«التصفيف السادس: بيانُ معنى الإسلام» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف السادس: بيـانُ معنى الإسلام»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الخَامِسَ عَشَرَ: يَجِيءُ لَفْظُ الإِسْلاَمِ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ مُرَادًا بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ العَقَائِدِ وَالأَعْمَالِ وَالأَحْكَامِ(١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾(٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾(٣)، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ…» الحديث(٤).

السَّادِسَ عَشَرَ: الإِسْلاَمُ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ الدِّينُ مَعْنَاهُ الاِنْقِيَادُ للهِ تَعَالَى ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالإِخْلاَصُ لَهُ فِيهِمَا(٥) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾(٦)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(٧)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾(٨).

السَّابِع عَشَرَ: الدِّينُ كُلُّهُ اِنْقِيَادٌ للهِ وَإِخْلاَصٌ لَهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ إِسْلاَمًا(٩) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾(١٠).

الثَّامِنَ عَشَرَ: وَيِجِيءُ الإِسْلاَمُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ(١١) أَيْضًا بِمَعْنَى الأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ الدَّالَّةِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ عَلَى الانْقِيَادِ وَالإِذْعَانِ، المَبْنِيَّةِ عَلَى التَّصْدِيقِ التَّامِّ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرِنِي عَنِ الإِسْلاَمِ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» قَالَ جِبْرِيلُ: «صَدَقْتَ»(١٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ(١٣).

التَّاسِعَ عَشَرَ: وَيَجِيءُ الإِسْلاَمُ بِمَعْنَى الاسْتِسْلاَمِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ إِيمَانٍ فِي القَلْبِ، وَهَذَا لاَ يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾(١٤)، وَلِحَدِيثِ سَعْدٍ(١٥): «أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا(١٦) -وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ- قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ(١٧)؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ مُسْلِمًا؟» فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ مُسْلِمًا؟» فَسَكَتُّ قليلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ مُسْلِمًا؟ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ»(١٨) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١٩).



(١) يُطْلَقُ لفظُ «الإسلام» على أحكام الدِّين جميعًا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وكذا الآيتان المستدَلُّ بهما، غير أنَّ المصنِّف ساق حديثَ ابن عمر رضي الله عنهما وليس فيه دلالةٌ على إرادة الدِّين كلِّه، وإنما أُطلق فيه لفظُ «الإسلام» على بعض أحكام الدين، ولعلَّ قَصْدَ المصنِّف عند إيرادها في هذا المقام النظرةُ المآلية لهذه الأحكام، فأطلق الإسلامَ على هذه الخمس لوجود ميزةٍ خاصَّةٍ بها وفضلٍ باعتبار أنها قواعد الدين والسبيلُ المؤدِّي إلى أحكامه، بمعنى أنَّ من فَعَلَها على وجهها الصحيح مكَّنه الله مِن فعلِ غيرها من فرائض الإسلام الأخرى، فكانت عنوانًا لبقيَّة الأحكام.

(٢) جزءٌ من الآية ١٩ من سورة آل عمران.

(٣) جزءٌ من الآية ٣ من سورة المائدة.

أخبر الله عزَّ وجلَّ أنَّ الدين الذي رَضِيَهُ ويقبله من عباده هو الإسلام، وهو المنهاج الذي أسلَمْنا لله تعالى بالإيمان به والانقياد له، فهو دين الله الذي أرسل به جميعَ رُسُله، ولن يكون الدين في محلِّ القَبول والرضى إلاَّ بانضمام التصديق إلى العمل [«شرح السنَّة» للبغوي (١/ ١١)].

(٤) تقدَّم تخريجه.

(٥) لفظ «الإسلام» يتضمَّن معنى الانقياد والطاعة والخضوع، مع التجرُّد والتعرِّي من الآفات المعارضة لهذا الخضوع، فالإسلام لله تعالى معناه الانقياد لأمر الله والتبرُّؤُ من الأنداد، وهو معنى شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله -كما تقدَّم-، لذلك كان لفظ الإسلام نقيضًا للَفظ «الشرك» كما أنَّ الإيمان ضدُّه الكفر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ. إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]، أي: أن يكون بقلبٍ سليمٍ من الأنداد والنظائر، مخلصٍ لله تعالى.

