القول التمام
في شرح
أحاديث النهي عن إفراد الجُمُعة والسبت بالصيام

المسألة الأولى
في حكم إفراد الجمعة بالصوم

أوَّلًا: نصُّ الحديث:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»(١).

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»(٢).

ثانيًا: ترجمة راوي الحديث:

هو الصحابيُّ الجليل الحافظ المُكْثِرُ أبو هريرة رضي الله عنه، المعروفُ بكُنيته: أبي هُرَيْرة، اخْتُلِفَ في اسْمِه على نحوِ ثلاثين قولًا، وأَشْهَرُها: عبد الرحمن بنُ صخرٍ الدَّوْسيُّ، مِنْ دَوْسِ بنِ عدنانَ بنِ عبد الله بنِ زهران، مِنَ اليمن، أَسْلَمَ عامَ خَيْبَرَ سنةَ سبعٍ مِنَ الهجرة، وقَدِمَ المدينةَ مُهاجِرًا وسَكَنَ الصُّفَّة، وكان قد شَهِدَ خَيْبَرَ مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ لَزِمَه ووَاظَبَ عليه رغبةً في العلم، ويقول أبو هريرة رضي الله عنه مُحدِّثًا عن نَفْسِه: «لقد رأيتُني أُصْرَعُ بين منبرِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وحُجْرةِ عائشة، فيقال: مجنونٌ، وما بي جُنونٌ، وما بي إلَّا الجوعُ».

وقد كان رضي الله عنه أَكْثَرَ الصحابةِ روايةً وأوَّلَهم على الإطلاق، وله في كُتُبِ الحديث أربعةٌ وسبعون وثلاثُمائةٍ وخمسةُ آلافِ حديثٍ (٥٣٧٤)(٣)، وله فضائلُ ومَناقِبُ.

وقد استعمله عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه على البحرين ثمَّ عَزَلَه، ثمَّ أرادَهُ على العمل فامتنع، وسَكَنَ المدينةَ ووَلِيَ إمرتَها ونابَ عن مروان في إمرتها، وبها كانَتْ وفاتُه سنةَ سبعٍ وخمسين مِنَ الهجرة (٥٧ﻫ)، وقِيلَ: مات بالعقيق وحُمِلَ إلى المدينة، وصلَّى عليه الوليدُ بنُ عتبة بنِ أبي سفيان، وكان أميرًا على المدينة لعمِّه مُعاوية بنِ أبي سفيان رضي الله عنهما(٤).

ثالثًا: سند الحديث:

حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما ـ كما هو مُخرَّجٌ في الهامش ـ مِنْ طريقِ الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه مع اختلافٍ يسيرٍ في لفظه، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي..» الحديث؛ وفي حديثٍ للشيخين عن محمَّد بنِ عبَّاد بنِ جعفرٍ قال: سَأَلْتُ جَابِرًا رضي الله عنه: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟» قَالَ: «نَعَمْ»، وزاد مسلمٌ: «وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ»(٥)، وزاد البخاريُّ ـ أيضًا ـ في روايةٍ مُعلَّقةٍ وَصَلها النسائيُّ(٦): «يَعْنِي: أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمِهِ»(٧)؛ وفي الباب عن جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارث رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟»، قَالَتْ: «لَا»، قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟» قَالَتْ: «لَا»، قَالَ: «فَأَفْطِرِي»(٨).

هذا، ولحديثِ البابِ طُرُقٌ أخرى كثيرةٌ كُلُّها في معنًى واحدٍ، باستثناءِ ما أخرجه الطحاويُّ والحاكمُ وأحمد مِنْ حديثِ معاوية بنِ صالحٍ عن أبي بِشرٍ عن عامر بنِ لُدَيْنٍ الأشعريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ؛ فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ، إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»(٩)؛ قال الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ: «وهذا الحديثُ ممَّا سَكَت عليه الحافظُ في «الفتح»(١٠)، وهو مُنكَرٌ عندي»(١١).

رابعًا: غريب الحديث ومُفرَداته:

ـ «لَا يَصُومُ»: كذا للأكثر، وهو بلفظ النفي، والمُرادُ به النهي، ويُؤيِّده روايةٌ لمسلمٍ بلفظ النهي: «لَا يَصُمْ»(١٢)، وفي روايةِ الكُشْمَيْهَنيِّ: «لَا يَصُومَنَّ» بلفظ النهي المؤكَّد(١٣)، كما وَرَد الحديث بلفظ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْرَدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ»(١٤).

ـ «إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»: تقديرُه: «إلَّا أَنْ يصوم يومًا قبلَه أو يومًا بعده»؛ لأنَّ «يومًا» لا يصحُّ استثناؤه مِنْ «يوم الجمعة»، ولا جعلُه ظرفًا ﻟ: «لا يصوم»(١٥).

قال الكرمانيُّ(١٦): «يجوز أَنْ يكون منصوبًا بنزع الخافض، تقديرُه: إلَّا بيومٍ قبله، وتكون الباءُ للمُصاحَبة»(١٧)، ويُؤيِّدُه روايةُ ابنِ ماجه: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا بِيَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ يَوْمٍ بَعْدَهُ»(١٨).

ـ «لَا تَخْتَصُّوا»: قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «هكذا وَقَع في الأصول: «.. تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ» بإثباتِ تاءٍ في الأوَّل بين الخاء والصاد، وبحذفها في الثاني، وهما صحيحان»(١٩).

