«التصفيف الثاني والخمسون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام (٦)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 26 ربيع الثاني 1443 هـ الموافق لـ 01 ديسمبر 2021 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بنِ باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف الثاني والخمسون:
عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام ـ ٦ ـ»

[الفصل ٧٢: ختم الرسالة وعمومها](١):

خَتَمَ اللهُ الرِّسَالَةَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ رِسَالَتَهُ الرِّسَالَةَ العَامَّةَ لِلْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالمَلَائِكَةِ، وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ الشَّرِيعَةَ الجَامِعَةَ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ البَشَرُ فِيمَا بَقِيَ [مِنْ آخِرِ](٢) أَطْوَارِهِمْ فِي وُجُودِهِمْ، وَهُوَ طَوْرُ رُقِيِّهِمُ العَقْلِيِّ وَالعِلْمِيِّ وَالعُمْرَانِيِّ؛ فَأَغْنَتْ عَمَّا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ فَكَانَتْ نَاسِخَةً لَهَا؛ [وَلِهَذَا جَعَلَ](٣) آيَتَهُ ـ القُرْآنَ العَظِيمَ(٤) ـ آيَةً عَقْلِيَّةً عِلْمِيَّةً خَالِدَةً، يَخْضَعُ لَهَا وَيَهْتَدِي بِهَا كُلُّ مَنْ سَمِعَهَا وَفَهِمَهَا(٥)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ[الأحزاب: ٤٠]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا[الأعراف: ١٥٨]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ[الأنعام: ١٩]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ[الأحقاف: ٢٩]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا[المائدة: ٣]، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ[العنكبوت: ٥١]، [وَلِقَوْلِهِ(٧): ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا[الجاثية: ١٨]](٨)، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ(٩) رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم(١٠): «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ(١١) وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا [يَوْمَ القِيَامَةِ](١٢)» رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١٣) وَمُسْلِمٌ(١٤).

ـ يُتبَع ـ



(١) في «م.ر.أ»: بزيادةِ عنوانٍ فرعيٍّ: «عموم الرسالة المحمَّديَّة»، وفي «م.ر.ب»: بزيادةِ: «الرسالة المحمَّديَّة».

(٢) «م.ر.ش»: «آخِرَ».

(٣) «م.ف»: «وَجَعَلَ».

(٤) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.ش».

(٥) الأنبياء والرُّسُل صلواتُ الله عليهم هم النموذجُ المثاليُّ للكمال البشريِّ في الطهر والنزاهة والقداسة ـ كما تَقدَّم ذِكْرُه ـ وهُمُ الأُمَناءُ الصادقون الذين بلَّغوا وحيَ اللهِ البلاغَ المبين، وهُمْ حجَّتُه على خَلْقِه، وشُهَداؤُه عليهم يومَ القيامة؛ فهُمْ ـ دومًا ـ أئمَّةُ الإصلاحِ ودُعَاةُ الخير، وحَمَلةُ مَشاعلِ الهدى في الدنيا المُظلِمة، ومُنْقِذو الناسِ ومُخْرِجوهم مِنَ الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم؛ فكان كُلُّ واحدٍ منهم يعقب الآخَرَ، ويزيد ـ في الإصلاح ـ لَبِنةً ليُتِمَّ ما بَنَاهُ مَنْ قبله، حتَّى استكمل البناءُ ـ وهو دِينُ اللهِ الحقُّ ـ بخاتمهم محمَّدٍ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، الذي قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا، فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ؛ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟» قَالَ: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «المناقب» (٦/ ٥٥٨) بابُ خاتمِ النبيِّين صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ومسلمٌ في «الفضائل» (١٥/ ٥١) بابُ ذِكْرِ كونِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم خاتمَ النبيِّين، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

ففي هذا الحديثِ: بيانُ فضلِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على سائر النبيِّين، وبه أكمل اللهُ شرائعَ الدِّين: نعمةَ الله على خَلْقِه، بما أنزل في شريعته مِنَ الهداية؛ فكان دِينُه الإسلامُ خُلاصةَ الأديان السابقة وأكملَها؛ فقَدْ أتمَّه اللهُ فلا ينقصه أبدًا، ورضِيَه فلا يسخطه أبدًا، قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا[المائدة: ٣]. وقد كانَتْ شريعتُه هي الشريعةَ الإلهيَّة الجامعة لِمَا تحتاج إليه البشريَّةُ مِنَ التشريعات، والجديرةَ بالبقاء والاستمرار، لا تفتقر إلى شريعةٍ سابقةٍ عليها ولا إلى شريعةٍ لاحقةٍ لها؛ لكمالها ولِمَا فيها مِنْ عناصرِ الحياة ودعائمِ الإصلاح وأُسُسِ مَطالِبِ العباد التشريعيَّة، وهي كُلُّها محفوظةٌ مع بقاءِ سيرة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وسُنَّتِه: المقرِّرةِ لحُكْمِ القرآن والمبيِّنةِ لمَعانيهِ والمُستقِلَّةِ بشرعٍ ابتدائيٍّ، وجملةُ هذا الموروثِ ـ بمُختلفِ عناصره الحيويَّة ـ هي بمَثابةِ وجود الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بين أَظْهُرِنا على قيد الحياة، كُلُّ ذلك ممَّا تستغني به الشريعةُ عن زيادات المُبْتدِعين واستدراكاتِ المُستدرِكين. وفي الحديث ـ أيضًا ـ أنَّ الله خَتَم بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم المُرْسَلين، فانقطعَتِ النبوَّةُ بآخِرِ نبوَّةِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وخُتِمَتْ به الرسالةُ؛ فلم يَبْقَ لأحَدٍ مَطْمَعٌ في أَنْ يَدَّعِيَ النبوَّةَ أو يُؤْتاها بعد نبوَّةِ محمَّدٍ النبيِّ الأمِّيِّ أبَدًا؛ فمَنْ رام ادِّعاءَ النبوَّة فقَدْ أَعْظَمَ الفِرْيةَ على اللهِ والكذبَ على خَلْقه، ومهما أتى بالأحوال والأقوالِ الفاسدة وأنواعِ الإفك والتضليل والخداع فإنَّ الله يفضحه شرَّ فضيحةٍ، كما حَصَل لجملةٍ مِنَ الكذَّابين والدجَّالين: مِثْلَ مُسْيلِمةَ الكذَّابِ في الأوَّلين، ومِرْزَا غلام أحمد القادياني في الآخِرين، وقد أخبر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بهم في قوله: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي» [أخرجه أبو داود في «الفِتَن» (٤/ ٤٥٠) بابُ ذِكرِ الفِتَن ودلائلها، والترمذيُّ في «الفِتَن» (٤/ ٤٩٩) بابُ ما جاء: لا تقوم الساعةُ حتَّى يخرج كذَّابون، مِنْ حديثِ ثوبان رضي الله عنه. وأصلُه مُتَّفَقٌ عليه في الصحيحين بلفظ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ»: أخرجه البخاريُّ في «المناقب» (٦/ ٦١٦) بابُ علاماتِ النبوَّة في الإسلام، ومسلمٌ في «الفِتَن وأشراط الساعة» (١٨/ ٤٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (٦/ ٦١٧) بتصرُّف] عَقِبَ هذا الحديث: «وقد ظَهَر مِصْداقُ ذلك في آخِرِ زمن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: فخَرَج مُسَيْلِمةُ باليمامة، والأسودُ العَنْسيُّ باليمن، ثمَّ خَرَج ـ في خلافةِ أبي بكرٍ ـ طُلَيْحةُ بنُ خُوَيْلِدٍ في بني أسَدِ بنِ خُزَيْمةَ وسَجَاح التميميَّةُ في بني تميمٍ، وفيها يقول شَبَثُ [وفي المطبوع: شبيب] بنُ رِبْعيٍّ ـ وكان مُؤدِّبَها ـ:

أَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا * وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا

