«التصفيف الثامن: بيانُ معنى الإيمان (٢)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 21 رجب 1442 هـ الموافق لـ 05 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الثامن: بيـانُ معنى الإيمـان (٢)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ: وَيَجِيءُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ أَيْضًا مُرَادًا بِهِ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ المَبْنِيَّةِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَاليَقِينِ(١) لِحَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ(٢)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ(٣) رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟» قَالُوا: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ المَغْنَمِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ(٤).

الرَّابِعُ وَالعِشْرُونَ: قَدْ تَوَارَدَ لَفْظُ الإِسْلاَمِ وَلَفْظُ الإِيمَانِ عَلَى اعْتِقَادِ القَلْبِ الجَازِمِ، وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مِنْ قَوْلٍ وَغَيْرِهِ المَبْنِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ الاِعْتِقَادِ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ المُتَقَدِّمِ فِي تَفْسِيرِ الإِسْلاَمِ، وَحَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ المُتَقَدِّمِ فِي تَفْسِيرِ الإِيمَانِ(٥).

تَحْصِيلٌ مِمَّا تَقَدَّمَ:

تَوَارُدُ الإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ عَلَى الاِعْتِقَادِ وَالنُّطْقِ وَالعَمَلِ:

الخَامِسُ وَالعِشْرُونَ: الدِّينُ كُلُّهُ عَقْدٌ بِالقَلْبِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلاَثَةِ يُسَمَّى إِيمَانًا بِاعْتِبَارٍ، وَيُسَمَّى إِسْلاَمًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ(٦):

١- فَعَقْدُ القَلْبِ يُسَمَّى إِيمَانًا لِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ، وَيُسَمَّى إِسْلاَمًا لِأَنَّ عَقْدَ القَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ إِذْعَانٌ وَخُضُوعٌ لَهُ.

٢- وَنُطْقُ اللِّسَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ يُسَمَّى إِيمَانًا لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَيُسَمَّى إِسْلاَمًا لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الخُضُوعِ وَالاِنْقِيَادِ.

٣- وَالزَّكَاةُ مَثَلاً تُسَمَّى إِيمَانًا لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّصْدِيقِ وَثَمَرَةٌ مِنْ ثَمَرَاتِهِ، وَتُسَمَّى إِسْلاَمًا لِأَنَّهَا انْقِيَادٌ وَإِذْعَانٌ.

٤- وَالحُبُّ فِي اللهِ مَثَلاً يُسَمَّى إِيمَانًا لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّصْدِيقِ وَثَمَرَةٌ مِنْ ثَمَرَاتِهِ، وَيُسَمَّى إِسْلاَمًا لِأَنَّهُ انْقِيَادٌ وَإِذْعَانٌ(٧).

السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ: الإِيمَانُ فِي الوَضْعِ الشَّرْعِيِّ: هُوَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ(٨)، فَمَنِ اسْتَكْمَلَ ذَلِكَ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهُ لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ(٩)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾(١٠)، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(١١)، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(١٢)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»(١٣)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَلِقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ»(١٤)، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ -رَحِمَهُمَا اللهُ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.



(١) اختلف السلفُ وغيرُهم في مُسمَّى الإيمان والإسلام: هل هما اسمان لمسمًّى واحدٍ أم أنَّ لكُلِّ واحدٍ منهما معنًى يخالف الآخرَ؟ وإلى القول بالترادف ذهبت طائفةٌ مِن علماء السلف وبعض الحنفية والشافعية، وبه قالت الأشاعرةُ وهو اختيارُ البخاريِّ، وإلى القول بالتغاير ذهبت جماعةٌ من الصحابة والتابعين، وبه قال مالكٌ وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى. وظاهرٌ من كلام المصنِّف اختيارُه مذهبَ القائلين بالتغاير بين مسمَّى الإيمان والإسلام وهو الراجح الصحيح، حيث فرَّقت الآيةُ والحديثُ بين مسمَّاهما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، عُطِف الإيمانُ على الإسلام، والشيءُ لا يُعطف على نفسه، فعُلم أنَّ للإيمان معنًى زائدًا على الإسلام، ولحديث جبريل المشهور وحديثِ سعد بن أبي وقَّاصٍ المتقدِّمين، فقد فرَّق فيهما النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بين الإيمان والإسلام. وعليه، ولو كانا اسمين لمسمًّى واحدٍ -وهو معنى الترادف- لَما فرَّق الله ورسوله بينهما. وهذا المذهب هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

