الفتوى رقم: ١٠١٣

الصنـف: فتاوى الحج - العمرة

في عمل الحلق والتقصير في الحجِّ

السـؤال:

هل أفضلية الحلق على التقصير في المناسك على وجه الإطلاق؟ وهل يستوعب في تقصيره كلَّ شعره أم تكفي بعض الشعرات، وكيف يفعل الأصلع؟ وهل من السنة عند مغادرة الكعبة استقبالها والرجوع القَهْقَرَى إلى الخلف؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فتظهر أعمال الحلق والتقصير في العمرة فيما يلي:

·  أولا: إِنْ أَتَمَّ المُعتمِرُ سعيَه سبعةَ أشواطٍ فله الاختيارُ بين الحلق والتقصير، ويدلُّ عليه حديثُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما: «فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا»(١)، وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا»(٢)؛ والحلقُ أفضلُ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تَرحَّم على المُحلِّقِين ثلاثًا وعلى المُقصِّرِين مرَّةً(٣)؛ إلَّا إذا كان متمتِّعًا قاصدَ الحجِّ وقَرُبَ وقتُ حَجِّه، فيقصِّر ليبقى له شَعْرٌ يحلقه في مناسك الحجِّ، فالتقصيرُ أفضلُ مِنْ هذه الجهة، قال ابنُ قدامة رحمه الله: «المُستحَبُّ في حقِّ المتمتِّع عند حِلِّه مِنْ عمرته: التقصيرُ ليكون الحلقُ للحجِّ»(٤)؛ أمَّا إذا كان بين عمرته وحَجِّه فترةٌ كافيةٌ يطول الشعرُ خِلالَهَا فإنَّ الأفضلية تبقى للحلق(٥).

·  ثانيا: والمرأة لا تَحْلِقُ، وإنما تُقَصِّر شعرَها مِنْ كُلِّ قرنٍ أنملةً(٦) لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ»(٧)، قال ابنُ عبد البرِّ رحمه الله: «وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ النساءَ لا يَحْلِقْنَ، وأنَّ سُنَّتَهُنَّ التقصير»(٨).

·  ثالثا: ويكون الحلق والتقصير شاملًا لجميع الرأس، ويدلُّ على ما تقدَّم قولُه تعالى: ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقد حلَقَ صلى الله عليه وسلم جميعَ رأسه، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٩).

قال ابنُ قدامة رحمه الله: «يَلزَم التقصيرُ أو الحلقُ مِنْ جميعِ شعره، وكذلك المرأة، نصَّ عليه، وبه قال مالكٌ... ولنا: قولُ الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ﴾، وهذا عامٌّ في جميعه، ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حلَقَ جميعَ رأسه، تفسيرًا لمُطلَق الأمر به، فيجب الرجوعُ إليه، ولأنه نُسُكٌ تعلَّق بالرأس فوَجَب استيعابُه به كالمسح، فإِنْ كان الشعرُ مضفورًا قصَّر مِنْ رؤوس ضفائره كذلك، قال مالكٌ: تُقَصِّر المرأةُ مِنْ جميعِ قُرونها، ولا يجب التقصيرُ مِنْ كُلِّ شعرةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يُعلَم إلَّا بحلقه»(١٠).

·  رابعا: ويُستحَبُّ له البدايةُ عند الحلق أو التقصير بالشقِّ الأيمن لِمَا روى أنسٌ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نَاوَلَ الحَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ فَقَالَ: «احْلِقْ» فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ»(١١).

·  خامسا: قال ابنُ قدامة رحمه الله: «يُستحَبُّ لمَنْ حلَقَ أو قصَّر تقليمُ أظافره، والأخذُ مِنْ شاربه؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَله. قال ابنُ المنذر: ثَبَت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا حلَقَ رأسَه قلَّم أظفاره(١٢)، وكان ابنُ عمر يأخذ مِنْ شاربه وأظفاره، وكان عطاءٌ وطاوسٌ والشافعيُّ يُحِبُّون لو أَخَذ مِنْ لحيته شيئًا(١٣)، ويُستحَبُّ إذا حلَقَ أَنْ يبلغ العظمَ الذي عند مُنقطَع الصدغ مِنَ الوجه، كان ابنُ عمر يقول للحالق: ابْلُغِ العظمين، افْصِلِ الرأسَ مِنَ اللحية»(١٤).

·  سادسا: ومَنْ لا شعرَ على رأسه لا حَلْقَ عليه ولا فديةَ، ويُشرَع له إمرارُ المُوسَى على رأسه، ونَقَل ابنُ المنذر رحمه الله الإجماعَ على أنَّ الأصلع يُمِرُّ على رأسه المُوسَى(١٥)، وليس ذلك واجبًا(١٦).