خامسًا: الفوائد والأحكام المُستنبَطة مِنَ الحديث:

حديثا الباب يندرجان في صوم التطوُّع وما نُهِي عن صومه، ويمكن أَنْ تُؤخَذ منهما الأحكامُ والفوائد التالية:

١ ـ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الأوَّلِ والثاني دليلٌ على النهي عن إفراد الجمعة بالصيام، وقد جاء حديثُ جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما مُطلَقًا عن تقييدٍ، حيث سُئِل رضي الله عنه: «أَنَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟» فَقَالَ: «نَعَمْ، وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ»(٢٠)، يعني: أَنْ يَنفرِد بصومه؛ ويدلُّ على جوازِ تقييده بما يُؤخَذُ مِنَ الاستثناء الواردِ في حديثِ الباب الأوَّل، وهو جوازُ صيامه لمَنْ صامه مقرونًا بيومٍ قبلَه أو يومٍ بعدَه لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»(٢١)؛ كما يدلُّ ـ أيضًا ـ الاستثناءُ الوارد في حديث الباب الثاني على جوازِ صوم الجمعة إذا «اتَّفَق وقوعُه في أيَّامٍ له عادةٌ بصومها كمَنْ يصوم أيَّامَ البيضِ أو مَنْ له عادةٌ بصومِ يومٍ مُعيَّنٍ كيومِ عَرَفةَ فوافق يومَ الجمعة، ويُؤخَذُ منه جوازُ صومه لمَنْ نَذَر [صومَ] يومِ قدومِ زيدٍ ـ مثلًا ـ أو يومِ شفاءِ فلان»(٢٢) فوافقَ يومَ الجمعة، فلا يُنهى عن صومه عملًا بالاستثناء الوارد في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»(٢٣).

فالحاصل أنَّ حديثَيْ أبي هريرة رضي الله عنه يدلَّان على أنَّ النهي عن إفراد الجمعة بالصيام يزول حكمُه ـ لحكمةٍ لا نعلمها ـ بأحَدِ الأمرين وهما:

ـ إذا قُرِن صيامُه بغيره وجُمِع معه يومٌ قبله أو بعده.

ـ أَنْ يُوافِق يومَ الجمعةِ صومٌ مُعتادٌ، كمَنْ صام صيامَ داود ـ مثلًا ـ فصادف يومُ صيامه يومَ الجمعة.

فلو أَفردَه بالصوم وَجَب فطرُه كما يُفيدُه حديثُ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها المتقدِّمُ، قَالَ: «فَأَفْطِرِي»(٢٤)؛ و«الأَصْلُ فِي الأَمْرِ الوُجُوبُ»(٢٥).

٢ ـ لا تَعارُضَ بين حديثَيْ أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن إفراد الجمعة بالصوم وبين حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ»(٢٦) كما سيأتي في المناقشة(٢٧).

٣ ـ في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه الأوَّلِ جاء النهيُ عن إفرادِ صومِ يوم الجمعة بلفظِ: «لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ..» مُطلَقًا عن قصد التخصيص أو عدمِ قصده، أمَّا حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه الثاني فجاء التقييدُ بالتخصيص بلفظِ: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ..»؛ فإنه يُفهِمُ جوازَ صيامِ يومِ الجمعة بدونِ قصدِ تخصيصه حملًا للمُطلَق على المُقيَّد؛ وعليه فلا يدخل في النهي سواءٌ بمُوافَقةِ عادةٍ أو بقَرْنه بغيره ونحو ذلك؛ لانتفاء تخصيص الجمعة وقصدِها بالصوم؛ قال الفاكهانيُّ(٢٨) ـ رحمه الله ـ: «إنَّ النهي إنما هو عن تحرِّيهِ واختصاصه دون غيره، وإنه متى صام مع صومه يومًا غيرَه فقَدْ خَرَج عن النهي، كان ذلك الصومُ قبله أو بعده»(٢٩).

٤ ـ ظاهِرُ حديثَيْ أبي هريرة رضي الله عنه: تحريمُ إفرادِ الجمعة بالصوم لأنَّ النهي يقتضي التحريمَ، وذَهَب جمهورُ العلماء إلى أنَّ النهي الواردَ فيهما للتنزيه لا للتحريم، وخالف مالكٌ وأبو حنيفة وقالا بعدمِ كراهةِ صومه مُنفرِدًا، وهي مسألةٌ مُختلَفٌ فيها أتعرَّض لها ـ لاحقًا ـ في فقه الحديث.

٥ ـ اختُلِف في وجه الحكمة مِنْ تحريمِ إفراد صوم الجمعة على أقوالٍ(٣٠)، أظهرُها في القوَّة وأولاها بالصواب أنَّ الحكمة مِنَ النهي عن صيامه مُنفرِدًا كونُه عيدَ الأسبوع، والعيدُ لا يُصامُ؛ ويدلُّ على هذا الوجهِ ما أشار إليه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ؛ فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ، إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»(٣١)؛ والحديث وإِنْ كان ضعيفَ الإسناد إلَّا أنه يشهد على اعتباره عيدًا بلفظٍ صريحٍ حديثان مرفوعان، وآخَرَان موقوفان:

أمَّا الحديثان المرفوعان فهُما:

الأوَّل: ما رواه ابنُ ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ»(٣٢).

الآخَر: ما رواه الطبرانيُّ في عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «عُرِضَتِ الْجُمُعَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَاءَ جِبْرِيلُ فِي كَفِّهِ كَالْمِرَآةِ الْبَيْضَاءِ فِي وَسَطِهَا كَالنُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ؟» قَالَ: «هَذِهِ الْجُمُعَةُ يَعْرِضُهَا عَلَيْكَ رَبُّكَ لِتَكُونَ لَكَ عِيدًا وَلِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ...»» الحديث(٣٣).

وأمَّا الحديثان الموقوفان فهُما:

الأوَّل: ما رواه ابنُ أبي شيبة عن قيس بنِ سَكَنٍ قال: «مَرَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ عَلَى أَبِي ذَرٍّ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَهُمْ صِيَامٌ، فَقَالَ: «أَقْسَمْتُ عَلَيْكُمْ لَتُفْطِرُنَّ؛ فَإِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ»»(٣٤).

الآخَر: ما رواه ابنُ أبي شيبة عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ حُكَيْمِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَطَوِّعًا مِنَ الشَّهْرِ أَيَّامًا فَلْيَكُنْ صَوْمُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَلَا يَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَذِكْرٍ؛ فَيَجْمَعُ اللهُ يَوْمَيْنِ صَالِحَيْنِ: يَوْمَ صِيَامِهِ وَيَوْمَ نُسُكِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ»(٣٥).