وقُتِل الأسودُ قبل أَنْ يموت النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وقُتِل مُسَيْلِمةُ في خلافةِ أبي بكرٍ، وتاب طُلَيْحةُ ومات على الإسلام ـ على الصحيح ـ في خلافةِ عمر، ونُقِل أنَّ سَجَاح ـ أيضًا ـ تابَتْ، وأخبارُ هؤلاءِ مشهورةٌ عند الإخباريِّين، ثمَّ كان أوَّلُ مَنْ خَرَج منهم: المختارَ بنَ أبي عُبَيْدٍ الثَّقَفيَّ: غَلَب على الكوفة في أوَّلِ خلافةِ ابنِ الزبير، فأَظْهَرَ محبَّةَ أهلِ البيت، ودَعَا الناسَ إلى طلبِ قَتَلةِ الحسين، فتَبِعهم فقَتَل كثيرًا ممَّنْ باشَرَ ذلك أو أعان عليه؛ فأحَبَّه الناسُ، ثمَّ إنه زيَّنَ له الشيطانُ أنِ ادَّعى النبوَّةَ وزعَمَ أنَّ جبريلَ يأتيه.. وقُتِل المختارُ سَنَةَ بضعٍ وستِّين، ومنهم: الحارث الكذَّابُ: خَرَج في خلافةِ عبد الملك بنِ مروان فقُتِل، وخَرَج في خلافةِ بني العبَّاسِ جماعةٌ، وليس المرادُ بالحديث: مَنِ ادَّعى النبوَّةَ مُطْلَقًا؛ فإنهم لا يُحْصَوْن كثرةً لكونِ غالبِهم ينشأ لهم ذلك عن جنونٍ أو سوداء، وإنما المرادُ: مَنْ قامَتْ له شوكةٌ وبدَتْ له شبهةٌ كمَنْ وصَفْنا، وقد أهلك اللهُ تعالى مَنْ وقع له ذلك منهم، وبقي منهم مَنْ يُلْحِقُه بأصحابه، وآخِرُهم الدجَّالُ الأكبر». وأكَّد هذه الحقيقةَ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ في [«مجالس التذكير مِنْ حديثِ البشير النذير» (٩٦)] بقوله: «قد ضلَّتْ وهلَكَتْ ـ باتِّباعِ أشخاصٍ ادَّعَوُا النبوَّةَ ـ مِنْ هذه الأمَّةِ طوائفُ كثيرةٌ، وقد كان منهم ـ أوَّلَ الإسلام ـ: مُسَيْلِمةُ الكذَّابُ والأسود العنسيُّ، ثمَّ كان المختار بنُ [أبي] عُبَيْدٍ الثَّقَفيُّ، ثمَّ كان منهم في عصرنا قُبَيْلَهُ: البابُ وإليه تُنْسَبُ البابيَّةُ، والبهاءُ وإليه تُنْسَبُ البهائيَّةُ، وغلام القادياني وإليه تُنْسَبُ القاديانيَّة، وقد كادَتْ هذه القاديانيَّةُ تدخل الجزائرَ على يدِ طائفةِ الحلول وشيخِها، لولا أَنْ قام ـ في وجوههم ـ العلماءُ المُصْلِحون وفَضَحوهم على صفحاتِ «الشهاب» أيَّامَ كان أسبوعيًّا؛ فردَّ اللهُ كيدَهم، ووقى اللهُ الجزائرَ شرًّا عظيمًا؛ وقد أَخبرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن هؤلاء الكذَّابين بأنهم ثلاثون؛ فلا بُدَّ أَنْ يَصِلوا إلى هذا العدد، وقد تكون بقيَّتُهم في أحشاء الأيَّام؛ وقد أَخبرَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنهم كذَّابون، وأنه لا نبيَّ بعده، وقد صَدَق قولُه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؛ فما مِنْ واحدٍ منهم إلَّا وقد ظَهَر مِنْ كَذِبِه ما عَسُرَ تأويلُه على أصحابه، ومِنْ غلطِه وخَلْطِه ما يدلُّ على أنه لا مُستَنَدَ له مِنَ اليقين؛ فصلَّى اللهُ على خاتم الأنبياء وإمامِ المُرْسَلين». وقد أخبر اللهُ تعالى بختم النبوَّات بنبوَّةِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم؛ فلا نبوَّةَ ولا رسالةَ بعد نبوَّةِ خاتمِ رُسُلِ الله؛ فمَنْ جَهِلَ هذه الحقيقةَ أو تَجاهَلها تضليلًا وخداعًا فقَدْ ضلَّ سواءَ السبيل؛ قال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]؛ «فهذه الآيةُ نصٌّ في أنه لا نبيَّ بعده، وإذا كان لا نبيَّ بعده فلا رسولَ بعده بالطريق الأَوْلى والأحرى؛ لأنَّ مَقامَ الرسالةِ أخَصُّ مِنْ مَقامِ النبوَّة؛ فإنَّ كُلَّ رسولٍ نبيٌّ ولا ينعكس، وبذلك ورَدَتِ الأحاديثُ المُتواتِرةُ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنْ حديثِ جماعةٍ مِنَ الصحابة رضي الله عنهم.. فمِنْ رحمةِ الله تعالى بالعباد: إرسالُ محمَّدٍ ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ـ إليهم، ثمَّ مِنْ تشريفه له: خَتْمُ الأنبياءِ والمُرْسَلين به وإكمالُ الدِّينِ الحنيفِ له، وقد أخبر اللهُ ـ تَبارَك وتعالى ـ في كتابِه ورسولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في السُّنَّة المُتواتِرة عنه أنه لا نبيَّ بعده؛ ليعلموا أنَّ كُلَّ مَنِ ادَّعى هذا المَقامَ بعده فهو كذَّابٌ وأفَّاكٌ دجَّالٌ ضالٌّ مُضِلٌّ، ولو تَخرَّقَ وشَعْبَذَ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات، فكُلُّها مُحالٌ وضلالٌ عند أولي الألباب، كما أجرى اللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ على يد الأَسْوَدِ العنسيِّ باليمن ومُسَيْلِمةَ الكذَّابِ باليمامة مِنَ الأحوال الفاسدة والأقوالِ الباردة ما عَلِمَ كُلُّ ذي لُبٍّ وفهمٍ وحِجًى أنهما كاذبان ضالَّان لَعَنَهما اللهُ، وكذلك كُلُّ مُدَّعٍ لذلك إلى يومِ القيامة حتَّى يُخْتَموا بالمسيح الدجَّال؛ فكُلُّ واحدٍ مِنْ هؤلاء الكذَّابين يخلق اللهُ تعالى معه مِنَ الأمور ما يشهد العلماءُ والمؤمنون بكذِبِ مَنْ جاء بها، وهذا مِنْ تمامِ لُطفِ الله تعالى بخَلْقه؛ فإنهم ـ بضرورة الواقع ـ لا يأمرون بمعروفٍ ولا يَنْهَوْن عن مُنْكَرٍ إلَّا على سبيل الاتِّفاق، أو لِمَا لهم فيه مِنَ المقاصد إلى غيره، ويكون في غايةِ الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢[الشُّعَراء] الآية؛ وهذا بخلافِ حالِ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنهم في غايةِ البِرِّ والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه، ويأمرون به وينهَوْن عنه، مع ما يُؤيَّدُون به مِنَ الخوارق للعادات والأدلَّةِ الواضحات والبراهين الباهرات؛ فصلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم دائمًا مُستمِرًّا ما دامَتِ الأرضُ والسماواتُ» [«تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٩٣ ـ ٤٩٤) بتصرُّف].

هذا، وقد اختُصَّ نبيُّنا محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم دون غيره مِنَ الأنبياء والرُّسُل بجملةٍ مِنَ الخصائص المتميِّزة، كما حَبَاهُ اللهُ تعالى بمَكارِمَ كثيرةٍ، ومراتبَ عاليةٍ، نال بها الرفعةَ السامية والتفضيلَ المُطْلَقَ على العالَمِين، ومنها أنه أُرْسِلَ دون سائر الأنبياء والرُّسُل إلى الثَّقَلين مِنَ الجنِّ والإنس أجمعين؛ وهذه الفضيلةُ التي حَظِيَ بها النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم معلومةٌ مِنَ الدِّين بالضرورة؛ قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«الفتح» (٦/ ٣٤٤) بتصرُّف]: «قال [ابنُ حزم]: «ولم يُبْعَثْ إلى الجنِّ مِنَ الإنس نبيٌّ إلَّا نبيَّنا صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لعمومِ بعثتِه إلى الجنِّ والإنس باتِّفاقٍ»، انتهى؛ وقال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «لا يختلفون أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بُعِثَ إلى الإنس والجنِّ»، وهذا ممَّا فُضِّل به على الأنبياء.. وقال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «اتَّفقَ على ذلك علماءُ السلفِ مِنَ الصحابة والتابعين وأئمَّةِ المسلمين»، قلت: وثَبَتَ التصريحُ بذلك في حديث: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثْتُ إِلَى الإِنْسِ وَالجِنِّ» [أخرجه البيهقيُّ (٢/ ٤٣٣) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وانظر: «سلسلة الآثار الصحيحة» للداني (١/ ٧٦)]» [انظر تقريرَ الإجماع ـ أيضًا ـ في: «الخصائص الكبرى» للسيوطي (٢/ ٣٢١)، «لوامع الأنوار» للسفَّاريني (٢/ ٢٧٩)]. ومُستنَدُ الإجماعِ نصوصُ الشرعِ الكثيرةُ الدالَّةُ على خصيصة الرسالة الخاتمة بأنها:

ـ عامَّةٌ للبشريَّة كُلِّها، فلم تأتِ لطائفةٍ مُعيَّنةٍ منهم أو لجنسٍ خاصٍّ مِنْ أجناسهم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا[الأعراف: ١٥٨]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا[سبأ: ٢٨]، ولقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١[الفرقان]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» [أخرجه مسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٥)، والترمذيُّ في «السِّيَر» (٤/ ١٢٣) بابُ ما جاء في الغنيمة، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٤١١ ـ ٤١٢)، كُلُّهم مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

ـ وأنَّ رسالته الخاتمةَ عامَّةٌ للجنِّ ـ أيضًا ـ لقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩ قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠ يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١ وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢[الأحقاف]، وهذا المَقامُ شبيهٌ بقوله تعالى: ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَ‍َٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢ وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا ٣ وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥ وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦ وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧ وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩ وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣ وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤ وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥[الجنُّ]؛ فإنَّ هذه الآيةَ والتي قبلها تدلَّان على أنَّ الجنَّ استمعوا القرآنَ فآمَنُوا به وصدَّقوه وانقادوا له، كما تدلَّان «على أنه تعالى أَرْسَلَ محمَّدًا ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ـ إلى الثَّقَلين: الإنسِ والجنِّ؛ حيث دَعَاهم إلى الله، وقَرَأ عليهم السورةَ التي فيها خطابُ الفريقين وتكليفُهم، ووَعْدُهم ووعيدهم، وهي سورةُ الرحمن» [«تفسير ابنِ كثير» (٤/ ١٧٠)].

