فصل [في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة] | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 صفر 1442 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2020 م



فصل
[في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص ٢٨١]:

«...وَإِنَّمَا عَوَّلَ مَالِكٌ -رحمه الله- وَمُحَقِّقُو أَصْحَابهِ عَلَى الاحْتِجَاجِ بذَلِكَ فِيمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ كَمَسْأَلَةِ الأَذَانِ، وَالصَّاعِ، وَتَرْكِ الجَهْرِ ببسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الفَرِيضَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَنَ المَسَائِلِ».

[م] والمراد بحُجِّية عملِ أهلِ المدينةِ في هذه المسألة ما كان طريقه النقل المستفيض وهو ضربٌ من إجماع أهل المدينة، وهو حُجَّة باتفاق(١)، أمَّا العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان رضي الله عنه فهذا حُجَّة عند الجمهور؛ لأنه لا يعلم لأهل المدينة عملٌ قديمٌ على عهد الخلفاء الراشدين مخالفٌ لسُنَّةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم(٢)، ويذهب بعضُ المالكية إلى أنَّ إجماعَ أهلِ المدينةِ حُجَّة مُطلقًا سواء كان طريقه النقل أو طريقه الاجتهاد، خلافًا لأكثر المالكية وسائر العلماء، وهو الصحيح من مذهب مالك -رحمه الله- أنَّ ما كان طريقه الاجتهاد فإنَّ أهلَ المدينة كغيرهم من الأئمَّة فلا حُجَّة فيه على من خالفهم(٣)، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لأنَّ أهلَ المدينة بعضُ الأُمَّة، والعصمة عن الخطأ تثبت لجميع الأُمَّة لا لبعضها(٤)، وإجماعُ أهلِ المدينةِ من وجوه الترجيح باتفاق المالكية وهو مذهب الشافعي ورواية عند أحمد.

هذا، والخلاف فيما طريقه الاجتهاد معنويٌّ يتفرَّع منه جملةٌ من الآثار منها:

ـ مسألة الحامل تترك الصلاة إذا رأت الدم؛ لأنها تحيض ـ عند مالك ـ بحُجَّة إجماع أهل المدينة(٥)، خلافًا للأحناف والحنابلة، فالحاملُ ـ عندهم ـ لا تحيض، وإنما الدم الذي تراه هو دم عِلَّة أو استحاضة فلا يجوز لها أن تترك الصلاة(٦).

ـ ومن ذلك ـ أيضًا ـ الزكاة في الفواكه والخضروات، فمذهب مالك: أنه لا زكاة في شيء من الفواكه والبقول، ويحتجُّ على ذلك بما عليه أهل المدينة(٧)، وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله، أمَّا أبو حنيفة -رحمه الله- فذهب إلى وجوب الزكاة في كلِّ ما أخرجت الأرض من زرع أو تمر إلَّا الحطب والقصب والحشيش(٨).

ـ ومن ذلك فائتة السفر فإنه يقضيها المصلي ـ عند مالك ـ -رحمه الله- كما فاتته، واحتجَّ بعمل أهل المدينة(٩)، وبه قال الأحناف خلافًا للشافعية والحنابلة الذين ذهبوا إلى أنَّ الفائتة يقضيها صلاة حضر(١٠).

وكذلك البِكْرُ يزوِّجها أبوها من غير استئمار عملًا بإجماع أهل المدينة(١١)، وعليه مالك وكذا الشافعي وأحمد رحمهم الله مع اختلاف مأخذهما، أمَّا الأحناف فيقرِّرون وجوب الاستئمار وهو شرط في صِحَّة النكاح(١٢).

ـ وكذلك المرأة التي فارقها زوجها الثاني وعادت إلى الأوَّل عادت بما تبقى من الطلاق واحتجَّ مالك -رحمه الله- بعمل أهل المدينة(١٣)، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد في أصحِّ الروايتين عنه، خلافًا لأبي حنيفة الذي يرى أنَّ زواجها بالثاني يهدم ما دون الثلاث كما يهدم الثلاث(١٤).

ـ ومن ذلك قَبول شهادة المجلود حدًّا إذا تاب وأَصلَحَ قُبلت شهادته عند مالك استدلَالًا بإجماع أهل المدينة(١٥)، وإلى هذا ذهب الشافعي وغيرُه، خلافًا لأبي حنيفة فإنَّها تُردُّ شهادته عنده(١٦).

ـ ومن ذلك عدم توريث ذوي الأرحام، وقد اعتمد مالك في «الموطإ» على إجماع أهل المدينة(١٧)، وهو مخالف لما عليه الجمهور من توريثهم(١٨).

 



(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٢٠٤ ـ ٣٠٦).

(٢) المصدر السابق نفسه (٢٠/ ٣٠٨).

(٣) انظر: «إحكام الفصول» للباجي (٤٨٠)، «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (١/ ٦٨)، «منتهى السول» لابن الحاجب (٥٧)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٣٣٤)، «نشر البنود» للعلوي (٢/ ٨٩)، «الجواهر الثمينة» للمشاط (٢٠٧)، «الفكر السامي» للحجوي (١/ ٢/ ٣٨٨)، «المذكرة» للشنقيطي (١٥٤).

(٤) انظر المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (٢٨٢).

(٥) «موطأ مالك» (١/ ٧٨).

(٦) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٣٦١)، وقال: «والحامل لا تحيض إلَّا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس».

(٧) «موطأ مالك» (١/ ٢٦٣).

(٨) «الهداية» للمرغيناني (٢/ ٣).

(٩) «الموطأ» لمالك (١/ ٣٢).

(١٠) «الهداية» للمرغيناني (١/ ٤٠٥)، «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٨٢).

(١١) «الموطأ» لمالك (٢/ ٦٣).

(١٢) «الهداية» للمرغيناني (٢/ ٣٩٥).

(١٣) «الموطأ» لمالك (٢/ ٧١).

(١٤) «الهداية» للمرغيناني (٣/ ١٧٨).

(١٥) «موطأ» مالك (٢/ ١٩٩).

(١٦) والمسألة متفرِّعة ـ أيضًا ـ من قاعدة «الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو» انظر: «الهداية» للمرغيناني (٢/ ١٦).

(١٧) «موطأ مالك بشرح تنوير الحوالك» (٢/ ٥٨).

(١٨) انظر المسألة مفصَّلةً في مؤلَّفنا «ذوو الأرحام في أحكام المواريث».

عدد الزوار