هذا، وشَبَهُه بالعيد مِنْ جهةِ تحريمِ صومه لا يستلزم استواءَه معه مِنْ كُلِّ جهةٍ ـ كما بيَّنه ابنُ القيِّم رحمه الله ـ فالفرقُ بينهما: أنَّ الإجماع مُنعقِدٌ على تحريمِ صومِ يوم العيد ولو صام قبلَه أو بعده، بخلافِ يومِ الجمعة فالإجماعُ مُنعقِدٌ على جوازِ صومه لمَنْ صام قبله أو بعده أو وافق عادةً؛ وعليه، فليس النهيُ عن إفراد الجمعة بصومٍ لأجلِ كونه عيدَ العام، بل لأنه عيدُ الأسبوع، ومَنْ صام معه غيرَه فلا يكون قد صامَهُ لأجلِ كونِ الجمعةِ عيدًا، بل انتفَتْ عنه صورةُ التحرِّي بالصوم فزالَتِ المفسدةُ مِنْ تخصيصه، بل يكون داخلًا في صيامه تبعًا لا أصالةً وتخصيصًا(٣٦).

٦ ـ الظاهر مِنْ حديثَيْ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ عِلَّةَ النهي عن صيامِ يومِ الجمعة هي الإفرادُ بالصوم، لكنَّ الإشكال الذي يطرح نَفْسَه: هل هذه العلَّةُ مخصوصةٌ بيوم الجمعة فقط دون سائر الأيَّام الأخرى، أم أنها عامَّةٌ يتعدَّى النهيُ فيها إلى قصدِ أيَّامٍ غيرِ الجمعة بالصوم كتخصيص الإثنين والخميس ـ مثلًا ـ بالصوم على وجه الاستمرار والدوام؟

وأقربُ القولين إلى الصواب هو أنَّ العِلَّةَ مخصوصةٌ بيوم الجمعة لأنَّ الداعيَ إلى تخصيصه شاملٌ لكُلِّ الأمَّة؛ ذلك لأنَّ الجمعة هو عيدُ الأسبوع للمسلمين، وأفضلُ مَجامِع المسلمين بعد مَجْمَعِ عَرَفةَ، ولأنه يومُ دعاءٍ وذِكرٍ وعبادةٍ، ويومُ زينةٍ وبهجةٍ وفرحةٍ، يُظهِرُ فيه المسلمُ عِزَّ الإسلامِ وقُوَّتَه ونشاطه، فالداعي ـ إذَنْ ـ إلى حماية الذريعة فيه وسَدِّها أَوْلى وأوكدُ مِنْ غيره، فمِنْ هذا الجانبِ كان تخصيصُ النهيِ به أقوى(٣٧).

هذا، ولو فرَضْنا أنَّ عِلَّةَ النهي عن صيامِ يوم الجمعة مُنفرِدًا عامَّةٌ، يتعدَّى النهيُ إلى قصدِ أيَّامٍ غيرِ الجمعة، وثَبَت بالدليل تخصيصُ البعضِ باستحبابِ صومه بعينه، وصُرِّح فيه بالحكمة والسببِ في مشروعيَّته على نحوِ ما وَرَد مِنْ دليلِ تخصيصِ يومَيِ الإثنين والخميس بالصوم، فقَدْ صحَّ حديثُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»(٣٨)؛ لكان الدليلُ الدالُّ على الاستحباب لم يتطرَّقْ إليه احتمالُ الرفع فيكون مخصِّصًا لعموم النهيِ المُستنبَطِ مِنْ عموم العلَّة؛ إذ لا يُعارَضُ بعموم العلَّة المُستخرَجة مِنَ النهي عن إفراد الجمعة؛ لاحتمالِ أنَّ عمومها مُخصَّصٌ لا يُرفَعُ به ما لا احتمالَ فيه(٣٩).

٧ ـ وفي المقطع الأوَّل مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي»(٤٠) دليلٌ على تحريمِ تخصيصِ ليلة الجمعة بقيامٍ أو صلاةٍ مِنْ بين الليالي، ويتعدَّى حكمُ النهي لكُلِّ عبادةٍ أو تلاوةٍ غيرِ معتادةٍ إلَّا ما استثناهُ الدليلُ الصحيح في ذلك كقراءةِ سورة الكهف(٤١)، فقَدْ وَرَد تخصيصُ ليلةِ الجمعة بقراءتها فيما رواه الدارميُّ موقوفًا على أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ العَتِيقِ»(٤٢)؛ والحديث وإِنْ كان موقوفًا فله حكمُ المرفوع لأنه ممَّا لا يُقالُ بالرأي والاجتهاد.

٨ ـ احتجَّ العلماءُ بمَقْطَعِ مسلمٍ السابق على تحريم الصلاة المُبتدَعةِ التي تُسمَّى بصلاة الرغائب، وهي التي تقع في أوَّلِ جمعةٍ مِنْ رجبٍ بين المغرب والعشاء، ويسبقها صيامُ الخميس الذي هو أوَّلُ خميسٍ في رجبٍ(٤٣)، ولو صحَّ حديثُ «صلاةِ الرغائب» لكان مُخصِّصًا لها مِنْ عموم النهي، ولكنَّه حديثٌ موضوعٌ(٤٤)؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وكُلُّ حديثٍ في ذِكرِ صومِ رجبٍ وصلاةِ بعضِ الليالي فيه فهو كذبٌ مُفترًى»(٤٥)، وقال النوويُّ ـ رحمه الله ـ عن «صلاة الرغائب»: «قاتَلَ اللهُ واضِعَها ومُخترِعَها؛ فإنها بدعةٌ مُنكَرةٌ مِنَ البِدَعِ التي هي ضلالةٌ وجهالةٌ، وفيها مُنكَراتٌ ظاهرةٌ، وقد صنَّف جماعةٌ مِنَ الأئمَّةِ مُصنَّفاتٍ نفيسةً في تقبيحها، وتضليلِ مُصلِّيها ومُبتدِعها، ودلائل قُبحها وبطلانِها، وتضلل فاعلها أكثر مِنْ أَنْ تُحصَر»(٤٦)؛ ذلك لأنَّ مبنى العبادة على اتِّباع الأمرِ والنهي، ولم يَرِدْ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه أَمَر بها، بل هي مُحدَثةٌ مردودةٌ بنصِّ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٤٧).