ولا يخفى أنَّ الله تعالى لم يبعث مِنَ الجنِّ رسولًا إلى الإنس، ولكنَّ العلماءَ اختلفوا: هل كان في الجنِّ نبيٌّ منهم؟ ومذهبُ الجمهورِ أنه كان فيهم نُذُرٌ لا أنبياءُ، كما تَقدَّم في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩[الأحقاف]، ولحصرِ الرسالة في الإنس لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓ[يوسف: ١٠٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ[الفرقان: ٢٠]، وقد جَعَل اللهُ تعالى مِنْ ذرِّيَّةِ إبراهيمَ الخليلِ عليه السلام وسلالتِه كُلَّ نبيٍّ بَعَثه اللهُ بعده؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ[العنكبوت: ٢٧].

أمَّا الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ[الأنعام: ١٣٠]، «فالمرادُ: مِنْ مجموع الجنسين؛ فيصدق على أحَدِهما وهو الإنسُ، كقوله: ﴿يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢[الرحمن] أي: أحَدِهما، ثمَّ إنه تعالى فسَّر إنذارَ الجنِّ لقومهم فقال مُخْبِرًا عنهم: ﴿قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ[الأحقاف: ٣٠]» [«تفسير ابنِ كثير» (٤/ ١٧٠)]؛ فكان معنى الآية ـ كما ذَهَب إليه الجمهورُ ـ: «أنَّ رُسُلَ الإنسِ رُسُلٌ مِنْ قِبَلِ الله إليهم، ورُسُلَ الجنِّ بثَّهم اللهُ في الأرض؛ فسَمِعوا كلامَ الرُّسُلِ مِنَ الإنس وبلَّغوا قومَهم» [«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٤٤)].

هذا، ونصَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ على أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مبعوثٌ ـ أيضًا ـ إلى الملائكة الكرام، وهو أحَدُ أقوالِ أهل العلم، رجَّحه السبكيُّ ووافقه عليه السيوطيُّ ـ رحمهما الله ـ في [«الخصائص الكبرى» (٢/ ٣٢١)]، «وزاد أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مُرْسَلٌ إلى جميع الأنبياء والأُمَمِ السابقة، وزَعَم أنَّ قولَه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «بُعِثْتُ للناس كافَّةً» [أخرجه مسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٥)، والترمذيُّ في «السِّيَر» (٤/ ١٢٣) بابُ ما جاء في الغنيمة، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٤١١ ـ ٤١٢)، كُلُّهم مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه] شاملٌ لهم مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلى قيام الساعة، ورجَّح هذا القولَ البارزيُّ، وزاد أنه مُرْسَلٌ إلى جميع الحيوانات، واستدلَّ على ذلك بشهادة الضَّبِّ له بالرسالة وبشهادة الحجر والشجر له ـ أيضًا ـ بذلك؛ قال الحافظ السيوطيُّ: وأَزِيدُ إلى ذلك أنه مُرْسَلٌ إلى نفسه» [«لوامع الأنوار» للسفاريني (٢/ ٢٧٩)].

هذا، وحريٌّ بالتنبيه والتحقيق أنَّ حديث الضَّبِّ حَكَم عليه أهلُ الاختصاص بأنه خبرٌ باطلٌ لِمَا فيه مِنَ النكارة والغرابة، [انظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (٦/ ١٤٩)، «لسان الميزان» لابن حجر (٥/ ٢٩٢)].

وقد تَقدَّم في «باب الإيمان بالملائكة» أنَّ الله تعالى أَكْرَمهم وكلَّفهم بعباداتٍ كثيرةٍ ومتنوِّعةٍ مِنْ عباداتٍ قلبيَّةٍ وقوليَّةٍ وفعليَّةٍ، وقد تتَّفِقُ مع العبادات التي كُلِّفَ بها الإنسُ ـ وإِنِ اختلفَتْ في الصفة والعدد ـ لكِنْ لا يَلْزَمُ أنهم مُساوُونَ للبشر في نوع العبادة في شريعة الإسلام؛ وقد نَقَل ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«الفتح» (٢/ ٤)] عن ابنِ العربيِّ المالكيِّ ـ رحمه الله ـ وغيرِه «أنَّ الملائكة ليسوا مكلَّفين بمِثْلِ ما كُلِّفَ به الإنسُ»؛ علمًا أنَّ الله كلَّفهم بأعمالٍ خاصَّةٍ بهم تتَّفِقُ مع أجسامهم وخِلْقتهم، وقد وَصَفهم اللهُ تعالى بالعبوديَّة بقوله: ﴿بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦﴾ [الأنبياء]، وبيَّن أنهم يُؤْمَرون ويُطِيعون في قوله تعالى: ﴿لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦[التحريم]، وقولِه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٥٠[النحل].

كما بيَّن اللهُ تعالى أنَّ جميعَ أعمالِهِم وعباداتِهم إنما هي امتثالٌ وطاعةٌ خالصةٌ لأوامر الله وبإذنٍ منه في مِثْلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَ[مريم: ٦٤]؛ ويدلُّ عليه سببُ نزولِ هذه الآية، فقَدْ أَخرجَ البخاريُّ ـ رحمه الله ـ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لِجِبْرِيلَ: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟» فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَ[مريم: ٦٤]» [أخرجه البخاريُّ في «بدء الخَلْق» (٦/ ٣٠٥) بابُ ذِكْرِ الملائكة، وفي «التفسير» (٨/ ٤٢٨) باب: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا[مريم: ٦٤]].

قال السفَّارينيُّ ـ رحمه الله ـ في [«لوامع الأنوار» (٢/ ٢٨٩)]: «والحاصل أنَّ نبيَّنا محمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مبعوثٌ إلى الثَّقَلين بالإجماع، ورسالتُه مُطبِّقةٌ جميعَ الأكوان، ولا الْتفاتَ لزعمِ بعضِ مُلْحِدي أهلِ الكتاب مِنْ خصوصِ رسالته للعرب؛ لأنَّ هذا مُكابَرةٌ باطلةٌ ومُغالَطةٌ عاطلةٌ؛ لوجوهٍ بديهيَّةِ البرهان، منها: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لا يكذب، وقد أُنْزِلَ عليه في مُحْكَمِ القرآن: ﴿قُلۡ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا[الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ[سبأ: ٢٨]».

هذا، وقد جَعَل اللهُ تعالى لنبيِّه محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم آيةً علميَّةً وحجَّةً عقليَّةً خالدةً، وهي القرآنُ الكريم الذي أنزله آخِرَ الكُتُبِ وخاتمَها، وأشملَها وأعظمَها وأكملَها؛ فهي آيةٌ ومُعجِزةٌ مُستمِرَّةٌ دائمةٌ، يخضع لها ويهتدي بها كُلُّ مَنْ سَمِعها وفَهِمها؛ فهو مُعْجِزٌ في لفظه ومعناه، لا يُشْبِهُ شيئًا مِنْ كلام المربوبين، ولا يقدر على مِثْلِه أحَدٌ مِنَ المخلوقين؛ ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨[الإسراء]؛ فالقرآنُ وحيُ اللهِ تعالى، أنزله على أكملِ صورةٍ مِنْ صُوَرِ الوحي، ضمَّنَ فيه مَحاسِنَ ما قبله، وزادهُ مِنَ الكمالات ما ليس في غيره، منها: جمعُه لحِكَمٍ وأحكامٍ، ولعلومٍ ومَعارفَ لا تنقضي عجائبُها ولا تنتهي فوائدُها، وضَّح النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ما فيه مِنَ الحلال والحرام، وأصَّل الأصولَ وفصَّلها حتَّى استتمَّ هذا الدِّينُ واستقام، كما اشتمل هذا القرآنُ على الدعوة والحجَّة والإخبار بما سيكون؛ فعمَّ نفعُه مَنْ حَضَر ومَنْ غاب، ومَنْ وُجِد ومَنْ لم يُوجَدْ؛ فكان آيةً ومُعجِزةً علميَّةً كبرى اختُصَّ بها نبيُّنا محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم دون سائر الأنبياء؛ وليس معنَى ذلك أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لم يُؤْتَ مِنَ الآياتِ والمُعجِزات ما أُوتِيَ مَنْ تَقدَّمه، بل ظَهَر له منها الكثيرُ: كانشقاق القمر، ونبعِ الماء مِنْ بين أصابعه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وتسبيحِ الحصى، وحنينِ الجذع، ورجفِ الجبل، وإخبارِ ذراع الشاة أنها مسمومةٌ، ونحوِ ذلك ممَّا يقتضي أنَّ حَصْرَ آياتِه ومُعجِزاته صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في القرآن الكريم غيرُ مُرادٍ، «بل المرادُ: أنه المُعجِزةُ العُظْمى التي اختُصَّ بها دون غيره؛ لأنَّ كُلَّ نبيٍّ أُعْطِيَ مُعجِزةً خاصَّةً به لم يُعْطَها ـ بعينها ـ غيرُه تَحدَّى بها قومَه، وكانَتْ مُعجِزةُ كُلِّ نبيٍّ تقع مُناسِبةً لحالِ قومه: كما كان السحرُ فاشيًا عند فرعون؛ فجاءه موسى بالعصا على صورةِ ما يصنع السَّحَرةُ، لكنَّها تَلقَّفَتْ ما صنعوا، ولم يقع ذلك ـ بعينه ـ لغيره، وكذلك إحياءُ عيسى الموتى وإبراءُ الأكمهِ والأبرص؛ لكونِ الأَطِبَّاءِ والحُكَماءِ كانوا ـ في ذلك الزمان ـ في غاية الظهور؛ فأتاهم مِنْ جنسِ عملِهم بما لم تَصِلْ قدرتُهم إليه؛ ولهذا لمَّا كان العربُ الذين بُعِثَ فيهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الغاية مِنَ البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تَحدَّاهم أَنْ يأتوا بسورةٍ مِثْلِه فلم يقدروا على ذلك» [«فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٦)].