(٦) الآية ١٢٥ من سورة النساء.

(٧) الآية ١١٢ من سورة البقرة.

(٨) جزءٌ من الآية ٢٠ من سورة آل عمران.

(٩) إنَّ مَن أَخْلَصَ النيَّةَ لله وعقدها على قَبول كلِّ ما يبلغه من عقائد الإسلام وأعماله وأحكامِه وتبرَّأ من الأنداد والشركاء فإنَّ جَهْلَه ببعض معاني الإسلام لا ينفي عنه صفةَ الإسلام ولا يتأثَّر بمقدار فهمِه لأحكام الإسلام وشرائعه وحجم شعوره بحقائق الإيمان كالخشوع والتوكُّل وغيرهما؛ لأنَّ فِقْهَ هذه المعاني والحقائق إنما يتمُّ تدريجيًّا كما لا يُخرجه من الإسلام ارتكابُ المعاصي واقترافُ الذنوب إذا كان عالِمًا بصحَّة أمر الله تعالى، معترفًا بسوء فِعله، قال الخطابيُّ في [«معالم السنن» (٥/ ٦١)]: «إنَّ المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلمٌ في جميع الأحوال، فكلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا.. وأصلُ الإسلامِ الاستسلامُ والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غيرَ منقادٍ في الباطن، ولا يكون صادقَ الباطن غيرَ منقادٍ في الظاهر».

وعليه يتَّضح أنَّ كلَّ من رضي بدِين الله انقيادًا وإخلاصًا وباعتقادٍ منه جازمٍ فهو مسلمٌ ولا يخرج إلى الكفر إلاَّ إذا لم يستسلم في الاعتقاد لشيءٍ من الدِّين بعد قيام الحُجَّة عليه، أو أتى بناقضٍ من نواقض الإيمان القولية والعملية مع انتفاء المانع.

(١٠) الآية ٥ من سورة البيِّنة.

والإخلاصُ المعنيُّ في الآية هو الدِّين الذي بعث الله به الرسلَ جميعًا، وطالبتْ به الرسلُ الأممَ التي أُرسلت إليها، فكان محورَ دعوةِ الرسلِ والأنبياءِ ولُبَّهَا؛ ذلك لأنَّ اللهَ تعالى المعبودَ المتَّصفَ بصفات الجلال والكمال هو الخالقُ الهادي المنعم المتفضِّلُ بيده الأمر كلُّه، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، منه المبتدأ وإليه المنتهى، وله الحمد في الأولى والآخرة، ومن اتَّصف بهذه الصفات فهو وحده المستحقُّ بأن يُقْصَدَ ويُعْبَدَ دون سواه، فكان الإخلاصُ هو غايةَ المكلَّف في عبادته، ولا يراد بالإخلاص التوجُّهُ إلى الله تعالى في عملٍ من الأعمال، وإنما المقصود أن يكون المسلم كلُّه لله في كلِّ ميادين الحياة، أعماله وأقواله وتصرُّفاته ومحياه ومماته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣]، وكلُّ عملٍ لا يتوجَّه به إلى الله تعالى، ولا يَقْصِدُهُ المكلَّف في عبادته يقع باطلاً لا قيمةَ له شرعًا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» [أخرجه النسائي في «الجهاد» (٦/ ٢٥) باب من غزا يلتمس الأجر والذكر، من حديث أبي أمامة الباهليِّ رضي الله عنه، والحديث حسَّنه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (٤/ ٣٢٨)، والألبانيُّ في «صحيح سنن النسائي» (٢/ ٣٨٤) وفي «أحكام الجنائز» برقم: (٦٣) وفي «السلسلة الصحيحة» برقم: (٥٢)].

قال ابن تيمية في «الأعمال بالنيَّات» (٨): «وأصل العمل الصالح هو إخلاص العبد في نيَّته، فإنه سبحانه إنما أنزل الكتبَ وأرسلَ الرسلَ وخَلَق الخلقَ لعبادته، وهي دعوةُ الرسل لكافَّة بريَّته، كما ذكر ذلك في كتابه على ألسنة رُسُله بأوضح دلالته».