سادسًا: مواقف العلماء مِنَ الحديث [فقه الحديث]:

اختلف العلماءُ في حكمِ إفرادِ الجمعة بصومٍ بين مذهب القائلين بجوازه مُطلَقًا، وبين الناهين عنه إلَّا ما استثناهُ الدليل، غير أنَّ المذهب الأخير اختلف علماؤه في صيغة النهي الواردة في حديثَيْ أبي هريرة رضي الله عنه: هل هي للتحريم أم للكراهة التنزيهيَّة؟

أ) مذاهب العلماء:

وبناءً على الاختلافِ السابق صارَتِ المسألةُ مُنقسِمةً إلى ثلاثةِ مذاهبَ(٤٨):

ـ المذهب الأوَّل: يَحْرُمُ إفرادُ صومِ الجمعة باستثناءِ ما إذا وافق وقوعُه عادةً كان يصومها، كما يجوز صيامُه لمَنْ صامَهُ مقرونًا بيومٍ قبله أو يومٍ بعده؛ فلو أفرد الجمعةَ بصومٍ بدونِ ما تقدَّم وَجَب فِطرُه لزومًا، وهو مذهبُ ابنِ حزمٍ والمُحقِّقين، وقد حكاهُ ابنُ حزمٍ عن جماعةٍ مِنَ الصحابة رضي الله عنهم(٤٩).

ـ المذهب الثاني: يُكرَه إفرادُ الجمعة بصومٍ لوَحْدِه كراهةَ تنزيهٍ لا تحريمٍ، فإِنْ وَصَله بصومٍ قبله أو بعده أو وافق عادةً له زالَتِ الكراهةُ، وهو المشهورُ مِنْ مذهب الشافعيَّة(٥٠)، وبه قال الزُّهريُّ وأبو يوسف وأحمد، وهو مذهبُ الجمهور(٥١).

ـ المذهب الثالث: يجوز صومُ الجمعة بلا تحريمٍ ولا كراهةٍ مُطلَقًا، سواءٌ صامَهُ مقرونًا بيومٍ قبله أو بعده أو غيرَ مقرونٍ، وسواءٌ وافق عادةً له أو لم يُوافِقْ، وهو قولُ أبي حنيفة ومحمَّد بنِ الحسن، وبه قال مالكٌ وأصحابُه وجماعةٌ(٥٢).

ب) أدلَّة المذاهب السابقة:

استدلَّ كُلُّ مذهبٍ مِنَ المذاهب السابقة بأدلَّةٍ تُفيدُ حُكمَه، وسأتعرَّض لهذه الأدلَّة على الوجه التالي:

١) أدلَّة القائلين بتحريم إفراد صوم الجمعة:

استدلَّ هؤلاء على أنَّ النهي للتحريم بما يلي:

ـ بما هو ظاهرٌ مِنْ حديثَيِ الباب: أنَّ ما تقرَّر أصوليًّا: أنَّ صيغة النهي تقتضي ـ في الأصل ـ التحريمَ حقيقةً، ولا تُحمَلُ على غيره إلَّا بقرينةٍ(٥٣)، ولمَّا استُثنِيَ مِنَ الحديثين حالتان وهما: حالةُ اقترانِ صوم الجمعة مع يومٍ قبله أو بعده ـ أوَّلًا ـ أو في حالةِ ما إذا وافق يومَ الجمعةِ يومٌ مُعتادٌ صيامُه ـ ثانيًا ـ فإنَّ التحريم يزول حكمُه في الحالتين، ويبقى قائمًا في حالةِ إفراد الجمعة بالصوم؛ جمعًا بين دليلَيِ العموم والخصوص وعملًا بهما.

ـ بحديثِ جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارث رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟»، قَالَتْ: «لَا»، قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟» قَالَتْ: «لَا»، قَالَ: «فَأَفْطِرِي»(٥٤)، وفي الحديث دليلٌ واضحٌ على أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَوجبَ عليها الإفطارَ عن صومِ يوم الجمعة وَحْدَه بصيغة الأمر فأَفطرَتْ، فدلَّ ـ بالمقابل ـ على تحريمِ صومِه مُنفرِدًا؛ لأنَّ «الأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ» كما تجري عليه القواعدُ(٥٥).

ـ بأنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يَستدِلُّون على تحريم الشيء بصيغة النهي وهي: «لا تفعَلْ»، وينتهون بمُجرَّدِ سماعهم لها، ويُعاقِبون مَنْ يرتكبها، وقد نَقَل ابنُ المنذر وابنُ حزمٍ عَدَمَ حِلِّيَّةِ صوم الجمعة مُنفرِدًا عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأبي هريرة وسلمان الفارسيِّ وأبي ذرٍّ الغفاريِّ رضي الله عنهم؛ قال ابنُ حزمٍ(٥٦): «لا نعلم له مُخالِفًا مِنَ الصحابة رضي الله عنهم»(٥٧)، وما أجمعَ عليه الصحابةُ رضي الله عنهم وَجَب المصيرُ إليه.

٢) أدلَّة القائلين بكراهةِ إفرادِ صوم الجمعة:

استدلَّ الجمهورُ على أنَّ النهي للتنزيه بما يلي:

ـ بالنسبة لمَنْ يرى أنَّ الأصل في صيغة النهي أنها تقتضي الكراهةَ التنزيهيَّة فإنها لا تُحمَلُ على التحريم ولا على غيره إلَّا بقرينةٍ.

أمَّا بالنسبة لمَنْ يرى أنَّ الأصل في صيغة النهي أنها تقتضي التحريمَ فإنَّ النهي في الحديث وَرَد ما يصرفه إلى التنزيه، وهو أنَّ النهي الوارد في التخصيص بالصيام لم يَرِدْ لذات الصيام ليوم الجمعة لوحدِها، وإنما وَرَد لذات تخصيصها بالصوم؛ ويدلُّ عليه جوازُ صوم الجمعة مقرونًا بيومٍ قبله أو بعده، وكذا إذا وافق صومُ الجمعة يومًا اعتاد صيامَه، هذا مِنْ جهةٍ.