فآياتُ الأنبياءِ السابقين ومُعجِزاتُهم قد انقرَضَتْ بانقراضِ أعصارهم؛ لكونها حسِّيَّةً تُشاهَدُ بالبصر، ولم يُشاهِدْها إلَّا مَنْ حَضَرها: كعدمِ حَرْقِ النار لإبراهيم عليه السلام، وناقةِ صالحٍ عليه السلام، وتحويلِ عَصَا موسى عليه السلام أفعَى وانفلاقِ البحر له، وما ظَهَر على يدَيْ عيسى عليه السلام مِنْ إحياء الموتى، وغيرها مِنَ الآيات الحسِّيَّة البصريَّة، ولا يخفى أنَّ الذي يُشاهَدُ بعين الرأس ينقرض بانقراضِ مُشاهِده.

في حينِ أنَّ مُعجِزةَ القرآنِ خالدةٌ ومُستمِرَّةٌ إلى قيام الساعة؛ فلا يمرُّ عصرٌ مِنَ الأعصار إلَّا ويظهر فيه شيءٌ ممَّا أخبر به أنه سيكون يدلُّ على صدقِ دعواهُ؛ ذلك لأنَّ مُعجِزةَ القرآنِ علميَّةٌ عقليَّةٌ، وما يُشاهَدُ بعين العقل باقٍ يُشاهِدُه كُلُّ مَنْ جاء بعد الأوَّلِ مُستمِرًّا، [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٧)].

وقد أَفصحَ المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ عن هذا المعنى في [«مجالس التذكير مِنْ كلام البشير النذير» (٣٤)] بقوله: «آياتُ الرُّسُلِ صلواتُ اللهِ عليهم كانَتْ مُعجِزاتٍ كونيَّةً لا يشهدها إلَّا مَنْ حَضَرها، ثمَّ تبقى أخبارًا يمكن للجاحد إنكارُها، ويتأتَّى للمُشاغِبِ أَنْ يصنع مِنَ الخُزَعْبَلاتِ والمَخارقِ ما يُموِّهُ به على ضَعَفةِ العقول ويدَّعِيَ مُمَاثلتَها؛ وآيةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهي القرآنُ العظيمُ ـ مُعجِزةٌ علميَّةٌ عقليَّةٌ يخضع لسلطانها كُلُّ مَنْ يسمعها ويفهمها، ولا يستطيع مُعارَضتَها، لا في لفظها وأسلوبها وبيانها الذي عَجَزَتْ عن مُعارَضةِ أقصرِ سُوَرِه العربُ ـ على ما كان مِنْ حَمِيَّتِها وأَنَفَتِها وشدَّةِ رغبَتِها في إبطالها ـ لو وَجَدَتْ سبيلًا إليها فقط، بل لا تُستطاعُ مُعارَضتُها فيما اشتملَتْ عليه مِنْ أصول العلوم التي يحتاج إليها البشرُ في كمالهم وسعادتهم أفرادًا وجماعاتٍ وأُمَمًا، وما اشتملَتْ عليه مِنَ الأدلَّة القاطعة والحِكَمِ الباهرة في كُلِّ ما دَعَتْ إليه، إلى ما اشتملَتْ عليه مِنْ حقائقَ كونيَّةٍ كانَتْ مجهولةً عند البشر حتَّى كَشَفها العلمُ في هذا العصر، مِثْل انبِنَاءِ الخَلْقِ كُلِّه على أساس الزوجيَّة في أشياءَ كثيرةٍ؛ مِصْداقَ قولِه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ[فُصِّلَتْ: ٥٣]؛ فبهذا كانَتْ آيةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أعظمَ الآياتِ وأبقاها، وكانت مُغْنِيَةً عن غيرها كافيةً عمَّا عَدَاها، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ[العنكبوت: ٥١]».

وتفريعًا على مَا تَقدَّمَ فإنه لم يُعْرَفْ لكتابٍ مِنَ الكُتُب ـ قديمًا وحديثًا ـ توجيهُ عنايةِ العلماء بمَضامينه بجميعِ جوانبِه وتفاصيله ـ دراسةً وبحثًا ـ مِثْلَ ما لهذا القرآن الكريم، بالنظر إلى كثرةِ فوائدِه وعمومِ نفعه وسُمُوِّ موضوعاته وسِحْرِ بيانه وجودةِ بلاغته وقوَّةِ تأثيره؛ الأمرُ الذي دَفَعَ بالعلماء إلى أَنْ وجَّهوا عنايَتَهم الفائقةَ لدراسةِ عقائده وتشريعاته وأحكامه وآدابه، وشرحِ ألفاظه، وتفسيرِ معانيه، وبيانِ تراكيبه؛ فتَكوَّنَتْ ـ بهذه الدراساتِ والبحوث ـ ثروةٌ ضخمةٌ مِنَ العلم والأدب تزخر بها أمَّةُ الإسلام، وتبقى مادَّتُها صالحةً لحياة البشر وسعادتِهم الدنيويَّة والأخرويَّة، ومُصْلِحةً لهم في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ لذلك كانَتْ رَجَاةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قد تَحقَّقَتْ؛ فإنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أكثرُ الأنبياءِ تَبَعًا يومَ القيامة.

قال المصنِّف ـ رحمه الله ـ في [«مجالس التذكير مِنْ حديثِ البشير النذير» (٣٥)] ـ مؤكِّدًا هذه الرَّجَاةَ بكثرة الأتباع ـ ما نصُّه: «لمَّا بَقِيَتْ هذه الآيةُ الكبرى على العصور، وانبنَتْ على الاحتجاج بالعلم والعقل؛ كان لها ـ في كُلِّ عصرٍ ـ أتباعُها الكثيرون عن اقتناعٍ واطمئنانٍ، ويزداد ويكثر عددُهم بتوالي الأزمان، ويكثر الداخلون فيهم بقَدْرِ ما يزداد تقدُّمُ البشرِ في العلم والعرفان، وقد شُوهِدَ هذا اليومَ وقبل اليوم، ونحن نرى ـ في هذا العصر ـ كيف ينتشر الإسلامُ ـ تِباعًا لهذه الآيةِ ـ بين الأُمَم وفي علمائها، دون نشرٍ للدعوة مِنَ المسلمين تُبيِّنُها، ولا قوَّةٍ لهم تؤيِّدُها، وإنما بما فيه مِنْ علمٍ وحجَّةٍ وأدبٍ وحكمةٍ تُخْضِعُ العقولَ وتَجذب القلوبَ؛ ولهذا فرَّع النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على كونِ آيَتِه وحيًا ـ رجاءَ أَنْ يكون أكثرَ الأنبياءِ ـ صلواتُ اللهِ عليهم ـ أتباعًا يومَ القيامة، الذي تظهر فيه التابعيَّةُ الصادقة؛ فقال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» [سيأتي تخريجه]».

هذا، وقد تعهَّدَ اللهُ بحفظِ كتابه إلى أَنْ يرفعه إليه ـ كما تَقدَّم ـ فقيَّض له رجالًا أُمَناءَ حَفِظوه في صدورهم وسطورهم؛ فصانَهُ مِنْ أَنْ تمتدَّ إليه يدُ التحريف والتصحيف والتبديل والتغيير؛ فبقي «في أمَّتِه محفوظًا لم تَجْرِ عليه زيادةٌ ولا نقصانٌ كما وَعَدَ اللهُ بقوله: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩[الحِجْر]، وهو كما قال: ﴿وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١ لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦ[فُصِّلَتْ: ٤١ ـ ٤٢]» [«الاعتقاد» للبيهقي (١١٧)].