وأبرز ما يحتجُّ به القائلون بأنَّ مسمَّاهما واحدٌ قولُه تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥-٣٦]، أي: غير بيتٍ منهم فلم يَرِدِ التفريقُ بين الإسلام والإيمان فكان معناهما واحدًا. والظاهر أنَّ الاستدلال بالآية غيرُ ناهضٍ لأنَّ المعلوم أنَّ كلَّ مؤمنٍ مسلمٌ ولا ينعكس، فاتَّفق الاسمان ههنا لخصوصية الحال، ولا يَلزم ذلك في كلِّ حالٍ، كما يحتمل وجهًا غيره، هو أنَّ قوله تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: المستسلمين في الظاهر، ذلك لأنَّ امرأة لوطٍ كانت من أهل البيت الموجودين، وكانت في الظاهر مع زوجها، وفي الباطن مع قومها على دينهم، خائنةً لزوجها تدلُّ قومَها على أضيافه. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٦٦)، «الإيمان» لابن منده (٣١١)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ١١٤)، «شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٤٨٨)].

(٢) بنو عبد القيس: بطنٌ من أسدٍ من ربيعة من العدنانية، وهم بنو عبد القيس بن أفصى بن دعميِّ بن جديلة بن أسدٍ، كانت ديارهم بتهامة، ثمَّ خرجوا إلى البحرين، ووفدوا على النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأسلموا، ومقدَّمهم يومئذٍ المنذر بن عائدٍ، وكان له مكانٌ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وكان فيهم الأشجُّ الذي قال له النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ»، والجارود بن حنشٍ وغيرهم. [انظر: «الاشتقاق» لابن دريد (٣٢٤)، «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (٢٩٥)، «نهاية الأرب» للقلقشدي (٣٠٧)].

(٣) هو الصحابيُّ الجليل أبو العبَّاس عبدُ الله بن عبَّاس بن عبد المطَّلب الهاشميُّ، ابن عمِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، حبر الأمَّة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، وأحد المكثرين من رواية الحديث، له فضائل ومناقب كثيرةٌ، توفِّي بالطائف سنة ٦٨ﻫ.

انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (٢/ ٣٦٥)، «التاريخ الكبير» للبخاري (٥/ ٣)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٣/ ٩٣٣)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١/ ٤٧٣)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (٣/ ٦٢)، «أسد الغابة» لابن الأثير (٣/ ١٩٢)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٣/ ٣٣١)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٨/ ٢٩٩)، «الإصابة» لابن حجر (٢/ ٣٣٠).

(٤) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري في «الإيمان» (١/ ١٢٩) باب أداء الخُمُس من الإيمان، وفي «العلم» (١/ ١٨٣) باب تحريض النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وفْدَ عبد القيس على أن يحفظوا الإيمانَ والعلم وأن يخبروا مَن وراءهم، وفي «مواقيت الصلاة» (٢/ ٧) باب قول الله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١]، وفي «الزكاة» (٣/ ٢٦٢) باب وجوب الزكاة، وفي «الجهاد» (٦/ ٢٠٨) باب أداء الخُمُس من الدين، وفي «المناقب» (٦/ ٥٤٠) باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، وفي «المغازي» (٨/ ٨٤) باب وفد عبد القيس، وفي «الأدب» (١٠/ ٥٦٢) باب قول الرجل: مرحبًا. وفي «خبر الواحد» (١٣/ ٢٤٢) باب وصاة النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وفودَ العرب أن يبلِّغوا مَن وراءهم، وفي «التوحيد» (١٣/ ٥٢٧) باب قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، أخرجه مسلم في «الإيمان» (١/ ١٧٧-١٩٤) في بيان الإسلام ودعائمه والأمر بالإيمان بالله ورسوله من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٥) الصحيح الذي عليه أهل السنَّة: التفريقُ بين حالة انفراد كلٍّ من الإيمان والإسلام أحدِهما عن الآخَر، وحالة اقترانهما. قال ابن تيمية في «الأعمال بالنيَّات» (٤٠): «وفصلُ الخطاب في هذا الباب: أنَّ اسم الإيمان قد يُذْكَر مجرَّدًا وقد يُذْكَر مقرونًا بالعمل أو بالإسلام، فإذا ذُكر مجرَّدًا تناول الأعمالَ كما في «الصحيحين»: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاَهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» وفيهما أنه قال لوفد عبد القيس: «آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ، أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ»، وإذا ذُكر مع الإسلام -كما في حديث جبريل أنه سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان- ففرَّق بينهما… فلمَّا ذكرها جميعًا ذكر أنَّ الإيمان في القلب والإسلام ما يظهر من الأعمال. وإذا أُفرد الإيمانُ أُدخل فيه الأعمالُ الظاهرة؛ لأنها لوازمُ ما في القلب لأنه متى ثبت الإيمانُ في القلب والتصديقُ بما أخبر به الرسولُ وجب حصولُ مقتضى ذلك ضرورةً» إلى أن قال -رحمه الله-: «والمقصود أنَّ لفظ الإيمان تختلف دلالتُه بالإطلاق والاقتران، فإذا ذُكر مع العمل أريد به أصلُ الإيمان المقتضي للعمل، وإذا ذكره وحده دخل فيه لوازمُ ذلك الأصل». [انظر هذه المسألةَ في: «شرح مسلم» للنووي (١/ ١٤٨)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٣، ١٤، ٥٥٢)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٢/ ٤٩٠)].

