المبحث الثَّالث: في التفريق بين العبادات المُفتقِرة إلى نيَّةٍ وغيرِها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 4 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2022 م

 

 

المبحث الثالث:
في التفريق بين العبادات المُفتقِرة إلى نيَّةٍ وغيرِها

اختلف العلماءُ في ضابطِ تمييز العبادات التي تفتقر في أدائها إلى نيَّةٍ مِنْ غيرها، ومنشأُ الخلاف هو في دخولها في مسمَّى الأعمال مِنْ عدمه، واحتياجِها إلى نيَّةٍ مميِّزةٍ أم لا.

ويمكن ـ لتحقيقِ هذه المسألة ـ أَنْ نتعرَّض للمطالب التالية:

المطلب الأوَّل: الأقوال:

ونعني بالأقوال ـ في هذا المطلب ـ عمومَ الذِّكر الداخلِ في العبادة: كقراءة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغيرِها، وقد ذَهَب جماعةٌ مِنْ أهل العلم إلى أنَّ هذه الأقوالَ لا تحتاج إلى نيَّةٍ مُطلَقًا لعدمِ دخولها في حديثِ عمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ»(١).

والمذهب الصحيح: هو اعتبارُها داخلةً في مسمَّى الأعمال، وأنها مشمولةٌ بحديثِ عمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه المتقدِّم، ويدلُّ عليه ما أَخبرَ اللهُ تعالى به مِنْ حالِ المُحتضَر مِنَ الكافرين عند الموت بقوله: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآ[المؤمنون: ٩٩ ـ ١٠٠]، فقَدْ فسَّر ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما العملَ في الآية بأنه قولُ: «لا إلهَ إلَّا اللهُ»(٢)، كما يدلُّ عليه حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ»(٣)، فقَدْ سمَّى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قولَ: «لا إلهَ إلَّا اللهُ» عملًا، لأنَّ الرَّجلَ لم يعمل شيئًا غيرَه؛ وهذا المعنى يفيده ـ أيضًا ـ حديثُ مُعاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ»(٤)(٥).

وإذا ما اعتُبِرَتِ الأقوالُ داخلةً في مسمَّى الأعمالِ فينبغي ـ درءًا للالتباس ـ أَنْ يُفرَّقَ بين جهتين مِنْ مقاصد المكلَّف: تتعلَّق الأولى ﺑ: «ذات الفعل»، والثانيةُ ﺑ: «الإخلاص».

¨  الجهة الأُولى: إذا قَصَد المكلَّفُ ذاتَ الفعل فإنه يُفرَّق بين صورتين وهما:

· الأولى: ما إذا كانت الأعمالُ مِنَ الأقوالِ وغيرِها متميِّزةً بنفسها لا لَبْسَ فيها، فإنها لا تحتاج إلى نيَّة القصد لله تعالى أو نيَّةِ التخصيص: كقراءة القرآن والتسبيحِ والتهليل والتكبير والتحميد وغيرِها، لأنها أعمالٌ في شكل أقوالٍ هي ـ بطبيعتها ـ مُنصرِفةٌ إلى الله تعالى، لا يستحقُّها سواه(٦).

ونظيرُها خُطبة الجمعة، فالأصحُّ أنه لا يُشترَط فيها النيَّةُ لعدمِ الْتِباسها بغيرها(٧).

·  الثانية: ما إذا الْتَبَسَتْ بعضُ الأقوال ببعضها فإنَّ النِّيَّةَ ضروريَّةٌ للأقوال التعبُّديَّة تمييزًا لها عن غيرها، كمَنْ نَذَر قراءةَ القرآن أو ذِكرًا، فإنه تجب فيه النِّيَّةُ للتمييز بين المنذور وغيرِه، والأذان ـ في الأصل ـ لا يحتاج إلى نيَّةٍ، وقد نَقَل العَيْنيُّ(٨) الإجماعَ على ذلك(٩)، وقد يحتاج الأذانُ إلى نيَّةٍ للصلاة الفائتة ـ سواءٌ كانَتْ مؤدَّاةً أو مقضيَّةً ـ لشِقِّها التوقيفيِّ دون الإعلاميِّ، تمييزًا عن الأذان للصلاة الحاضرة الذي يجتمع فيه الجانبُ التوقيفيُّ والإعلاميُّ، وكذلك يحتاج الأذانُ إلى نيَّةٍ مميِّزةٍ للصلاتين المجموعتين في وقتٍ واحدٍ مع اكتفاء المؤذِّن بأذانٍ واحدٍ.