وجَعَل اللهُ القرآنَ الكريم شاهدًا وأمينًا وحاكمًا ومصدِّقًا لِمَا تَقدَّمه مِنَ الكُتُب السماويَّة، مؤيِّدًا للحقِّ الذي فيها مِنْ: توحيد الله في عبادته، والإيمانِ برُسُله، والتصديقِ باليوم الآخِرِ وما يقع فيه مِنَ الجزاء، ورعايةِ الحقِّ والعدل، والتخلُّقِ بالأخلاق الفاضلة، ومُهَيْمِنًا عليه ورقيبًا ومبيِّنًا لِمَا وَقَع فيها مِنْ تحريفٍ وتبديلٍ، وأَمَر اللهُ تعالى أَنْ يحكم بالقرآن بين الناس كافَّةً على اختلافِ أجناسهم ولُغاتِهم وديانتهم؛ فقال: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ[المائدة: ٤٨].

فعُلِم بذلك أنَّ القرآن الكريم نَسَخ كُلَّ ما سَبَقه مِنْ كُتُبِ الله تعالى لفظًا وحكمًا؛ فلا يُعْمَلُ بما فيها مِنْ شرائعَ وأحكامٍ، ولا يُتعبَّدُ بتلاوتها؛ لأنَّ الكُتُبَ السماويَّة الأولى فَقَدَتِ الهدى والنورَ والرحمة والموعظة التي حملَتْها لأجيالها الأوَّلين، ولم تَعُدْ تُمثِّلُ ـ بعد التحريف والتبديل ـ حقيقةً كُتُبَ اللهِ تعالى، ولا باستطاعتها الإصلاحُ، ولا هي قادرةٌ على الهداية لأهلها، فضلًا عن سائر الخَلْق؛ لِمَا تَطرَّقَ إليها مِنْ زيادةٍ ونقصٍ وتحريفٍ وتبديلٍ، ولخصوص أحكامها وتشريعاتها ببني إسرائيل؛ فهي مُعيَّنةُ الأجيال ومحدَّدةُ الأوقات؛ فجاء البيانُ مِنَ الله تعالى بأنَّ الدِّينَ الإسلاميَّ نَسَخَ سائرَ الأديانِ السابقة، وأنَّ القرآن نَسَخ غيرَه مِنَ الكُتُب السماويَّة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ[آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥ [آل عمران]. وهكذا أكمل اللهُ دِينَهُ الحقَّ بخاتمة الرُّسُل محمَّدٍ الأمين صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الذي بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونَصَح الأمَّةَ وجاهَدَ في الله حقَّ جهادِه؛ مُمْتثِلًا لقوله تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥ[المائدة: ٦٧].

وقام صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ـ طيلةَ حياتِه الدعويَّة ـ بأعمالٍ كبرى تُبَلْوِرُ نجاحَه في مَهَمَّته الرساليَّة، تمثَّلَتْ في إحداثِ تغييرٍ جذريٍّ وشاملٍ على الأوضاع والعقول والقلوب، وعلى نظام الحياة الذي دَرَج عليه أهلُ الجاهليَّة: فقضى على الوثنيَّة ومَظاهِرِها، وأحلَّ مَحَلَّها التوحيدَ الخالص والإيمانَ بالله واليوم الآخِر، وأزال رذائلَ الجاهليَّةِ وقبائحَها وعيوبَها ونقائصها، واستبدل مكانَها الفضائلَ والمكارم والآداب والكمالات، وحارَبَ الخرافاتِ التي لوَّثَتِ العقولَ والسلوكاتِ المُنْحرِفةَ التي شوَّهَتِ الفِطَرَ؛ فمَحَا ـ بفضل الله ـ مَعالِمَ الشرِّ وألوانَ الفساد، واستبدل بدلَهَا الحقائقَ التي تنير العقولَ وتُوقِدُ الضمائر، وتزكِّي النفوسَ وتسمو بالأخلاق، وتُقِيمُ الأعمالَ وتُصْلِحُ الأحوالَ، وتنظِّم الاجتماعَ البشريَّ على أكملِ نظامٍ؛ فوحَّد صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الأمَّةَ الإسلاميَّة، وأقام دولةً كبرى تحت راية القرآن الذي حَفِظه اللهُ مِنَ الضياع وصانَهُ مِنَ التحريف والتبديل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩﴾ [الحِجْر].

فاكتمل بناءُ الإصلاح الدينيِّ؛ فتمَّتْ نعمةُ الله على الناس جميعًا بدِينِه الحقِّ؛ ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا[المائدة: ٣]؛ فخُتِمَتِ الرسالةُ ـ بهذا ـ وانقطعَتِ النبوَّةُ، وبقِيَتِ الشريعةُ المحمَّديَّةُ شريعةً جامعةً لِمَا سَبَق مِنَ التشريعات، واستمرَّ القرآنُ الكريم روحًا محفوظًا بحفظ اللهِ تَحْيَا به القلوبُ، وتسمو به النفوسُ والأرواحُ، وتُنارُ به العقولُ، وتحيا به مَصالِحُ الدنيا والدِّين؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢﴾ [الشورى].

هذا، والمتأمِّل في مُعجِزةِ القرآن التي أيَّد اللهُ بها نبيَّه الأمِّيَّ، وما وفَّقه إليه مِنَ القيام بواجبِ تبليغ الرسالة وأداءِ الأمانة خيرَ قيامٍ، وما حقَّقه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنَ الأعمال الكبرى السالفةِ البيان: مِنْ تغيير القلوب والعقول وإحيائها، وإنارةِ البصائر، وتربية الأمَّة، وتكوين الدولة في زمنٍ يسيرٍ جدًّا؛ يتَّضِحُ له ـ بجلاءٍ ـ أنَّ سِرَّ المُعْجِزةِ القرآنيَّة وآياتِها العلميَّة الخالدة يفوق ـ على الإطلاق ـ المُعْجِزاتِ الكونيَّةَ والخوارقَ الحسِّيَّةَ التي أيَّد اللهُ بها أنبياءَه الكرام؛ ذلك لأنَّ إحياءَ أمَّةٍ أُمِّيَّةٍ غارقةٍ في الجهل والضلال والفساد والرذيلة، ثمَّ تحويلَها ـ في ظرفٍ زمنيٍّ قصيرٍ ـ إلى أمَّةِ هدايةٍ ومصدرِ يقينٍ ومَنْبَعِ إشعاعٍ لَهُوَ الأمرُ الخارق الذي لا يُضاهيهِ خارقٌ، بل تَتضاءَلُ ـ في جانِبه ـ جميعُ المُعْجِزاتِ والخوارق.

(٦) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٧) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.ش».

(٨) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ، م.ر.ب».

(٩) هو الصحابيُّ الجليل الحافظ أبو هريرة عبدُ الرحمن بنُ صخرٍ الدوسيُّ اليمانيُّ المعروف بكنيته رضي الله عنه، فهو أوَّلُ المُكْثِرين مِنْ رواية الحديث على الإطلاق، وله في كُتُب الحديث: أربعةٌ وسبعون وثلاثُمائةٍ وخمسةُ آلافِ حديثٍ (٥٣٧٤)، حدَّث عنه خلقٌ كثيرٌ مِنَ الصحابة والتابعين، وَلِيَ إمرةَ المدينة، وناب عن مروان في إمرتها، وله فضائلُ ومناقبُ؛ تُوُفِّيَ رضي الله عنه سَنَةَ: (٥٧ﻫ).

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ٣٦٢، ٤/ ٣٢٥)، «التاريخ الصغير» للبخاري (١/ ١٢٥)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٤/ ١٧٦٨)، «أُسْد الغابة» لأبي الحسن بنِ الأثير (٥/ ٣١٥)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (٢/ ٥٧٨) و«طبقات القُرَّاء» (١/ ٤٣) كلاهما للذهبي، ومؤلَّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (١٩٨).

(١٠) «م.ر.ش، م.ف»: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ».

(١١) «م.ر.أ، م.ر.ب، م.ف»: «أُوتِيتُهُ».

(١٢) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ف».

(١٣) هو أبو عبد الله محمَّد بنُ إسماعيل بنِ إبراهيم بنِ المغيرة البخاريُّ الجُعْفيُّ مولاهم، أميرُ المؤمنين في الحديث، شَهِد له الأئمَّةُ بعُلُوِّ مَنْزلته وعظيمِ قدره، فأخبارُه مع شيوخه وأهلِ العلم وأخبارُ حِفْظِه وإتقانه كثيرةٌ، له رحلتان، روى عن الإمام أحمد وغيرِه، وروى عنه مسلمٌ ـ في غير «الصحيح» ـ والترمذيُّ والنسائيُّ وسواهم، شُهرتُه تقوم على كتابه: «الجامع الصحيح»، وهو أوَّلُ مصنَّفٍ صُنِّف في الصحيح المجرَّد، واتَّفق العلماءُ على أنَّ أصحَّ الكُتُب المصنَّفة: صحيحَا البخاريِّ ومسلمٍ، واتَّفق الجمهورُ على أنَّ «صحيح البخاريِّ» أَصَحُّهما صحيحًا وأكثرُهما فوائد، وللبخاريِّ تصانيفُ أخرى منها: «التاريخ الكبير»، و«التاريخ الأوسط»، و«التاريخ الصغير»، و«الأدب المُفْرَد»، و«الكُنى»؛ تُوُفِّيَ ـ رحمه الله ـ سَنَةَ: (٢٥٦ﻫ) وله (٦٢) سَنَةً.

انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٧/ ١٩١)، «تاريخ بغداد» للخطيب (٢/ ٤)، «اللباب» لابن الأثير (١/ ١٢٥)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (١٢/ ٣٩١)، «التهذيب» لابن حجر (٩/ ٤٧)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٣٤٣).

(١٤) هو أبو الحسين مسلمُ بنُ الحجَّاج القُشَيْريُّ النيسابوريُّ، أحَدُ الأئمَّة مِنْ حُفَّاظ الحديث، تقوم شهرتُه ومكانتُه على كتابه: «الجامع الصحيح» الذي يفضِّله المغاربةُ على «صحيح البخاري»؛ لِمَا امتاز به مِنْ جمعِ الطُّرُق وجودةِ السياق والمحافظةِ على أداء الألفاظ مِنْ غير تقطيعٍ ولا روايةٍ بالمعنى؛ هذا، وقد كان مسلمٌ مِنْ أوعية العلم، ثِقَةً جليلَ القَدْر، له مؤلَّفاتٌ أخرى منها: «العِلَل» و«الأسماء والكُنَى» و«الطبقات» و«التاريخ»؛ تُوُفِّيَ ـ رحمه الله ـ سَنَةَ: (٢٦١ﻫ).

انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٨/ ١٨٢)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١٣/ ١٠٠)، «اللباب» لأبي الحسن بنِ الأثير (٣/ ٣٨)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (١٢/ ٥٥٧)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٣٣)، ومؤلَّفي: «الإعلام» (٣٩٣).

مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «فضائل القرآن» (٩/ ٣) باب: كيف نَزَلَ الوحيُ؟ وأوَّلِ ما نَزَلَ، وفي «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» (١٣/ ٢٤٧) بابُ قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِم»، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ١٨٦) بابُ وجوبِ الإيمان برسالةِ نبيِّنا محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم إلى جميع الناس، ونسخِ المِلَلِ بمِلَّتِه، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

قال الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ في شرحِه لهذا الحديثِ في [«مجالس التذكير مِنْ حديثِ البشير النذير» (٣٤)] ما نصُّه: «فما مِنْ نبيٍّ مِنَ الأنبياء إلَّا وقد أعطاهُ اللهُ مِنَ الآيات والمُعْجِزاتِ ما مِثْلُه ـ في وضوحه وظهوره والعجزِ عن مُعارَضته ـ ما يُؤْمِنُ عليه العبادُ ويتَّفِقون عليه، لولا ما يصدُّهم عنه مِنَ العناد؛ وهو معنَى قولِه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ»؛ والنبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد أُوتِيَ مِثْلَ هذه الآياتِ، وقد نَقَل الكثيرَ منها كثيرٌ مِنْ أصحابه رضي الله عنهم، واشتهرَتْ عند أئمَّةِ الحديث والنقل؛ غيرَ أنَّ آيَتَه الخالدةَ الدائمةَ ـ كعمومِ رسالتِه ودوامِها ـ هي: القرآنُ العظيم، وهو الوحيُ الذي أَوْحاهُ اللهُ إليه؛ فهي المعوَّلُ عليها في دوامِ الحجَّةِ على تَعاقُبِ العصور والأجيال؛ إذ لا يقوم غيرُها مَقامَها في بقائها مُشاهَدةً لجميع الناس؛ ولذا حَصَر آيَتَه فيها فقال: «وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ»».

ثمَّ تابَعَ ـ رحمه الله ـ في سياق الدعوة إلى الائتساء بسُنَنِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ونشرِ هدايَتِه وتبليغِ حجَّتِه فقال في [(٣٦)]: «وقد رَجَا النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كثرةَ أتباعِه لدوامِ وظهورِ آيَتِه الخالدة وهي القرآنُ العظيم؛ فعلى الناشرين لهدايَتِه والمبلِّغين لدعوته أَنْ يجعلوا القرآنَ إمامَهم وحجَّتَهم ومَرْجِعَهم؛ فإنه هو كتابُ الدعوةِ ومنشورُ الهدايةِ ومُظْهِرُ الحجَّة؛ وأتباعُ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم هم أتباعُ القرآن وخُلَفاؤه في التبليغ، ووَرَثتُه في العلم هم الذين يبلِّغون القرآنَ ويَتْلُون القرآنَ ويُنْذِرون بالقرآن، كما كان هو صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كذلك، وكما قال الله فيه: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ[المائدة: ٦٧]، ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ[الأنعام: ١٩]، ﴿إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١ وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَ[النمل: ٩١ ـ ٩٢]؛ جَعَلنا اللهُ ممَّنِ اتَّبعوا سُنَّتَه ونشروا هدايَتَه وبلَّغوا حُجَّتَه، غيرَ مُبدِّلين ولا مُغيِّرين».

وأخيرًا، فقَدْ رأيتُ مِنَ المُفيد أَنْ ألخِّص ـ في هذا الباب ـ جملةً مِنَ الواجبات على الأمَّة تُجاهَ النبيِّين ـ عامَّةً ـ وخاتمِ المُرْسَلين ـ خاصَّةً ـ ممَّا سَلَف ذِكْرُه، وأُضِيفَ إليها واجباتٍ أخرى على النحو التالي:

١ ـ وجوب الإيمان بالأنبياء والمُرْسَلين عليهم السلام؛ فإنه جزءٌ مِنْ عقيدة المؤمن وأصلٌ مِنْ أصول الإيمان لا يقبل التجزئةَ؛ إذ لا يصحُّ إيمانُ العبد ولا تكمل عقيدتُه إلَّا بالإيمان بالأنبياء والرُّسُل عليهم السلام، بل الإيمانُ بالله يستلزم الإيمانَ بكُلِّ ما أمَرَ اللهُ بالإيمان به مِنَ: الملائكة والكُتُبِ والرُّسُل واليوم الآخِرِ والقضاء والقَدَر وغيرِ ذلك، وقد جاء أمرُ اللهِ تعالى بالإيمان بالرُّسُل صريحًا ومؤكَّدًا في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُ[النساء: ١٣٦]، وقولِه تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦ[البقرة: ٢٨٥].

وعليه، فيجب على العبد أَنْ يؤمن بكُلِّ مَنْ عَرَف نبوَّتَه ورسالتَه عن طريق الوحي الإلهيِّ إيمانًا تفصيليًّا، فيؤمن بهم جميعًا مِنْ غير تفريقٍ؛ فلا يصحُّ الإيمانُ برسالةِ بعضٍ والكفرُ برسالةِ بعضِهم الآخَرِ: كما هو صنيعُ اليهود الذين آمَنوا بأنبياءِ بني إسرائيل وكفروا بعيسى ابنِ مريم ومحمَّدٍ صلَّى الله عليهما وسلَّم، والنصارى الذين آمَنوا بكافَّةِ الأنبياء، وكفروا بخاتمهم محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم.

لذلك يُعَدُّ الكفرُ بواحدٍ منهم كفرًا بجميعهم؛ وبهذا الصدد يجدر إعادة نقل فقرتين ممَّا تقدَّم ذِكره: قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٤/ ٢٢٣)]: «ومَنْ كذَّب رسولًا فكأنَّما كذَّب جميعَ الرُّسُلِ كقوله جلَّ وعَلَا: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥[الشُّعَراء]، وإنَّما جاءهم رسولٌ واحدٌ؛ فهُمْ ـ في نفسِ الأمر ـ لو جاءهم جميعُ الرُّسُلِ كذَّبوهم».

والمكذِّبُ بالرُّسُل متوعَّدٌ بالعذاب المُهين كما جاء التبيانُ القرآنيُّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١[النساء]؛ قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (١/ ٥٧٢) بتصرُّف]: «يتوعَّدُ ـ تَبارَكَ وتعالى ـ الكافرين به وبرُسُله مِنَ اليهود والنصارى، حيث فرَّقوا بين الله ورُسُله في الإيمان: فآمَنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعضٍ بمجرَّد التشهِّي والعادة وما أَلْفَوْا عليه آباءَهم، لا عن دليلٍ قادَهم إلى ذلك فإنه لا سبيلَ لهم إلى ذلك، بل بمجرَّد الهوى والعصبيَّة: فاليهودُ ـ عليهم لعائنُ الله ـ آمَنوا بالأنبياء إلَّا عيسى ومحمَّد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمَنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفِهم محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم.. والمقصودُ أنَّ مَنْ كَفَرَ بنبيٍّ مِنَ الأنبياء فقَدْ كَفَر بسائر الأنبياء؛ فإنَّ الإيمان واجبٌ بكُلِّ نبيٍّ بَعَثه اللهُ إلى أهل الأرض؛ فمَنْ ردَّ نبوَّتَه للحسد أو العصبيَّة أو التشهِّي تَبيَّنَ أنَّ إيمانه بمَنْ آمَنَ به مِنَ الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًّا، إنما هو عن غرضٍ وهوًى وعصبيَّةٍ».