ومِن هنا يظهر أنَّ بين الإسلام والإيمان تلازمًا فلا يمكن أن يوجَد أحدُهما بدون الآخَر، فلا يصحُّ الإسلام ولا يوجَد بدون أصل الإيمان، فإذا انتفى أصل الإيمان بَطَل الإسلام، كذلك لا يوجد إيمانٌ بدون إسلامٍ ولا يصحُّ، سواءٌ كان عملَ القلب أو عملَ الجوارح، فلو انتفى العمل لدلَّ ذلك على بطلان الإيمان وفساده، غير أنه لا يَلزم مِن تلازُم الإسلام والإيمان أن يكون أحدُهما هو الآخَرَ كالروح والبدن، فلا توجد روحٌ حيَّةٌ إلاَّ مع البدن، ولا يوجد بدنٌ حيٌّ إلاَّ مع الروح، وليس أحدهما الآخَرَ.

(٦) فحقيقةُ الدِّين كلِّه في التصديق بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح الباطنة والظاهرة، وإنما الإسلام -في الأصل- مِن باب العمل عملِ القلب والجوارح، وأمَّا الإيمان فأصله تصديقٌ وإقرارٌ ومعرفةٌ، فهو مِن باب قول القلب المتضمِّن عملَ القلب والأصلُ فيه التصديق، والعمل تابعٌ له، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٦٣): «فلهذا فسَّر النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم «الإيمانَ» بإيمان القلب وبخضوعه (أي: قول القلب وعمله)، وفسَّر «الإسلامَ» باستسلامٍ مخصوصٍ هو: المباني الخمس، وهكذا في سائر كلامه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يفسِّر الإيمانَ بذلك النوع ويفسِّر الإسلامَ بهذا، وذلك النوع أعلى». ذلك لأنَّ المؤمن التامَّ لا بدَّ أن يكون مسلمًا، ولذلك وَرَد في الشرع إطلاقُ الإيمان على أعمال الجوارح.

قال الخطَّابيُّ -رحمه الله- في «معالم السنن» (٥/ ٥٦): «إنَّ الإيمانَ الشرعيَّ اسمٌ لمعنًى ذي شُعَبٍ وأجزاءٍ له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلَّق ببعضها كما يتعلق بكُلِّها، والحقيقةُ تقتضي جميعَ شُعَبِها وتستوفي جملةَ أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شُعَبٌ وأجزاءٌ، والاسم يتعلَّق ببعضها كما يتعلَّق بكلِّها، والحقيقةُ تقتضي جميعَ أجزائها وتستوفيها، ويدلُّ على ذلك قوله: «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ» فأخبر أنَّ الحياء إحدى تلك الشُّعَب».

(٧) قال ابن القيِّم -رحمه الله- في «الصلاة» (٥٣): «الإيمان أصلٌ له شُعَبٌ متعدِّدةٌ، وكلُّ شعبةٍ تُسَمَّى إيمانًا، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحجُّ والصوم، والأعمال الباطنة كالحياء والتوكُّل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهيَ الشُّعَب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبةٌ من شُعَب الإيمان. وهذه الشُّعَب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شُعَبٌ متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا، منها ما يُلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يُلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب..».