ومِنْ جهةٍ أخرى، فإنَّ النهي عن صومِ يوم الجمعة مُنفرِدًا إذا لم يكن مُنصَبًّا على ذات الصوم فإنه لم يُفِدْ لزومًا ولا حتمًا، بينما النهيُ عن صومِ يوم عيد الفطر أو الأضحى أفاد الحتمَ واللزوم، فكان النهيُ عنه في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ»(٥٨) يدلُّ على التحريم، فلا يجوز صيامُهما بحالٍ، ولا ينعقد للصائم لهما صيامًا شرعيًّا ولو صام يومًا قبلهما أو يومًا بعدهما، ولو كان الصومُ ـ في حقِّ الصائم ـ واجبًا قضاءً أو نذرًا أو كفَّارةً؛ ذلك لأنَّ الصائم فيهما مُعرِضٌ عن ضيافة الله بالإمساك عن الأكل والشرب(٥٩)، فضلًا عن العزوف عن سُنَّةِ التمتُّع في الأكل مِنَ الأضاحي والهدي في عيد الأضحى، وعن سُنَّةِ تمييز شهر الصيام عن شهر الفطر في عيد الفطر.

٣) أدلَّة القائلين بجواز إفراد صوم الجمعة مُطلَقًا:

استدلَّ المالكيَّةُ والحنفيَّةُ على جوازِ إفراد صوم الجمعة مِنْ غيرِ تحريمٍ ولا كراهةٍ بما يلي:

ـ بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه مرفوعًا: «خَمْسٌ مَنْ عَمِلَهُنَّ فِي يَوْمٍ كَتَبَهُ اللهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا، وَشَهِدَ جنَازَةً، وَصَامَ يَوْمًا، وَرَاحَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَأَعْتَقَ رَقَبَةً»(٦٠).

ـ وبحديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ»(٦١).

ـ وبحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ عَدَدَهُنَّ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ لَا يُشَاكِلُهُنَّ أَيَّامُ الدُّنْيَا»(٦٢).

ـ وبما روى ابنُ أبي شيبة عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفْطِرًا يَوْمَ جُمُعَةٍ قَطُّ»(٦٣).

فظاهرُ هذه الأحاديث يدلُّ على جوازِ صومِ يوم الجمعة وَحْدَه مِنْ غيرِ كراهةٍ(٦٤)؛ ولهذا قال مالكٌ ـ رحمه الله ـ: «لم أسمع أحَدًا مِنْ أهل العلم والفقه ومَنْ يُقتدَى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامُه حسنٌ، وقد رأيتُ بعضَ أهل العلم يصومه، وأُراهُ كان يتحرَّاه»(٦٥).

ـ بالمعقول استدلَّ القاضي عبد الوهَّاب(٦٦) ـ رحمه الله ـ على جواز صوم يوم الجمعة وَحْدَه بقوله: «لأنَّه يومٌ في الأسبوع كغيره مِنَ الأيام؛ ولأنَّ كُلَّ يومٍ لم يُكرَه صومُه مع ضمِّ غيرِه إليه لم يُكرَه بانفراده، أصلُه سائرُ الأيَّام»(٦٧).

ـ وبالمعقول ـ أيضًا ـ استدلَّ بعضُ الحنفيَّة على استحبابِ صومه: بأنَّ الجمعة يومٌ «مِنَ الأيَّام الفاضلة؛ فكان تعظيمُها بالصوم مُستحَبًّا»(٦٨).

ج) مناقشة الأدلَّة السابقة:

نُوقِشَتْ أَدِلَّةُ القائلين: إنَّ النهي عن إفراد الجمعة وَحْدَه يُفيدُ التحريمَ بأنَّ صيغة النهي مُشترَكةٌ بين الكراهة والتحريمِ وهي طلبُ الترك، ولمَّا كان النهيُ لم يَرِدْ على ذات المنهيِّ عنه وهو يومُ الجمعة فلم يُفِدْ حتمًا ولا لزومًا، فقَصُرَ بذلك عن التحريم إلى الكراهة التنزيهيَّة، وأمَّا التحريم فهو أمرٌ زائدٌ يحتاج إلى دليلٍ.

وأمَّا حديثُ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها فإنَّ الأمر بالإفطار يمكن حملُه على الاستحباب أو على أَوْلويَّةِ تركِ الصيام، وذلك لا يتنافى مع الكراهة.

أمَّا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنما وَرَد على عموم المناهي غيرِ المصروفة، أو تلك التي وَرَدَتْ لذات المنهيِّ عنه وأفادَتْ حتمًا بالترك ولزومًا، ولم تَرِدْ قرينةٌ صارفةٌ عن التحريم، وليس الحالُ في مسألتنا كذلك.

ونُوقِشَتْ أدلَّةُ القائلين: إنَّ النهي عن إفراد الجمعة وَحْدَه يُفيدُ التنزيهَ بأنَّ حكم النهي لا يخرج عن كونه محرَّمًا في الحالتين؛ لأنَّ أقسام الحرام: ما هو حرامٌ لذاته وهو غيرُ مشروعٍ ابتداءً وأصالةً، لأنَّ مَكْمنَ الحرمةِ فيه ذاتُ الفعل، ومنشأ الحرمة فيه عينُ المَحَلِّ، فكانتِ المفسدةُ والمَضرَّةُ فيه راجعةً إلى عين المَحَلِّ أو إلى ذات الفعل.

أمَّا القسم الثاني فما هو محرَّمٌ لغيره، وهو ما كان مشروعًا في أصله ابتداءً وأصالةً لعدم وجود المفسدة والمَضرَّة، ولكِنِ اقترن به أمرٌ آخَرُ يسبِّب مفسدةً وضررًا، فحرَّمه الشارعُ لهذا السبب، بمعنَى: أنَّ ما ترتَّب عليه مِنْ مفسدةٍ فهو لأمرٍ خارجٍ عن المَحلِّ والفعل.

ومِنْ خلالِ ما تقدَّم مِنْ تفريقٍ بين المحرَّم لذاته ولغيره يتقرَّر ـ عندئذٍ ـ عدمُ صرف النهي مِنَ التحريم إلى الكراهة، بل يبقى حكمُ التحريم قائمًا وإِنْ كان لغيره.

أمَّا القول بأنَّ النهي فيه لا يُفيدُ حتمًا ولا لزومًا فيردُّه حديثُ جُوَيْرِيَة رضي الله عنها السابق، فإنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَوجبَ عليها الإفطارَ بصيغة الأمر الدالِّ على الوجوب فأفطرَتْ، ولم تَرِدْ قرينةٌ صارفةٌ؛ والمعلومُ أنَّ «الأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ».

