عليه إنما هو الشاكُّ الحائر الذي لم يعرف الحقَّ من الضلال، وهو مريدٌ للهدى ومؤثرٌ له، وصادقٌ في طلبه، فهذا الذي إذا تبيَّن له الحقُّ حَرِيٌّ باتِّباعه، إذ الشرع أَمَر بالعلم والتعلُّم وسؤال أهل الذكر، ويسَّر القرآنَ وبيَّنه لمن صلحت نيَّتُه وحسنت سريرتُه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٣-٤٤].

وهذا بخلاف الشاكِّ المُعرِض عن طلب الحقِّ وغير مجتهدٍ في السعي إلى معرفته، ولا يحدِّث نفسه بغير ما هو عليه، فهذا لا يوفَّق غالبًا لمعرفة الحقِّ والانتفاع به.

أمَّا المعاند فليس بشاكٍّ لأنه يترك الحقَّ بعد معرفته وعلمِه به، ويرضى بما هو عليه من الباطل والضلالة، فهذا يُستبعد رجوعُه لتركه للحقِّ بعد ما تبيَّن له. [«تفسير السعدي» (٢٨)].

(٥) جزءٌ من الآية ٢٣ من سورة البقرة.

(٦) جزءٌ من الآية ٩٤ من سورة يونس.

(٧) جزءٌ من الآية ٤٣ من سورة النحل، والآية ٧ من سورة الأنبياء.

(٨) الخاطر هو ما يتحرَّك في القلب من رأيٍ أو معنًى لا عمل للعبد فيه، قال الجرجانيُّ في «التعريفات» (٩٥): «وما كان خطابًا فهو أربعة أقسامٍ: ربَّانيٌّ: وهو أوَّل الخواطر، وهو لا يخطئ أبدًا، وقد يُعرف بالقوَّة والتسلُّط وعدمِ الاندفاع، ومَلَكيٌّ: وهو الباعث على مندوبٍ أو مفروضٍ ويسمَّى إلهامًا، ونفسانيٌّ: وهو ما فيه حظُّ النفس ويسمَّى هاجسًا، وشيطانيٌّ: وهو ما يدعو إلى مخالفة الحقِّ، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]».

قلت: والخطاب الشيطانيُّ الوارد على القلب الداعي لمخالفة الحقِّ واتِّباع الضلالة والباطل هو المقصودُ من نصِّ المؤلِّف، ومهمَّةُ العدوِّ الشيطانيِّ تكمن في الوسوسة بالتشكيك والذبذبة والتردُّد الذي يقع في صدر المؤمن، وهو يسعى بالفساد والإغواء، لكن يُدفع خطرُه بالإعراض عن الإصغاء إلى وسوسته، والمبادرةِ إلى قطعها بالاستعاذة منه بالله تعالى وبالذكر وما ثبت في السنَّة الصحيحة، لأنَّ كيد الشيطان ضعيفٌ، وأعني بالعدو الشيطانيِّ من الجنِّ.

أمَّا العدوُّ الشيطانيُّ من الإنس فاتِّقاؤه يحتاج إلى مصانعةٍ وصبرٍ عليه بمقابلة إساءته بالإحسان إليه حتى تذهب عداوتُه وتُكْسَب صداقتُه كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصِّلت: ٣٤-٣٥] [انظر «تفسير ابن باديس» (٤٩)].

هذا، وعمومات التكليف من الكتاب والسنَّة تأمر المسلمَ بالعزم واليقين والثباتِ عليهما لأنهما سبيلُ النجاة من خطر الوسواس الخنَّاس من الجِنَّة والناس، فاليقين لا يزال بالشكِّ، والعزمُ لا يَثنيه التردُّدُ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وامتدح الله تعالى بعضَ الرسل بالعزم وأَمَر بالاقتداء بهم، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، لذلك كانت كلُّ التكاليف مبنيَّةً على اليقين والعزم سواءٌ في العقائد والعبادات التي رُكْنُها النيَّة، والشرط في النيَّة الجزمُ واليقين، وكذلك المعاملات مبناها الجزمُ سواءٌ كانت في المعاملات المالية أو غير المالية، فيؤاخَذ في البعض في الهزل والمزاح كالنكاح والطلاق والرجعة والعتاق.

فالحاصل: أنَّ قلب المؤمن يتجرَّد من مجال الشكِّ ويخلو من محلِّ الذبذبة إذا حقَّق شَرْطَ التكليف المتمثِّلَ في العزم واليقين، فالقيام بهذا الشرط قضاءٌ لنوازع الوسوسة والتردُّد.

(٩) الآية ٣٦ من سورة فصِّلت.

(١٠) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري في «بدء الخلق» (٦/ ٣٣٦) باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم في «الإيمان» (٢/ ١٥٤)، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال ابن القيِّم في «الفوائد» (١٨٩): «والذي يُلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أو فيما يملك الفكرَ فيه من أنواع الفواحش والحرام، أو في خيالاتٍ وهميةٍ لا حقيقة لها، أو في باطلٍ، أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواعِ ما طُوِي عنه علمُه، فيُلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غايةً، ولا يقف منها على نهايةٍ، فيجعل ذلك مجالَ فِكْرِه ومسرحَ وهمِه.

وجماعُ إصلاح ذلك: أن تشغل فِكْرَك في باب العلوم والتصوُّرات بمعرفة ما يَلْزَمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنَّة والنار، وفي آفات الأعمال وطُرُق التحرُّز منها، وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادتُه وطرحِ إرادة ما يضرُّك».

(١١) أخرجه مسلم في «الإيمان» (٢/ ١٥٣، ١٥٤) باب الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال المازري في «المُعلم» (١/ ٣١٣): «ظاهر الحديث أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أمرهم أن يدفعوا الخواطرَ بالإعراض عنها، والردِّ لها من غير استدلالٍ ولا نظرٍ في إبطالها، والذي يقال في هذا المعنى: أنَّ الخواطر على قسمين: فأمَّا التي ليست بمستقرَّةٍ ولا اجتلبتها شبهةٌ طرأت فهي التي تُدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يُحْمَل الحديث، وعلى مثلها يُطلق اسمُ الوسوسة، فكأنه كان أمرًا طارئًا على غير أصلٍ دُفع بغير نظرٍ في دليلٍ إذ لا أصل له يُنْظَر فيه.

وأمَّا الخواطر المستقرَّة التي أوجبتها الشبهةُ فإنها لا تُدْفَع إلاَّ باستدلالٍ ونظرٍ في إبطالها، ومِن هذا المعنى حديث: «لاَ عَدْوَى» مع قول الأعرابي: «فما بال الإبل الصحاح تَجْرَبُ بدخول الجمل الأجرب فيها»، وعَلِمَ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه اغترَّ بهذا المحسوس وأنَّ الشبهة قدحت في نفسه فأزالها عليه السلام من نفسه بالدليل، فقال له: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ» [أخرجه البخاري في «الطبِّ» (١٠/ ٢١٥) باب لا هامة، ومسلم في «السلام» (١٤/ ٢١٣) باب لا عدوى ولا طيرة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

... يتبع ...

 

الجزائر في: ١٢ محـرم ١٤٢٨ﻫ
المـوافق ﻟ: ٣١ جانفي ٢٠٠٧م