قلت: فالطاعات جميعًا من شُعَب الإيمان، ومنها أعمال الجوارح داخلةٌ في مُسمَّى الإيمان، وأنَّ الإيمان أصلُه معرفة القلب وتصديقُه وقوله، والعمل تابعٌ لهذا العلم والتصديقُ ملازمٌ له، ولا يكون العبد مؤمنًا إلاَّ بها، فالطاعات مِن فروع الإيمان وثمراته، ومنه تظهر شدَّةُ الترابط بين الأصل والفرع، فإنَّ الإخلالَ بالطاعات والتقصيرَ فيها يضرُّ في الإيمان، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٤١): «إذا قام بالقلب التصديقُ به والمحبَّةُ له [أي: قول القلب وعمله] لَزِمَ ضرورةً أن يتحرَّك البدنُ بموجَب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمالِ الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجَب ما في القلب ولازِمُه ودليلُه ومعلولُه، كما أنَّ ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له -أيضًا- تأثيرٌ فيما في القلب، فكلٌّ منهما يؤثِّر في الآخَر، لكنَّ القلب هو الأصل والبدن فرعٌ، والفرع يستمدُّ مِن أصله، والأصلُ يثبت ويقوى بفرعه».

(٨) الذي قرَّره المصنِّف في تعريف الإيمان شرعًا سقط منه خطئًا «قول بالقلب و..» يؤكِّده ما سبق تقريرُه مِن أنَّ الدِّين كُلَّه: عقدٌ بالقلب ونطقٌ باللسان وعملٌ بالجوارح الظاهرة والباطنة، وهو معتقد أهل السنَّة والجماعة، فقد اتَّفق الصحابةُ والتابعون ومَن بعدهم مِن أهل السنَّة على ذلك، قال محمَّد بن إدريس الشافعيُّ -رحمه الله-: «وكان الإجماع مِن الصحابة والتابعين مِن بعدهم، ومَن أدركناهم يقولون: إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ لا يجزئ واحدٌ من الثلاثة إلاَّ بالآخَر» [«شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة» للالكائي (٥/ ٨٨٦)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٠٨)]، وقال ابن عبد البرِّ في [«التمهيد» (٩/ ٢٣٨)]: «أجمع أهل الفقه والحديث على أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، ولا عمل إلاَّ بنيَّةٍ، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلُّها عندهم إيمانٌ» والنقول متواترةٌ عن السلف بأنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، وإن تفاوتت عباراتُ السلف في الإيمان فلا فَرْقَ بين قولهم: «إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ»، أو «قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ»، أو «قولٌ وعملٌ واعتقادٌ»، أو «تصديقٌ بالجنان وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح» وغيرها، فكلُّها عباراتٌ متفاوتة الألفاظ داخلةٌ في باب اختلاف التنوُّع، ليس فيها اختلافٌ معنويٌّ، قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية -رحمه الله- موضِّحًا أنَّ عباراتِ السلف متَّحدةُ المعنى في [«مجموع الفتاوى» (٧/ ١٧١)] بقوله: «ومِن هذا الباب أقوالُ السلف وأئمَّة السنَّة في تفسير الإيمان، فتارةً يقولون: هو قولٌ وعملٌ، وتارةً يقولون: هو قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ، وتارةً يقولون: قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ واتِّباعُ سنَّةٍ، وتارةً يقولون: قولٌ باللسان واعتقادٌ بالقلب وعملٌ بالجوارح، وكلُّ هذا صحيحٌ، فإذا قالوا: قولٌ وعملٌ؛ فإنه يدخل في القول قولُ القلب واللسانِ جميعًا، وهذا هو المفهوم مِن لفظ القول والكلام ونحو ذلك إذا أُطلق… والمقصود هنا أنَّ مَن قال مِن السلف: الإيمان قولٌ وعملٌ، أراد قولَ القلب واللسان وعملَ القلب والجوارح، ومَن أراد الاعتقادَ رأى أنَّ لفظ القول لا يُفْهَم منه إلاَّ القولُ الظاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقادَ بالقلب، ومَن قال: قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ؛ قال: القول يتناول الاعتقادَ وقولَ اللسان، وأمَّا العمل فقد لا يُفْهَم منه النيَّةُ فزاد ذلك، ومن زاد اتِّباعَ السنَّة فلأنَّ ذلك كلَّه لا يكون محبوبًا لله إلاَّ باتِّباع السنَّة، وأولئك لم يريدوا كلَّ قولٍ وعملٍ، وإنما أرادوا ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الردَّ على المرجئة الذين جعلوه قولاً فقط، فقالوا: بل هو قولٌ وعملٌ، والذين جعلوه أربعةَ أقسامٍ فسَّروا مرادَهم كما سئل سهل بن عبد الله التستريُّ عن الإيمان: ما هو؟ فقال: «قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ وسنَّةٌ»، لأنَّ الإيمان إذا كان قولاً بلا عملٍ فهو كفرٌ، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نيَّةٍ فهو نفاقٌ، وإن كان قولاً وعملاً وبِنِيَّةٍ بلا سنَّةٍ فهو بدعةٌ».