وأمَّا تحريمُ صوم يوم العيد فهو ـ أيضًا ـ مِنَ المحرَّم لغيره اقترن به مُنكَرٌ وهو الإعراضُ عن ضيافة الله بالصوم وغيرُها مِنَ المفاسد، فصار محرَّمًا لغيره، ولا يَستلزِمُ اشتراكُهما في حكم التحريم استواءَهما مِنْ كُلِّ وجهٍ ـ كما تقدَّم بيانُه(٦٩) ـ.

ونُوقِشَتْ أدلَّةُ المُجيزين لصوم الجمعة مُنفرِدًا مُطلَقًا بأنَّ حديثَ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه مرفوعًا: «خَمْسٌ مَنْ عَمِلَهُنَّ فِي يَوْمٍ كَتَبَهُ اللهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا، وَشَهِدَ جنَازَةً، وَصَامَ يَوْمًا، وَرَاحَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَأَعْتَقَ رَقَبَةً»، وحديثَ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ»(٧٠)، فليس في الحديث القوليِّ الأوَّلِ ولا الحديثِ الفعليِّ الذي بعده حجَّةٌ، إذ يُحتمَلُ أَنْ يكون المرادُ: أنه لمَنْ لا يتعمَّد فِطرَه، أي: مَنْ يصومه إذا وَقَع في الأيَّام التي جَرَتْ عادتُه أَنْ يصومها، أو لعلَّه كان يصوم معه يومًا قبله أو يومًا بعده(٧١)، ويحتمل أنه كان قبل النهي عن تخصيص الجمعة بالصوم، عملًا بقاعدةِ: «الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنِ البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ أَوْلَى تَقْدِيمًا مِنَ الدَّلِيلِ المُقَرِّرِ لَهَا»، ويحتمل ـ أيضًا ـ أَنْ يكون المُرادُ منه: أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُمسِك عن المُفطِّرات قبل الصلاة ولا يتغذَّى إلَّا بعد أداء الجمعة كما ثَبَت ذلك مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ الساعديِّ رضي الله عنهما قال: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ»، زاد مسلمٌ: «.. فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(٧٢)، ومع وجودِ هذه الاحتمالاتِ فلا يَتِمُّ الاستدلالُ(٧٣).

وقد عقَّب النوويُّ ـ رحمه الله ـ على كلامِ مالكٍ ـ رحمه الله ـ مِنْ أنه لم يسمع أحَدًا ممَّنْ يُقتدَى به ينهى عنه بما نصُّه: «والسُّنَّةُ مُقدَّمةٌ على ما رآهُ هو وغيرُه، وقد ثَبَت النهيُ عن صومِ يومِ الجمعة فيَتعيَّنُ القولُ به؛ ومالكٌ معذورٌ فإنه لم يبلغه؛ قال الداوديُّ مِنْ أصحابِ مالكٍ: لم يبلغ مالكًا هذا الحديثُ، ولو بَلَغه لم يُخالِفْه»(٧٤)، وهذا العذرُ فيه بُعدٌ لشهرة الحديثِ وانتشاره(٧٥)، وأمَّا ظاهرُ قولِ مالكٍ ـ رحمه الله ـ ونصُّه فيقتضي عدمَ كراهةِ صوم الجمعة مُنفرِدًا، وهذا ما أشار إليه الباجيُّ ـ رحمه الله ـ، ويحتمل أنَّ له قولًا آخَرَ في صيامِ يوم الجمعة يُوافِقُ الحديثَ(٧٦).

وأمَّا استدلالُ القاضي عبد الوهَّاب فقَدْ عابَهُ أبو بكرِ بنُ العربيِّ(٧٧) ـ رحمه الله ـ بقوله: «ومِنَ الغريب أَنْ يحتجَّ القاضي عبدُ الوهَّاب في نفي كراهةِ صومه بأنه يومٌ لا يُكرَهُ صومُه مع غيره فلا يُكرَهُ صومُه وَحْدَه كسائر الأيَّام، وهذا جمعٌ في موضعٍ فرَّق فيه صاحبُ الشرع؛ فكيف يجوزُ هذا في نظر المُحصِّل؛ الداوديُّ أصحُّ نظرًا منه لأنه قال: إنَّ مالكًا لو بَلَغه هذا الحديثُ لقال: نعم»(٧٨).

وقول القاضي عبدِ الوهَّاب وما ذَهَب إليه الحنفيَّةُ مِنِ استدلالهم بالمعقول قد ردَّه أهلُ العلم ـ أيضًا ـ لكونه قياسًا مع وجود النصِّ؛ قال الشوكانيُّ(٧٩) ـ رحمه الله ـ: «وهذا قياسٌ فاسدُ الاعتبار؛ لأنه منصوبٌ في مقابلةِ النصوص الصحيحة»(٨٠).

د) سبب الاختلاف:

يرجع سببُ الاختلاف إلى نوعين مِنَ الخلاف:

الأوَّل: عند المُحتجِّين بالنهي عن إفراد صوم الجمعة مِنْ أحاديث الباب، فإنَّ سبب الخلاف يرجع إلى:

ـ هل يُحمَلُ النهيُ فيها على صورة الإطلاق أم على التقييد؟

ـ هل صيغة النهي تُحمَل على أصالتها مِنَ التحريم أم تُصرَف إلى التنزيه؟

الآخَر: ويرجع سببُ الاختلاف بين المحتجِّين بالنهي عن إفراد صوم الجمعة والمجيزين له إلى:

ـ اختلاف حديثَيِ الباب مع حديثَيْ أبي سعيدٍ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنهما وظاهرِ تَعارُضِها(٨١).

فبالنسبة إلى النوع الأوَّل:

ـ فمَنْ أخَذ بظاهرِ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه الذي يفيد النهيَ مُطلَقًا، وحَمَل النهيَ على التنزيه؛ كَرِه صيامَه مُطلَقًا(٨٢).