٢ ـ وجوب الاعتقاد بأنَّ الرسالة أو النبوَّةَ مِنحةٌ إلهيَّةٌ لا تُنالُ بمُجرَّدِ التشهِّي والرغبة، ولا بالكسب والمجاهَدة والمعاناة، وإنما هي لله وَحْدَه يَهَبُها مَنْ أهَّلَه لها مِنْ عباده المؤمنين؛ فإذا اختار اللهُ رسولًا واصطفاهُ لنَفْسِه فلا بُدَّ أَنْ يختار أَطْهَرَ البشرِ قلبًا، وأكملَهم علمًا وعملًا، وأصدقَهم وأبرَّهم أخلاقًا، وأزكاهم فضلًا وأقواهم كمالًا وأشرفَهم نَسَبًا؛ لا يلحقهم ـ في تلك الصفاتِ ـ أحَدٌ؛ لذلك يجب محبَّتُهم وتعظيمهم، ومع ذلك يَحْرُمُ الغُلُوُّ فيهم ورفعُهم فوق منزلتهم؛ فهُمْ بشرٌ ممَّنْ خَلَق، يجوز في حقِّهم ـ شرعًا وعقلًا ـ ما يجوز على البشر مِنَ الأكل والشرب والنوم والمشي والجلوس والنكاح والبيع والشراء وسائرِ الأعراض والأغراض البشريَّة التي لا تُفْضي إلى عيبٍ في مراتبهم أو نقصٍ في كمالاتهم العَلِيَّة؛ قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ[الفرقان: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَ[المائدة: ٧٥]، كما أنهم بشرٌ تَمتدُّ إليهم أيدي العدوان والظلم، وينالُهُم الاضطهاد، وقد يَصِلُ إلى حدِّ قتلِهم، كما أخبر اللهُ تعالى ـ عن بني إسرائيل ـ بقوله: ﴿وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ[آل عمران: ١١٢]، ﴿وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ[آل عمران: ١٨١]؛ فيعتري الأنبياءَ والرُّسُلَ ما يعتري سائرَ البشر فيما لا علاقةَ له بتبليغ الشرع والأحكام عن الله تعالى.

كما يجب الإيمانُ بأنَّ الأنبياء والرُّسُلَ معصومون فيما يخبرون عن الله تعالى وفي تبليغ رسالاته، والعصمةُ في ذلك معلومةٌ بدليل الشرع والعقل والإجماع؛ فهي التي يحصل بها مقصودُ الرسالة والنبوَّة، وهُمْ ـ أيضًا ـ معصومون مِنَ الكبائر، مع جواز وقوع الصغائر منهم، لكِنْ لا يُصِرُّون ولا يُقَرُّون عليها، بل يُوفَّقون للتوبة منها، ويكون الاقتداءُ بهم في التوبة منها.

٣ ـ وجوب تصديقهم فيما أيَّدَهم اللهُ به مِنَ البيِّنات والآيات، واعتقادُ أنهم بلَّغوا جميعَ ما أُرْسِلوا به على ما أَمَرهم اللهُ به، وأنهم بيَّنوه بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا، لا يَسَعُ أحَدًا ممَّنْ أُرْسِلوا إليه جهلُه ولا يَحِلُّ خلافُه، [انظر: «شرح الطحاويَّة» لابن أبي العزِّ (٣٤٩)، «لوامع الأنوار» للسفَّاريني (٢/ ٢٦٩)، «شُعَب الإيمان» للبيهقي (١/ ٢٧٢)].

علمًا أنَّ الإيمان بالنبيِّ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ومُقتضَياتِ رسالته ـ عملًا واتِّباعًا ودعوةً ـ ضروريٌّ للنجاة مِنْ عذاب الله والفوزِ بنعيمه المُقيم؛ إذ لا نجاةَ للعبد مِنْ عذابِ الله إلَّا بتوحيدِ المُرْسِل وتوحيدِ مُتابَعةِ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم والسيرِ على نهجه؛ ذلك لأنَّ جميعَ السُّبُل غيرَ سبيله مسدودةٌ، وكُلَّ الأعمال على غيرِ هديِه مردودةٌ؛ ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١ قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢[آل عمران].

٤ ـ وجوب محبَّة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ـ وسائرِ الأنبياء والرُّسُل ـ وطاعته والانقياد له، والاهتداء بهديِه والائتمار بأمره، والكفِّ عمَّا نهى عنه، والتسليم المُطْلَق والرِّضا التامِّ بما جاء به وأخبر عنه، دون حرجٍ أو جدالٍ أو تعقيبٍ أو أخذِ بعضٍ وتركِ بعضٍ؛ فإنَّ التوقُّف والتطاولَ والمِراء والضيقَ ونحوَ ذلك مِنَ الاعتراضات تُناقِضُ مقتضى الإيمان به صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم نبيًّا ورسولًا، وقد جاءَتِ النصوصُ القرآنيَّة تُؤكِّدُ هذا المعنى في مثلِ قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ[النساء: ٨٠]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١[النور]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦[الأحزاب]، ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩[النساء]، ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣﴾ [النور].

قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في [«زاد المَعاد» (١/ ٣٨)]: «فلا يجب على أحَدٍ اتِّباعُ قولِ أحَدٍ سِواهُ، بل غايَتُه أنه يسوغ له اتِّباعُه، ولو تَرَك الأَخْذَ بقولِ غيرِه لم يكن عاصيًا لله ورسوله؛ فأين هذا ممَّنْ يجب على جميعِ المكلَّفين اتِّباعُه ويَحْرُمُ عليهم مخالَفتُه، ويجب عليهم تركُ كُلِّ قولٍ لقوله؟! فلا حُكْمَ لأحَدٍ معه، ولا قولَ لأحَدٍ معه، كما لا تشريعَ لأحَدٍ معه، وكُلُّ مَنْ سِواهُ فإنما يجب اتِّباعُه على قوله إذا أَمَرَ بما أَمَرَ به ونهى عمَّا نهى عنه؛ فكان مبلِّغًا محضًا ومُخْبِرًا، لا مُنْشِئًا ومؤسِّسًا؛ فمَنْ أنشأ أقوالًا وأسَّس قواعِدَ بحسَبِ فهمِه وتأويلِه؛ لم يجب على الأمَّةِ اتِّباعُها ولا التحاكمُ إليها حتَّى تُعْرَضَ على ما جاء به الرسولُ؛ فإِنْ طابقَتْهُ ووافقَتْه وشَهِدَ لها بالصحَّة قُبِلَتْ حينئذٍ، وإِنْ خالَفَتْه وَجَبَ ردُّها واطِّراحُها، فإِنْ لم يتبيَّنْ فيها أحَدُ الأمرين جُعِلَتْ موقوفةً، وكان أحسنُ أحوالها أَنْ يجوز الحكمُ والإفتاءُ بها وتركُه، وأمَّا أنه يجب ويتعيَّنُ فكَلَّا ولمَّا».

هذا، وصِدقُ المحبَّة إنما يكون بخلوص المُتابَعة له صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، والمُبادَرةِ إلى ما يُرْضي اللهَ ورسوله، وهما مِنْ لوازم المحبَّة الصادقة؛ قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢[التوبة]؛ وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١[آل عمران]؛ لأنَّ المؤمن لا يُقدِّمُ شيئًا على رِضَا ربِّه ورسولِه؛ فالرِّضَا بنبوَّة الرسول ورسالتِه واتِّباعُه مِنْ أعظمِ ما يُثْمِرُ الإيمانَ ويذوق به العبدُ حلاوتَه؛ قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» [أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ٢) باب الدليل على أنَّ مَنْ رضي بالله ربًّا وبالإسلام دِينًا وبمحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم رسولًا فهو مؤمنٌ وإِنِ ارتكب المعاصيَ الكبائر، مِنْ حديثِ العبَّاس بنِ عبد المطَّلِب رضي الله عنه].

وعليه، فلا يَتمُّ إيمانُ عبدٍ حتَّى يُقدِّمَ محبَّةَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم على محبَّةِ أحَبِّ الخَلْق إليه؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [والحديث مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ٥٨) باب: حُبُّ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنَ الإيمان، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ١٥) بابُ وجوبِ محبَّة رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أَكْثَرَ مِنَ الأهل والولدِ والوالد والناس أجمعين، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه]؛ ومِنْ علامات الحبِّ المذكور: «نصرةُ سنَّتِه والذبُّ عن شريعته وقمعُ مُخالِفِيها، ويدخل فيه بابُ الأمر بالمعروف والنهيِ عن المُنْكَر» [«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٥٩)]؛ وقد بيَّن ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ أنَّ في هذا الحديثِ إيماءً إلى فضيلة التفكُّر؛ فإنَّ الأحَبِّيَّة المذكورةَ تُعْرَفُ به؛ فقال ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (١/ ٥٩)]: «فإذا تَأمَّلَ النفعَ الحاصل له مِنْ جهة الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الذي أخرجه مِنْ ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ـ إمَّا بالمباشَرة وإمَّا بالسبب ـ عَلِم أنه سببُ بقاءِ نَفْسِه البقاءَ الأبديَّ في النعيم السرمديِّ، وعَلِم أنَّ نَفْعَه بذلك أعظمُ مِنْ جميعِ وجوه الانتفاعات؛ فاستحقَّ لذلك أَنْ يكون حظُّه مِنْ محبَّتِه أوفرَ مِنْ غيره؛ لأنَّ النفع الذي يُثيرُ المحبَّةَ حاصلٌ منه أكثرَ مِنْ غيره، ولكنَّ الناس يتفاوتون في ذلك بحسَبِ استحضارِ ذلك والغفلةِ عنه».