(١١) والمقصود باللسان: اللغةُ لا القوَّة النطقية القائمة بالجارحة ولا الجارحة نفسُها، ومثله لسان العرب أي: لغتهم، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان: ٥٨]، ولسان الشرع: الخطاب الإلهيُّ، وهو الحقيقة الشرعية.

(١٢) في هذا الحديث بيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم معنى الإسلام والإيمان والإحسان، وجعل الإسلامَ اسمًا أطلقه لِمَا ظهر من الأعمال، والإيمانَ لِمَا بطن من الاعتقاد، والإحسان بمعنى الإخلاص وهو شرطٌ في صحَّة الإيمان والإسلام معًا، وهذا تفصيلٌ لجملة أحكامٍ كلُّها شيءٌ واحدٌ، وهي جِماعها الدِّين، لذلك لا يُفْهَم من هذا التفصيل أنَّ الأعمالَ ليست من الإيمان، وأنَّ التصديقَ بالقلب ليس من الإسلام، فالتصديق والعملُ يتناولهما اسمُ الإيمان والإسلام جميعًا، ويدلُّ عليه قولُه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم في آخر الحديث: «ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» ففيه أنَّ الإسلام والإيمان والإحسانَ تسمَّى دينًا، وقد بيَّن المصنِّف أنَّ لفظ الإسلام قد يجيء مُرادًا به الدينُ كلُّه الذي جاء به محمَّدٌ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من العقائد والأعمال والأحكام.

وسيأتي المزيد من التفصيل في هذه المسألة عند بيان معنى الإيمان.

(١٣) أخرجه مسلم في «الإيمان» (١/ ١٥٠) باب بيان الإسلام والإحسان، وأبو داود في «السنَّة» (٥/ ٦٩) باب القدر، والترمذي في «الإيمان» (٥/ ٦) باب ما جاء في وصف جبريل للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم الإيمانَ والإحسان، وابن ماجه في «المقدِّمة» (١/ ٢٤) باب الإيمان، من حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

وأخرجه البخاري في «الإيمان» (١/ ١١٤) باب سؤال جبريل النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وفي «التفسير» (٨/ ٥١٣) باب ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، ومسلم في «الإيمان» (١/ ١٦١) باب إثبات القدر، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٤) جزءٌ من الآية ١٤ من سورة الحجرات.

(١٥) هو الصحابيُّ الجليلُ أبو إسحاق سعدُ بنُ أبي وقَّاص بنِ أهيبٍ القرشيُّ الزهريُّ المكيُّ، أحدُ السبعة السابقين بالإسلام، وأحدُ العشرة المبشَّرين بالجنَّة، وأحدُ الستَّة أصحابِ الشورى، شهد بدرًا وما بعدها، وله مناقبُ وفضائلُ وجملةٌ من الأحاديث، توفِّي سنة ٥٥ﻫ.

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٣/ ١٣٧)، «التاريخ الكبير» للبخاري (٤/ ٤٣)، «المعارف لابن قتيبة» (٢٤١)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٢/ ٦٠٦)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١/ ١٤٤)، «أسد الغابة» لابن الأثير (٢/ ٢٩٠)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١/ ٩٢)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٨/ ٧٢)، «الإصابة» لابن حجر (٢/ ٣٣)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٦١)، «الرياض المستطابة» للعامري (٩١).

(١٦) الرهط: هم عشيرة الرجل وأهلُه، أو قومُه وقَبيلته، والرهط: عددٌ يجمع من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ، ولا تكون فيهم امرأةٌ، ولا واحدَ له من لفظه، ويجمع على أَرْهُطٍ وأرهاطٍ، وأراهط جمع الجمع. [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٢٨٣)، «لسان العرب» لابن منظور (٥/ ٣٤٣)].

(١٧) لفظ «فلان» كنايةٌ عن اسمٍ مبهمٍ، وهو الرجل المتروكُ العطيَّةِ، واسمه: جعيل بن سراقة الضمريُّ، سمَّاه الواقديُّ في «المغازي» [«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٨٠)].