ـ ومَنْ جَمَع بين مُطلَقِ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما وقيَّده بحديثَيْ أبي هريرة رضي الله عنه، وحَمَل النهيَ على ظاهرِه وأصالَتِه وهو التحريمُ لعدَمِ وجودِ دليلٍ أو قرينةٍ صارفةٍ، وعضَّده بحديثِ جُوَيْرِيَة رضي الله عنها وبإجماع الصحابة رضي الله عنهم؛ مَنَعَ صيامَ يوم الجمعة مُنفرِدًا إلَّا ما وَرَد مِنْ مُستثنَيَاتِ الحديثِ ـ كما تقدَّم(٨٣) ـ.

ـ ومَنْ يرى هذا الجمعَ، غيرَ أنه حَمَل صيغةَ النهي على الكراهة التنزيهيَّة أصالةً فلا يُحمَلُ عنده على التحريم إلَّا بقرينةٍ.

ويُوافِقُه في النتيجة: مَنْ يرى أنَّ النهي يُحمَل على التحريم أصالةً، إلَّا أنَّ النهي ـ عنده ـ لم يَرِدْ على ذات المنهيِّ عنه وهو الجمعةُ، وإنما وَرَد على تخصيصها بالصوم مِنْ جهةٍ، ولأنَّ صيغة النهي ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ لم تُفِدْ حتمًا ولا لزومًا؛ حَمَل النهيَ على التنزيه دون التحريم.

وبالنسبة إلى النوع الثاني:

ـ فمَنْ رأى أنَّ بين حديثَيِ الباب تعارضًا مع حديثَيْ أبي سعيدٍ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنهما؛ رجَّح حديثَيْ أبي سعيدٍ وابنِ مسعودٍ، وقوَّاهما بالقياس والمعقول؛ فأجاز صومَ يوم الجمعة مِنْ غيرِ كراهةٍ ولا تحريمٍ.

ـ ومَنْ رأى أنه لا تَعارُضَ بينهما، ويمكن الجمعُ بينهما، لوجودِ جملةٍ مِنَ الاحتمالات سَبَق ذِكرُها(٨٤)، وأنَّ الاستدلال العقليَّ لا ينتهض في مُقابَلةِ النصوص الشرعيَّة؛ عَمِلَ بأحاديث الباب الناهية عن إفراد صوم الجمعة، مع اختلافهم في حكم النهي: أهو على التحريم أم التنزيه؟! ـ كما تقدَّم ـ.

ﻫ) الرأي المختار:

والرأي المختار ـ عندي ـ هو المذهب الأوَّل عملًا بالإطلاق والتقييد بين مُطلَقِ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه الذي يُحمَل على مُقيَّدِ حديثَيِ الباب مِنْ جهةٍ، ولأنه ـ مِنْ جهةٍ ثانيةٍ ـ لا تَعارُضَ بينهما وبين حديثَيْ أبي سعيدٍ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنهما لِمَا سَبَق إيرادُه مِنَ الاحتمالات الطارئة عليهما والتي لا يَتِمُّ معها الاستدلالُ بهما على وجود التعارض، بل الجمعُ بينها والتوفيقُ أَوْلى مِنَ العكس، ولو سُلِّمَ التعارضُ فإنَّ أحاديث الباب قوليَّةٌ وحديثَ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه فعليٌّ، و«القَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الفِعْلِ» كما تجري عليه الأصولُ، ولأنَّ صيغة النهي ـ مِنْ جهةٍ ثالثةٍ ـ تُحمَلُ على التحريم لا على التنزيه، لعدمِ وجودِ قرينةٍ صارفةٍ أوَّلًا، ولأنها هي الأصلُ في المَناهي ثانيًا، ويشهد لذلك ـ ثالثًا ـ حديثُ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها، فضلًا عن تعضيدِ صيغة النهي بإجماع الصحابة رضي الله عنهم.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ٢٣٢) بابُ صومِ يوم الجمعة واللفظُ له، ومسلمٌ في «الصيام» (٨/ ١٨) بابُ كراهةِ إفرادِ يومِ الجمعة بصومٍ لا يُوافِقُ عادَتَه، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٨٠٥) باب النهي أَنْ يُخَصَّ يومُ الجمعة بصومٍ، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١١٩) بابُ ما جاء في كراهِيَةِ صومِ يوم الجمعة وَحْدَه، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٤٩) بابٌ في صيامِ يوم الجمعة بلفظِ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..»، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٣١٥)، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٤٩٥)، والبيهقيُّ في «سُنَنه الكبرى» (٤/ ٣٠٢)، ونَسَبه المنذريُّ في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٨١) للنسائي، وهو في «سُنَنه الكبرى» (٣/ ٢٠٨).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (٨/ ١٨) بابُ كراهةِ إفرادِ يومِ الجمعة بصومٍ لا يُوافِقُ عادَتَه، مِنْ طريقِ هشامٍ عن ابنِ سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) وسببُ ذلك لزومُه مجالسَ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ومُواظَبتُه عليها، ودعاؤه صلَّى الله عليه وسلَّم له، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «وَاللهُ المَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَصْحَبُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ القِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَحَضَرْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا فَقَالَ: «مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضْهُ إِلَيْهِ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي»، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حَتَّى قَضَى حَدِيثَه ثُمَّ قَبَضْتُهَا إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ» [أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ٢٤٠)].

أمَّا عن كُنيتِه رضي الله عنه فقَدْ أخرج الترمذيُّ (٥/ ٦٨٦) عن عبد الله بنِ رافعٍ قال: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: «لِمَ كُنِّيتَ أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: «أَمَا تَفْرَقُ مِنِّي؟» قُلْتُ: «بَلَى ـ وَاللهِ ـ إِنِّي لَأَهَابُكَ»، قَالَ: «كُنْتُ أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي، فَكَانَتْ لِي هُرَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ فَكُنْتُ أَضَعُهَا بِاللَّيْلِ فِي شَجَرَةٍ، فَإِذَا كَانَ النَّهَارُ ذَهَبْتُ بِهَا مَعِي فَلَعِبْتُ بِهَا؛ فَكَنَّوْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ».