وفهمُ الإيمان بخصاله التي اشتمل عليها مسمَّى الإيمان عند أهل السنَّة له خطرُه وأهمِّيته، لأنَّ الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسمٍ محدثٍ ولا الخطأِ في غيره من الأسماء لتعلُّق أحكام الدنيا والآخرة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق، لذلك كان الواجب فَهْمَ الإيمان فهمًا صحيحًا مدعَّمًا بالحجَّة من الكتاب والسنَّة والتمسُّكَ بهما من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ. قال ابن رجبٍ الحنبليُّ -رحمه الله- في [«جامع العلوم والحكم»] (٣٧): «وهذه المسائل -أعني: مسائلَ الإسلام والإيمان والكفر والنفاق- مسائلُ عظيمةٌ جدًّا، فإنَّ الله علَّق بهذه الأسماء السعادةَ والشقاوةَ واستحقاقَ الجنَّة والنار، والاختلافُ في مسمَّياتها أوَّلُ اختلافٍ وَقَع في هذه الأمَّة».

(٩) حقيقة الإيمان الشرعيِّ مركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ، والقول قسمان:

- قول القلب، وهو: التصديق بالقلب وإقرارُه ومعرفتُه، وأصل القول: هو التصديق الجازم بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمانُ بكلِّ ما جاء به الرسولُ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

- قول اللسان، وهو: الإقرار بالله وبما جاء مِن عنده، والشهادةُ لله بالتوحيد، ولرسوله بالرسالة ولجميع الأنبياء والرسل، ثمَّ التسبيحُ والتكبير والتحميد والتهليل، والثناءُ على الله، والصلاةُ على رسوله، والدعاءُ وسائرُ الذكر.

وقول اللسان ينشأ مِن قول القلب وهو أصلُه.

والعمل قسمان:

- عمل القلب، وهو: حبُّ الله ورسوله، وتعظيمُ الله ورسوله، وتعزيرُ الرسول وتوقيرُه، وخشيةُ الله، والإنابةُ إليه، والإخلاصُ له، والتوكُّلُ عليه، إلى غير ذلك من الأحوال، فهذه الأعمال القلبية كلُّها من الإيمان، وهي ممَّا يوجِبها التصديقُ والاعتقادُ إيجابَ العلَّة والمعلول. وهذا أصلُ العمل.

• ويجدر التنبيه إلى أنَّ الفرق بين قول القلب وعمله: أنَّ قول القلب هو العقيدة التي يعتقدها، وعَمَلَ القلبِ إنما هو حركتُه التي يحبُّها الله ورسوله، وهي محبَّة الخير وإرادتُه الجازمة وكراهته الشرَّ والعزمُ على تركه.

- عمل الجوارح، وهي: أفعال سائر الجوارح من الطاعات والواجبات التي بُني عليها الإسلامُ، وسائرُ أعمال التطوُّع التي يستحقُّ بفعلها اسمَ زيادة الإيمان، والأفعال المنهيُّ عنها التي بفعلها يستحقُّ نقصانَ الإيمان.

فعملُ الجوارح ينشأ مِن عمل القلب وهو أصلُه [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ١٨٦، ٥٤٠، ٦٧٢)].