٥ ـ وجوب التأدُّب مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بتعظيمِ حقِّه على الأمَّة وتشريفِه واحترامِه، وتقديرِ شمائله وفضائله، وإجلالِه، والصلاة عليه إذا ذُكِرَ اسْمُه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦[الأحزاب]، وتوقيرِه حتَّى في النداء؛ فيناديه أو يذكره بالنبوَّة أو الرسالة في حياته وبعد مماته؛ ذلك لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم رسولُ الله وليس كواحدٍ مِنَ الناس؛ قال تعالى: ﴿لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗا[النور: ٦٣]، قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ شارحًا الآيةَ في [«تفسيره» (٦٧٤)]: «لا تجعلوا دُعاءَ الرسولِ إيَّاكم ودعاءَكم للرسول كدُعاءِ بعضِكم بعضًا: فإذا دعاكم فأَجيبوهُ وجوبًا، حتَّى إنه تجب إجابةُ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في حالِ الصلاة، وليس أحَدٌ إذا قال قولًا يجب على الأمَّةِ قَبولُ قولِه والعملُ به إلَّا الرسولَ؛ لعصمتِه وكونِنا مُخاطَبين باتِّباعه؛ قال تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡ[الأنفال: ٢٤]؛ وكذلك لا تجعلوا دُعاءَكم للرسول كدُعاءِ بعضِكم بعضًا؛ فلا تقولوا: «يا محمَّدُ» عند ندائكم، أو «يا محمَّدُ بنَ عبد الله» كما يقول ذلك بعضُكم لبعضٍ، بل مِنْ شرفِه وفضلِه وتَميُّزِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن غيره: أَنْ يقال: «يا رسولَ الله، يا نبيَّ الله»».

ومِنْ مظاهرِ استعظام النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: عدمُ تقديمِ قولِ غيره على قوله، بل الواجبُ متى استبانَتْ سُنَّةُ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وَجَبَ اتِّباعُها وتقديمُها على غيرها كائنًا ما كان، وعدمُ سبقِه بالقول أو رفعِ الصوت عند كلامه في حياته؛ ويستمِرُّ التوقيرُ والاحترام بعد وفاته بخفض الصوت في مسجده وعند قبره؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣[الحُجُرات]؛ ويبقى هذا التأدُّبُ مُستمِرًّا ـ أيضًا ـ عند سماع حديثه الشريف وسُنَّتِه المطهَّرة والإصغاءِ لها، والرِّضَا بها، والعمل بمقتضاها، وعدم الخروج عنها أو مُعارَضتها بالآراء الفاسدة.

ومِنْ مظاهرِ توقير النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: نصرتُه بإحياءِ سُنَّتِه، والاقتداءِ بها دون ابتداعٍ أو استدراكٍ، وإظهارِ شريعته، وإبلاغِ دعوته، وإنفاذِ وصاياهُ، وموالاةِ مَنْ كان يُوالي ومعاداةِ مَنْ كان يُعادي؛ قال تعالى: ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧[الأعراف]؛ والمسلمُ ـ في ذلك كُلِّه ـ مأمورٌ بالطاعة والاتِّباع ـ نصرةً للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ولشَرْعِه ـ لا بالابتداع؛ لكمال الدِّين الإسلاميِّ واغتنائه بما شَرَعه اللهُ ورسولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنَ العبادات والقُرُبات؛ فلا يزيد على ما شَرَعه اللهُ ورسولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم شيئًا؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢[البقرة]؛ فالآيةُ تدلُّ على أنه لا نجاةَ إلَّا لأهل الإخلاص ومُتابَعةِ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم؛ قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (١/ ١٥٤) بتصرُّف]: «﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ﴾ أي: مَنْ أخلص العملَ لله وَحْدَه لا شريكَ له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ﴾ الآية [آل عمران: ٢٠] ... فإنَّ للعمل المُتقبَّلِ شرطين: أحَدُهما: أَنْ يكون خالصًا لله وَحْدَه، والآخَرُ: أَنْ يكون صوابًا مُوافِقًا للشريعة؛ فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُتقبَّلْ؛ ولهذا قال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» رواهُ مسلمٌ مِنْ حديثِ عائشة عنه عليه السلام [أخرجه مسلمٌ ـ بهذا اللفظ ـ في «الأقضية» (١٢/ ١٦) بابُ نقضِ الأحكام الباطلة ورَدِّ مُحْدَثات الأمور، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها]؛ فعملُ الرُّهبانِ ومَنْ شابَهَهم ـ وإِنْ فُرِضَ أنهم مُخْلِصون فيه لله ـ فإنه لا يُتقبَّلُ منهم حتَّى يكون ذلك مُتابِعًا للرسول محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم المبعوثِ إليهم وإلى الناس كافَّةً ... وأمَّا إِنْ كان العملُ مُوافِقًا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكِنْ لم يُخْلِصْ عامِلُه القصدَ لله فهو ـ أيضًا ـ مردودٌ على فاعِلِه، وهذا حالُ المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢[النساء]... ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠[الكهف]».

٦ ـ ويتفرَّع على وجوب التأدُّب مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ونصرتِه: لزومُ الابتعاد التامِّ عن أيِّ إيذاءٍ له صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وبأيِّ قدرٍ منه؛ فإيذاؤه محرَّمٌ مهما اختلفَتْ أنواعُ الإساءةِ وأشكالُ الإيذاء، سواءٌ في حياته أو بعد موته؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ[الأحزاب: ٥٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١[التوبة]، يدخل في ذلك: الإيذاءُ القوليُّ: كالسبِّ والشتم واللمز والاستهزاء والسخرية والتعيير والاحتقار والكذب والافتراء عليه وغيرِها، والإيذاءُ العمليُّ: كالغدر والخيانة والتضييق والمنع والإيذاء الجسديِّ ونحوِ ذلك؛ قال تعالى: ﴿لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗا[آل عمران: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢[الفرقان]، وقال تعالى: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ[الممتحنة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَ[الأنفال: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْ[البقرة: ٢١٧]، وغيرها مِنَ الآيات الدالَّة على أساليب الإساءة القوليَّة والعمليَّة الممتدَّة إلى شخصه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أو إلى عِرْضِه أو إلى رسالته المتضمِّنةِ لدِينِ الله وشرعِه.

ويدخل في حيِّز إيذائه المحرَّم والإساءةِ إلى عِرْضه: إيذاؤُه بالطعن في زوجاته الكريمات الطاهرات، والإساءةِ إليهنَّ بسَبِّهنَّ وتحقيرِهنَّ والسخريةِ منهنَّ وعداوَتِهنَّ كما هو معلومٌ عند الرافضة الأنجاس وأضرابِهم؛ ولا يخفى أنَّ زوجاتِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم هنَّ زوجاتُه في الدنيا والآخرة وأمَّهاتُ المؤمنين بنصِّ القرآن الكريم: ﴿وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡ[الأحزاب: ٦].

كما يدخل في ذلك الحيِّز ـ أيضًا ـ: الإساءةُ إليه بالقدح في آلِ بيتِه الأطهار، والطعنِ في صحابته الأبرار رضي الله عنهم، وفي إخوانه التابعين الأخيار، أنصارِ السُّنَّة مِنْ حَمَلةِ الآثار وفُقَهاء الأمصار، ومَنْ تَبِعهم بإحسانٍ إلى يومِ القرار؛ وقد جاءَتْ نصوصٌ شرعيَّةٌ كثيرةٌ تَصِفُ الصحابةَ رضي الله عنهم بالخيريَّة والإيمان والنصرة ورِضَا اللهِ عنهم، منها: قولُه تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ[آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠[التوبة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗا[الأنفال: ٧٢ ـ ٧٤]؛ وقد وَرَدَ ـ في آياتٍ كثيرةٍ ـ تحريمُ أذِيَّةِ الصحابة رضي الله عنهم بقولٍ أو فعلٍ، منها: قولُه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨[الأحزاب]، وجاء النهيُ صريحًا عن سَبِّ الصحابة رضي الله عنهم بخصوصهم في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» [أخرجه مسلمٌ في «فضائل الصحابة» (١٢/ ٩٢) بابُ تحريمِ سبِّ الصحابة، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه البخاريُّ في «أصحاب النبيِّ» (٧/ ٢١) بابُ قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لو كنتُ متَّخِذًا خليلًا»، ومسلمٌ (١٢/ ٩٢)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه]، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» [أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ٥٢)، وأبو بكرٍ الخلَّالُ في «السُّنَّة» (٣/ ٥١٥)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٢٨٥)]؛ والحديثُ عامٌّ شاملٌ لمَنْ لابَسَ الفِتَنَ منهم متأوِّلًا أو مجتهدًا ولغيرِه؛ قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في [«شرحه على مسلم» (١٦/ ٩٣)]: «واعْلَمْ أنَّ سبَّ الصحابةِ رضي الله عنهم حرامٌ مِنْ فواحشِ المحرَّمات، سواءٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروبِ متأوِّلون».