(١٨) استدلَّ المصنِّف -رحمه الله- بالآية والحديث على أنَّ الإسلام المعرَّى عن الإيمان لا ينفع صاحبَه؛ لأنَّ الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ومن لم يدخل الإيمانُ في قلبه فهو كافرٌ، فالأعراب المذكورون في الآية منافقون؛ لأنهم مسلمون في الظاهر وهم كفَّارٌ في الباطن، وهو أحد القولين المشهورين للسلف والخلف، واختاره البخاريُّ ومحمَّد بن منصورٍ المروزيُّ، واستظهره محمَّد الأمين الشنقيطي.

أمَّا ما عليه جمهورُ أهل السنَّة فيقرِّرون الثوابَ على إسلامهم، ويُخرجهم إسلامُهم من الكفر والنفاق، وهو قولٌ مرويٌّ عن الحسن وابن سيرين وإبراهيمَ النخعيِّ وأبي جعفرٍ الباقر، وبه قال حمَّاد بن زيدٍ وأحمدُ بن حنبلٍ وسهلُ بن عبد الله التستريُّ وأبو طالبٍ المكِّيُّ وغيرهم، وهو الصحيح الراجح خلافًا لِمَا رجَّحه المصنِّف:

- لأنَّ الله تعالى أثبت إسلامَهم ووَصَفهم بوصفٍ كريمٍ بقوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، والمعلوم أنَّ الله تعالى لا يُثبت إسلامَ أحدٍ إلاَّ إذا صحَّ إسلامُه وكان ذلك موجِبًا لدخول الجنَّة، وإلحاقُهم برتبة المنافقين غيرُ سليمٍ؛ لأنَّ الله تعالى ذَكَر المنافقين في آياتٍ متعدِّدةٍ ولم يقرِّر إسلامَهم، بل نفى عنهم الإسلامَ نفيًا قاطعًا وأثبت لهم الكفرَ، فمِن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]، وقال سبحانه في شأن المنافقين من الأعراب: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨].

- ولأنَّ حرف ﴿لَمَّا﴾ في الآية ينفي به ما قَرُبَ وجودُه ويُنتظر ويُتوقَّع حصولُه ولو لم يوجَد بعد، فالإيمان منهم منتظَرٌ، ومن دخل في الإسلام يحتاج إلى عقد النيَّة على الإخلاص لله تعالى والاعتقاد بكلِّ ما يبلغه من دين الله تعالى، وما يَرِدُ في القلب من حقائق الإيمان الكثيرة إنما يثبت بالرفق والتدريج، وقد حصر الله تعالى الإيمانَ في آية الحجرات بأهل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله وهي مرتبة الصادقين، فتعيَّن في هذا الموضع إطلاقُ غير الإيمان على الذين دخلوا في الإسلام ولكن لم يصلوا بَعْدُ إلى مرتبة الإيمان. ومِن هنا يتبيَّن أنَّ الذين وُصِفُوا بالإسلام دون الإيمان قد لا يكونون كفَّارًا في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول؛ لأنَّ الإسلام لا يرادِف الإيمانَ مطلقًا ولا يخالفه مطلقًا، إذ الإسلام أوسع من الإيمان، فكُلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا، فالإيمان أخصُّ من الإسلام، ونفيُ الأخصِّ لا يستلزم نفيَ الأعمِّ، ولأنَّ من الأعراب منافقين -كما تقدَّم- وأنَّ منهم من ليس كذلك، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]، وأنَّ فيهم قسمًا ثالثًا ليس هو منافقًا محضًا ولا هو من المؤمنين حقًّا، بل هو فاسقٌ مِلِّيٌّ وهو المعنيُّ في آية الحجرات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٧٨): «فدلَّ البيانُ على أنَّ الإيمان المنفيَّ عن هؤلاء الأعرابِ هو هذا الإيمانُ الذي نُفي عن فُسَّاق أهلِ القِبلة الذين لا يخلَّدون في النار، بل قد يكون مع أحدهم مثقالُ ذرَّةٍ من إيمانٍ، ونفيُ هذا الإيمان لا يقتضي ثبوتَ الكفر الذي يخلَّد صاحبُه في النار.