فهذه الأربعةُ أجزاءٌ في الإيمان وأركانه التي قام عليها بناؤه. قال ابن القيِّم -رحمه الله- في «الصلاة» (٥٤): «فإذا زالت هذه الأربعةُ زال الإيمانُ بكماله، وإذا زال تصديقُ القلب لم تنفع بقيَّةُ الأجزاء، فإنَّ تصديق القلب شرطٌ في اعتقادها وكونِها نافعةً، وإذا زال عملُ القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنَّة، فأهلُ السنَّة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديقُ مع انتفاء عمل القلب، وهو محبَّتُه وانقيادُه، كما لم ينفع إبليسَ وفرعونَ وقومَه واليهودَ والمشركين الذين كانوا يعتقدون صِدْقَ الرسول، بل ويُقِرُّون به سرًّا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذبٍ ولكن لا نتَّبعه ولا نؤمن به، وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغيرُ مستنكَرٍ أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح ولا سيَّما إذا كان ملزومًا لعدم محبَّة القلب وانقياده الذي هو ملزومٌ لعدم التصديق الجازم -كما تقدَّم تقريرُه- فإنه يَلزمه مِن عدم طاعة القلب عدمُ طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلبُ وانقاد أطاعت الجوارحُ وانقادت، ويَلزم مِن عدم طاعتِه وانقيادِه عدمُ التصديق المستلزمِ للطاعة وهو حقيقة الإيمان».

وقال الآجرِّيُّ في «الشريعة» (١١٩) في «باب القول بأنَّ الإيمان تصديقٌ بالقلب وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلاَّ أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث» قال: «اعلموا -رحمنا الله وإيَّاكم- أنَّ الذي عليه علماء المسلمين أنَّ الإيمان واجبٌ على جميع الخلق، وهو التصديق بالقلب وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالجوارح، ثمَّ اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلاَّ أن يكون معه الإيمانُ باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطقُ اللسان حتى يكون عملُ الجوارح، فإذا كملت فيه هذه الخصالُ الثلاث كان مؤمنًا، دلَّ على ذلك الكتاب والسنَّة وقولُ علماء المسلمين». قال الحكميُّ في «معارج القبول» (٢/ ٥٩٣) عند بيان أنواع الكفر التي لا تخرج عن أربعةٍ بقوله: «فإن انتفت كلُّها -أي: قول القلب وعملُه وقول اللسان وعملُ الجوارح-؛ اجتمع أنواعُ الكفر غيرَ النفاق، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦-٧].

وإن انتفى تصديقُ القلب مع عدمِ العلم بالحقِّ فكفرُ الجهل والتكذيب، قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩].

وإن كتم الحقَّ مع العلم بصدقه فكفرُ الجحود والكتمان، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].

وإن انتفى عملُ القلب مِن النيَّة والإخلاص والمحبَّةِ والإذعان مع انقياد الجوارح الظاهرة فكفرُ نفاقٍ سواءٌ وُجد التصديقُ المطلق أو انتفى، وسواءٌ انتفى بتكذيبٍ أو شكٍّ، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِاليَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].

وإن انتفى عملُ القلب وعملُ الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفرُ عنادٍ واستكبارٍ ككفر إبليسَ وكفرِ غالب اليهود… ومحالٌ أن ينتفيَ انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عملِ القلب، قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ» [أخرجه البخاري في «الإيمان» (١/ ١٢٦) باب فضل من استبرأ لدينه، ومسلم في «المسَاقاة» (١١/ ٢٧) باب أخذ الحلال وتركِ الشبهات، من حديث النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما].

هذا منهج وسطية أهل السنَّة في حقيقة الإيمان بين إفراط الطوائف الأخرى وتفريطها، والتي تتشكَّل في فرقتين وهما:

- الخوارج والمعتزلة: الذين يُعرِّفون الإيمانَ بأنه قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، غير أنهم يرَوْن أنَّ العمل في الإيمان كُلٌّ واحدٌ لا يتجزَّأ، إذا ذهب بعضُه ذهب كلُّه، فمن أخلَّ بشيءٍ من الأعمال ذهب إيمانُه باتِّفاق الطائفتين، وهو كافرٌ عند الخوارج، وفي منزلةٍ بين المنزلتين عند المعتزلة.