·  سابعا: ويُستحَبُّ له أَنْ يطوف بالبيت تطوُّعًا طيلةَ مُدَّة إقامته بسبعةِ أشواطٍ، وصلاةُ ركعتين خلف المَقام إِنْ تيسَّر، زيادةَ أجرٍ وثوابٍ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ»(١٧)، ويحرص على العمل الصالح كما سيأتي في باب أعمال الحجِّ.

·  ثامنا: وإذا خَرَج مِنَ المسجد الحرام يخرج ـ عاديًّا ـ كما يخرج الناسُ مِنَ المساجد، فلا يَلتفِتُ إذا ولَّى ولا يمشي القهقرى(١٨)، ويقدِّم رِجلَه اليسرى عند الخروج، ويقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ»(١٩).

·  تاسعا: يجدر التنبيه إلى أنه:

إِنْ كان أهلَّ بالعمرة في غير أشهر الحجِّ وأراد مغادرةَ مكَّةَ فله أَنْ يُودِّعَ البيتَ بالطواف ليكون آخِرُ عهده بالبيت.

أمَّا إِنْ كان حاجًّا متمتِّعًا في أَشْهُرِ الحجِّ فيَحِلُّ منها حِلًّا كاملًا، ويُباحُ له جميعُ محظورات الإحرام، ويبقى إلى يوم التروية ـ وهو اليومُ الثامنُ مِنْ ذي الحجَّة ـ فيُهِلُّ بالحجِّ.

أمَّا مَنْ أهلَّ بحجٍّ مُفْرَدٍ أو بحجٍّ وعمرةٍ قارنًا ولم يَسُقِ الهديَ فيجبُ عليه أَنْ يتحلَّل بعمرةٍ(٢٠)؛ وأمَّا مَنْ ساق الهديَ فلا يَحِلُّ حتَّى ينحر هديَه يومَ النحر.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٣ جمادى الأولى ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ أبريل ٢٠٠٩م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» باب: تقضي الحائضُ المناسكَ كُلَّها إلَّا الطوافَ بالبيت (١٦٥١)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٦)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» بابُ تقصيرِ المتمتِّع بعد العمرة (١٧٣١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٣) انظر الحديثَ المُتَّفَقَ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» باب الحلق والتقصير عند الإحلال (١٧٢٧)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٠١)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

(٤) «المغني» لابن قدامة (٣/ ٣٩٢).

(٥) «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٥٦٧).

(٦) الأَنْمَلَةُ: وهي رأسُ الأصبع مِنَ المفصل الأعلى؛ والقرن: الخصلة مِنَ الشعر، أي: الضفيرة، [«مختار الصِّحاح» للرازي (٦٨٠) (٥٣٢)، وانظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤٣٩ ـ ٤٤٠)].

(٧) أخرجه أبو داود في «المناسك» باب الحلق والتقصير (١٩٨٤، ١٩٨٥) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث ذَكَر له ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٦/ ٢٦٧) مُتابَعاتٍ يتقوَّى بها، وحَسَّن إسنادَه الحافظ ابنُ حجرٍ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٥٢٩)، وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ١٥٧).

(٨) «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٤/ ٣١٣).

(٩) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٧)، والبيهقيُّ بلفظِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» في «السنن الكبرى» (٩٥٢٤)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(١٠) «المغني» لابن قدامة (٣/ ٣٩٣).

(١١) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٠٥) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(١٢) أخرجه أحمد (١٦٤٧٥) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ زيد بنِ عبد ربِّه صاحبِ الأذان رضي الله عنه. قال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٤/ ١٢): «رواه أحمد، ورجالُه رجالُ الصحيح»، وقوَّاه الشوكانيُّ بشواهده في «نيل الأوطار» (١/ ٧٣).

(١٣) انظر أيضًا: فتوى «في حكم تقصير اللحية بأمرٍ إداريٍّ مِن ولاة الأمر» على الموقع الرسميِّ.

(١٤) «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤٣٧).

(١٥) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٥٢).

(١٦) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤٣٧).

(١٧) أخرجه ابنُ ماجه في «المناسك» بابُ فضل الطواف (٢٩٥٦) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٤٩٧).

(١٨) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٦/ ١٤٣).

(١٩) أخرجه مسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧١٣) مِنْ حديثِ أبي أُسَيْدٍ الأنصاريِّ رضي الله عنه. وليس عند مسلم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عند أبي عوانة في «مستخرجه» (١٢٣٤)، وهو عند ابن ماجه (٧٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم».

(٢٠) انظر: «في أفضلية أنواع الإحرام في الحجِّ» على الموقع الرسميِّ.

.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة،

أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع

لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ھ/2004م - 1436ھ/2014م)