وبتحقيق هذا المقام يزول الاشتباهُ في هذا الموضع، ويُعْلَم أنَّ في المسلمين قسمًا ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، ولا مِن الذين قيل فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، فلا هم منافقون ولا هم مِن هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًّا، ولا مِن الذين يدخلون الجنَّةَ بلا عقابٍ، بل له طاعاتٌ ومعاصٍ وحسناتٌ وسيِّئاتٌ، ومعه من الإيمان ما لا يُخلَّد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخولَ النار، وهذا القسم قد يسمِّيه بعض الناس: الفاسق المِلِّيَّ، وهذا ممَّا تنازع الناسُ في اسمه وحُكمه، والخلافُ فيه أوَّلُ خلافٍ ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين». [انظر تقريرَ هذا الأصل في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٤٦١)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٣٩٢)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٧/ ٦٣٦)].

(١٩) أخرجه مسلمٌ بهذا اللفظ في «الإيمان» (٢/ ١٨٠) باب تألُّف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، وفي «الزكاة» (٧/ ١٤٨) باب إعطاء المؤلَّفة ومن يخاف على إيمانه.

والحديث أخرجه البخاري في «الإيمان» (١/ ٧٩) باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، وفي «الزكاة» (٣/ ٣٤٠) باب: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، وأبو داود في «السنَّة» (٥/ ٦٠) باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، من حديث سعد بن أبي الوقَّاص رضي الله عنه.

قال ابن حجر في «الفتح» (١/ ٨٠): «ومحصَّل القصة أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يوسِّع العطاءَ لِمَنْ أظهر الإسلامَ تألُّفًا، فلمَّا أعطى الرهطَ وهم من المؤلَّفة قلوبُهم وترك جعيلاً وهو من المهاجرين مع أنَّ الجميع سألوه، خاطبه سعدٌ في أمره؛ لأنه كان يرى أنَّ جعيلاً أحقُّ منهم لِما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثرَ من مرَّةٍ، فأرشده النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أمرين: أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جعيلٍ مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطى؛ لأنه لو ترك إعطاءَ المؤلَّفة لم يؤمَن ارتدادُه فيكون من أهل النار. ثانيهما: إرشاده إلى التوقُّف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، فوضح بهذا فائدة ردِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على سعدٍ، وأنه لا يستلزم محضَ الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأَوْلى، والآخر عن طريق الاعتذار».

قلت: وممَّا وجِّهت به الآية السابقة: وكذا من محصَّل القصَّة من حديث سعدٍ رضي الله عنه يتبيَّن عدمُ نهوض الاحتجاج بهما فيما قرَّره المصنِّف لأنَّ نفيَ الإيمان المطلق لا يَلزم منه انتفاءُ مطلق الإيمان، والعلم عند الله تعالى.

هذا، وفي فقه الحديث ومعانيه أحكامٌ وفوائدُ ذكرها النوويُّ في «شرح مسلم» (٢/ ١٨٠، ٧/ ١٤٨) وابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٨٠) ومن بينها:

تركُ القطع بالإيمان الكامل لمن لم يُنَصَّ عليه، وفيه ردٌّ على الكرَّامية وغلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان، وهذا خطأٌ ظاهرٌ يردُّه إجماع المسلمين والنصوصُ في إكفار المنافقين، وفيه جواز الشفاعة عند الإمام فيما ليس بمحرَّمٍ أو يعتقد الشافعُ جوازَه ومراجعة المشفوع إليه أو المسئول في الأمر إذا لم يؤدِّ إلى مفسدةٍ، وأنَّ الإسرار بالنصيحة أَوْلى من الإعلان كما أشارت إليه روايةُ البخاري في «الزكاة» (٣/ ٣٤٠): «فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَارَرْتُهُ».

... يتبع ...

الجزائر في: ١٢ ربيع الأول ١٤٢٨ﻫ
المـوافق ﻟ: ٣١ مارس ٢٠٠٧م