- المرجئة: وهم ثلاثة أصنافٍ: صنفٌ يعرِّف الإيمانَ بأنه مجرَّد ما في القلب، فمِن هؤلاء مَن يُدْخِل فيه أعمالَ القلوب وهم أكثرُ المرجئة، ومنهم من لا يُدْخِلها في الإيمان كجَهْمٍ ومَن تبعه، وصنفٌ يقول: بأنَّ الإيمان هو مجرَّد قولٍ باللسان وهو لا يُعْرَف لأحدٍ قبل الكرَّامية، وصنفٌ يقول: هو التصديق بالقلب والقولُ باللسان، وهذا هو المشهور عند أهل الفقه والعبادة منهم.

وهذه الأقوال متضمِّنةٌ للغلوِّ والآراءُ المحتوية للجفاء كلُّها مباينةٌ للحقِّ ومخالِفةٌ للصواب المستمَدِّ من الكتاب والسنَّة والمنقول عن سلف الأمَّة، ذلك لأنَّ النصوص الشرعية دلَّت بوضوحٍ على شمول الإيمان للأقوال والاعتقادات والأعمال، وعلى تبعُّض الإيمان وتفاضُله وزيادته ونقصانه بأدلَّةٍ متكاثرةٍ ذكر بعضَها المصنِّفُ -رحمه الله-، وسيأتي ذِكْرٌ منها في بابه.

(١٠) سورة الأنفال: ٥، ويُستدلُّ بالآية على عمل القلب؛ لأنَّ الخشية والخوف والرجاء مِن تعظيم الله وحبِّه.

(١١) سورة الحجرات: ١٥، ويُستدلُّ بالآية على قول القلب وعمل الجوارح الناشئ مِن عمل القلب وهو أصلُه.

(١٢) أخرجه البخاري في «الإيمان» (١/ ٥٦) باب: مِن الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، ومسلم في «الإيمان» (٢/ ١٦) باب الدليل على أنَّ مِن خصال الإيمان أن يحبَّ لأخيه المسلم ما يحبُّ لنفسه من الخير، من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه.

قال ابن حجر في [«الفتح» (١/ ٥٧)]: «أن يحبَّ أن يحصل لأخيه نظيرُ ما يحصل له، لا عينُه، سواءٌ كان في الأمور المحسوسة أو المعنوية.. لأنَّ المقصود الحثُّ عن التواضع، فلا يحبُّ أن يكون أفضلَ من غيره، فهو مستلزِمٌ للمساواة، ويُستفاد ذلك مِن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يتمُّ ذلك إلاَّ بترك الحسد والغلِّ والحقد والغشِّ، وكلُّها خصالٌ مذمومةٌ».

قلت: ويُستدلُّ بالحديث على أنَّ أعمال القلب كلَّها من الإيمان، وهي ههنا محبَّةُ الخير وإرادتُه الجازمة، وكراهة الشرِّ والعزمُ على تركه، قال ابن حجر في [«الفتح» (١/ ٥٨)]: «قال الكرمانيُّ: ومِن الإيمان أيضًا أن تبغض لأخيك ما يبغض لنفسه من الشرِّ، ولم يذكره لأنَّ حُبَّ الشيء مستلزِمٌ لبغض نقيضه، فتَرَكَ التنصيص عليه اكتفاءً».

(١٣) أخرجه البخاري في «الإيمان» (١/ ٥٨) باب حبِّ الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من الإيمان، ومسلم في «الإيمان» (٢/ ١٥) باب وجوب محبَّة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه. ويُستدلُّ بالحديث على قول القلب، وهو الإيمانُ بكلِّ ما جاء عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وهو أصل القول، كما يُستدلُّ به على حركة القلب وعملِه من جهة حبِّ الرسول وتعزيرِه وتوقيره وتعظيمه وهو أصلُ العمل.

(١٤) أخرجه البخاري في «الإيمان» (١/ ٥١) باب أمورٍ من الإيمان، ومسلم في «الإيمان» (٢/ ٣) باب بيان عدد شُعَب الإيمان، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ويُستدلُّ بالحديث على أنَّ مِن الإيمان القولَ باللسان الذي ينشأ مِن قول القلب، وأعمالَ الجوارح التي تنشأ مِن عمل القلب.

... يتبع ...

الجزائر في: ١٥ رجب ١٤٢٨ﻫ
المـوافق ﻟ: ٣٠ يوليو ٢٠٠٧م