وجديرٌ بالتنبيه: أنَّ الألفاظ الصريحةَ في عمومِ باب المعاملات ـ في غير القُرُبات ـ كالبيع والإجارة والهِبَة والمزارعة والسَّلَم والنكاح والطلاق وغيرِها مِنَ الألفاظ الواردة في شيءٍ غيرِ متردِّدٍ، والدالَّةَ على مدلولها بالمطابقة، فإنها لا تحتاج إلى نيَّةِ تعيين المدلول لكونها تنصرف إليه مُباشَرةً، وكذلك الألفاظ اللُّغويَّة التي يَغلِبُ عليها الاستعمالُ الشرعيُّ حتَّى أَصبحَتْ حقيقةً شرعيَّةً كلفظ الصلاة والزكاة والصوم والحجِّ، فإنها تنصرف إلى حقيقتها الشرعيَّة مِنْ غير حاجةٍ إلى نيَّةٍ، ولا تنتقل إلى المعاني اللُّغويَّة إلَّا بنيَّةٍ معيِّنةٍ أو مدلولٍ يدلُّ عليها.

أمَّا الألفاظ الصريحة المتردِّدة بين شيئين ـ سواءٌ تعيَّنَتْ بالاستعمال الشرعيِّ أو العرفيِّ أو اللغويِّ ـ فلا تنصرف عن مدلولها الذي وُضِعَتْ له وتعيَّنَتْ فيه إلَّا بنيَّةٍ أو قرينةٍ صارفةٍ، فإذا أُطلِقَتْ تعيَّنَتْ في المعنى الذي وُضِعَتْ له ودلَّتْ عليه، فهي لا تحتاج إلى نيَّةِ تعيينٍ، وإنما تفتقر إلى نيَّةِ قصدٍ، فلو تلفَّظ بها مَنْ يجهل معانِيَها أو صدرَتْ مِنْ غيرِ مكلَّفٍ فإنه ـ على الصحيح ـ لا يُلزَم بمدلولها(١٠).

¨  الجهة الثانية: إذا قَصَد بها المكلَّفُ الإخلاصَ؛ فإنَّ الأقوال لا تُقبَل إلَّا إذا كانت مبنيَّةً على إخلاص العبادة لله تعالى، وهو شرط القبول، ولا يتمُّ إلَّا بنيَّةِ إرادةِ وجهِ الله عزَّ وجلَّ، وقد ذَكَر اللهُ تعالى الإخلاصَ في عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ القرآن الكريم، منها: قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ[البيِّنة: ٥]، وقولُه تعالى: ﴿فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢ أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُ[الزُّمَر: ٢ ـ ٣]، وقولُه تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤[الزُّمَر]، ومنه: قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(١١)؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وهذا الحديث يدخل فيه سائرُ الأعمال، وهذه النِّيَّةُ تُميِّزُ بين مَنْ يريد اللهَ والدارَ الآخرة بعمله، وبين مَنْ يريد الدنيا: مالًا وجاهًا ومدحًا وثناءً وتعظيمًا وغيرَ ذلك، والحديث دلَّ على هذه النيَّةِ بالقصد»(١٢).

فالحاصل: أنَّ لفظ النِّيَّة قد يُرادُ به ذاتُ الفعل لتمييزِ عملٍ مِنْ عملٍ وعبادةٍ مِنْ عبادةٍ:

¨  فإِنْ كانت مِنَ القُرُبات التي لا لَبْسَ فيها فإنها لا تحتاج إلى نيَّة التخصيص والتعيين.

¨  وإِنْ كانت الألفاظُ نصوصًا في شيءٍ غيرِ متردِّدٍ لم تَحتَجْ ـ هي الأخرى ـ إلى نيَّةِ تعيينِ المدلول لانصرافها ـ بصراحتها ـ إلى مدلولها.

¨  أمَّا إِنِ الْتَبَسَتْ بغيرها مِنَ القُرُباتِ أو تردَّدَتِ الألفاظُ بين شيئين أو أكثرَ فتحتاج ـ حالتَئذٍ ـ إلى نيَّة التعيين والتخصيص.

¨  أمَّا إِنْ أُرِيدَ بالنِّيَّة الإخلاصُ لتمييزِ معبودٍ عن معبودٍ ومعمولٍ له عن معمولٍ له فإنَّ الأعمالَ مِنَ الأقوالِ والأفعال لا تُقبَل إلَّا بها(١٣).

ـ يُتبَع ـ



(١) مُتَّفَقٌ عليه: مِنْ حديثِ عمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه:

بلفظ: الأعمال بالنِّيَّات: أخرجه البخاريُّ في «بدء الوحي» (١/ ٩) باب: كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم؟

وبلفظ: الأعمال بالنِّيَّة: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ١٣٥) بابُ ما جاء: إنَّ الأعمال بالنِّيَّة والحسبة، ولكُلِّ امرئٍ ما نوى، وفي «العتق» (٥/ ١٦٠) باب الخطإ والنسيان في العَتاقة والطلاق ونحوِه، ولا عَتاقةَ إلَّا لوجه الله، وفي «مناقب الأنصار» (٧/ ٢٢٦) بابُ هجرة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وأصحابِه إلى المدينة، وفي «الأيمان والنذور (١١/ ٥٧٢) باب النِّيَّة في الأيمان، وفي «الحِيَل» (١٢/ ٣٢٧) بابٌ في تركِ الحِيَل، وأنَّ لكُلِّ امرئٍ ما نوى في الأيمان وغيرِها. ومسلمٌ في «الإمارة» (١٣/ ٥٣) بابُ قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إنما الأعمالُ بالنِّيَّة» وأنه يدخل فيه الغزوُ وغيرُه مِنَ الأعمال.

وبلفظ: العمل بالنِّيَّة: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» (٩/ ١١٥) باب: مَنْ هاجر أو عَمِل خيرًا لتزويجِ امرأةٍ فله ما نوى. مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.

(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١٢/ ١٥٠)، «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٥٩٣).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «بدء الخَلْق» (٦/ ٣٣٨) بابُ صفةِ إبلِيسَ وَجنودِه، ومسلمٌ في «الذِّكر والدعاء» (١٧/ ١٧) بابُ فضل التهليل والتسبيح والدعاء، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ـ ط. الميمنيَّة ـ (٥/ ٢٣٩) ـ ط. الرسالة ـ (٣٦/ ٣٩٦). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٦٤٤).

(٥) يستفاد مِنَ الحديثِ أهمِّيَّةُ الذِّكرِ وعظيمُ فضلِه، وأنه مِنْ أكبرِ أسباب النجاة مِنْ مَخاوفِ عذاب الله يومَ القيامة، وهو مِنَ المُنجِيات ـ أيضًا ـ مِنْ عذاب الدنيا ومَخاوفِها، ولذا ورَدَتْ نصوصٌ في مواقف الجهاد والخطر يقرن اللهُ تعالى فيها الأمرَ بالثبات لقتالِ أعدائه وجهادهم بالأمر بذِكره؛ قال تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥[الأنفال] [انظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (٤/ ٢١٣)].

(٦) انظر: «الأمنيَّة في إدراك النِّيَّة» للقرافي (٢١).

(٧) انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (١٢).

(٨) هو أبو الثناء وأبو محمَّدٍ بدرُ الدِّين محمودُ بنُ أحمد بنِ موسى العينتابيُّ الأصلِ والمولدِ والمنشإ، المصريُّ الدارِ والوفاة، القاهريُّ الحنفيُّ المعروف ﺑ العَيْنيِّ؛ وهو حَلَبيُّ الأصل؛ كان إمامًا في علومٍ شتَّى، وبَرَع في الفقه والحديث والعربيَّة، وتولَّى قضاءَ الحنفيَّة، وله تآليفُ حِسانٌ منها: «عُمدةُ القاري شرح صحيح البخاري»، و«شرح شواهد الرضيِّ»، وكُتُبٌ أخرى في الفقه والسِّيرة والتاريخ؛ له مآثرُ جمَّةٌ؛ تُوُفِّيَ سَنَةَ: (٨٥٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «الضوء اللامع» للسخاوي (١٠/ ١٣١)، «حُسن المحاضرة» للسيوطي (١/ ٤٧٣)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٧/ ٢٨٦)، «البدر الطالع» للشوكاني (٢/ ٢٩٤)، «الفكر السامي» للحَجْوي (٢/ ٤/ ١٨٥).

(٩) انظر: «عمدة القاري شرح البخاري» للعيني (١/ ٣٥).

(١٠) انظر: «الأمنيَّة في إدراك النيَّة» للقرافي (٢٢).

(١١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العلم» (١/ ٢٢٢) بابُ مَنْ سأل ـ وهو قائمٌ ـ عالمًا جالسًا، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٣/ ٤٩) باب: مَنْ قاتل لتكون كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه.

(١٢) «الأعمال بالنِّيَّات» لابن تيميَّة (٢١).

(١٣) ذَكَر ابنُ المنيِّر ـ رحمه الله ـ ضابطًا لِمَا تُشترَط فيه النِّيَّةُ مِنَ الأقوال، نَقَله السيوطيُّ ـ رحمه الله ـ في «منتهى الآمال» (١٢٥) بقوله: «وأمَّا الأقوال فتحتاج إلى النِّيَّة في ثلاثةِ مَواطِنَ: أحَدُها: التقرُّبُ إلى الله فرارًا مِنَ الرِّياء، والثاني: التمييز عن الألفاظ المُحتمِلة لغير المقصود، والثالث: قَصْدُ الإنشاء ليخرج سبقُ اللسان».