(٤) انظر ترجمتَه وأحاديثَه في المصادر المُثبَتة على مؤلَّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (١٩٨).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ٢٣٢) بابُ صومِ يومِ الجمعة، ومسلمٌ في «الصيام» (٨/ ١٨) بابُ كراهةِ إفرادِ يومِ الجمعة بصومٍ لا يُوافِقُ عادَتَه، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٤٩) بابٌ في صيامِ يوم الجمعة، والنسائيُّ في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٠٤ ـ ٢٠٥).

(٦) انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ٢١٥).

(٧) أخرجها البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ٢٣٢) بابُ صومِ يوم الجمعة، وهي عند النسائيِّ في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٠٥) بلفظ: «أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى أَنْ يُفْرَدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ؟»، وفي لفظٍ: «أَنَّ جَابِرًا سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ أَنْ نُفْرِدَهُ»»، وفي لفظٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُفَرَدًا».

(٨) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ٢٣٢) بابُ صومِ يوم الجمعة.

(٩) أخرجه أحمد في «مُسنَده» (٢/ ٣٠٣، ٥٣٢)، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٣١٥ ـ ٣١٦)، والطحاويُّ في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٧٩)، والحاكم في «مُستدرَكه» (١/ ٤٣٧). قال الأرناؤوط في تخريج «زاد المَعاد» (١/ ٤١٩): «وفي سندِه: أبو بِشرٍ مُؤذِّنُ مسجدِ دمشق، وعامرُ بنُ [لُدَيْنٍ] الأشعريُّ: لم يُوثِّقْهما غيرُ العجليِّ».

(١٠) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٥).

(١١) «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ١١٧).

(١٢) «صحيح مسلم» (٨/ ١٨) ﺑ «شرح النووي».

(١٣) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٣).

(١٤) أخرجه أحمد في «مُسنَده» (٢/ ٣٩٤) مِنْ طريقِ عوفٍ عن ابنِ سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، وبنحوه النسائيُّ في «سُنَنه الكبرى» (٣/ ٢٠٥) مِنْ طريقِ ابنِ جُرَيْجٍ عن محمَّد بنِ عبَّاد بنِ جعفرٍ عن جابرٍ رضي الله عنه.

(١٥) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٣)، «العدَّة» للصنعاني (٣/ ٢٤٢).

(١٦) هو محمَّد بنُ يوسف بنِ عليِّ بنِ سعيدٍ شمسُ الدِّين الكرمانيُّ ثمَّ البغداديُّ الأشعريُّ، إمامٌ في الفقه والحديثِ والتفسير والأصلين والمَعاني والعربيَّة وعلمِ الكلام، وُلِد سنة: (٧١٧ﻫ)، فأَخَذ عن أبيه بهاءِ الدِّين وجماعةٍ ببلده، ثمَّ ارتحل إلى شيرازَ فأخَذ عن القاضي عَضُدِ الدِّين ولازمَهُ اثنتَيْ عشرةَ سنةً ثمَّ استوطن بغداد، له تصانيفُ منها: «شرح الفوائد الغياثيَّة» في المَعاني والبيان، وشرحٌ للبخاريِّ سمَّاهُ: «الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري»، و«حاشيةٌ على أنوار التنزيل للبيضاوي» في التفسير، و«شرح المواقف للإيجي» في علم الكلام، وله شرحٌ على مُختصَرِ ابنِ الحاجب، تُوُفِّيَ ـ رحمه الله ـ بطريق الحجِّ سنةَ: (٧٨٦ﻫ).

انظر ترجمته في: «الدُّرَر الكامنة» لابن حجر (٤/ ٣١٠)، «بُغْية الوُعَاة» للسيوطي (١٢٠)، «البدر الطالع» للشوكاني (٢/ ٢٩٢)، «مفتاح السعادة» لطاش كبرى (١/ ١٧٠ ـ ٢/ ١٨)، «هديَّة العارفين» للبغدادي (٢/ ١٧٢)، «مُعجَم المُؤلِّفين» لكحالة (٣/ ٧٨٤).

(١٧) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٣)، «العدَّة» للصنعاني (٣/ ٢٤٢).

(١٨) أخرجه بهذا اللفظِ ابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٤٩) بابٌ في صيامِ يوم الجمعة.

(١٩) «شرح النووي» لمسلم (٨/ ١٩).

(٢٠) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٥).

(٢١) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ١).

(٢٢) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٤)، وانظر: «شرح مسلم» (٨/ ١٩) و«المجموع» (٦/ ٤٣٧) كلاهما للنووي، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٢٦)، «توضيح الأحكام» للبسَّام (٢/ ٧٣٣).

(٢٣) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٢).

(٢٤) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٨).

(٢٥) انظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤٨).

(٢٦) أخرجه الترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١١٨) بابُ ما جاء في صومِ يومِ الجمعة، والنسائيُّ بنحوه في «الصيام» (٤/ ٢٠٤) بابُ صوم النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وأخرج الجملةَ الثانيةَ منه ابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٤٩) بابٌ في صيامِ يومِ الجمعة؛ وأخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٢٢) بابٌ في صوم الثلاث مِنْ كُلِّ شهرٍ، وليس فيه زيادةُ: «وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ». قال الترمذيُّ: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ» [انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٤)]. وحسَّن إسنادَه الأرناؤوط في «شرح السُّنَّة» (٦/ ٣٥٨).

(٢٨) هو أبو حفصٍ عمر بنُ عليِّ بنِ سالم بنِ صدقة اللخميُّ المالكيُّ، تاجُ الدِّين الفاكهانيُّ، كان إمامًا متفنِّنًا في الحديث والفقه والأصول والعربيَّة والأدب؛ مِنْ مشايخه: ابنُ دقيق العيد، وابنُ المُنيِّر، وابنُ جماعة؛ ومِنْ تلامذته: ابنُ كثيرٍ، وابنُ هشامٍ، وابنُ مرزوقٍ التلمسانيُّ؛ مِنْ تصانيفه: «التحرير والتحبير» شرحُ «رسالة ابنِ أبي زيدٍ القيروانيِّ»، و«رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام»، و«المنهج المُبين في شرح الأربعين» النوويَّة، و«الإشارة في العربيَّة»، وغيرُها؛ وُلِد بالإسكندرية سنةَ: (٦٥٤ﻫ)، وتُوُفِّيَ بها سنةَ: (٧٣١ﻫ).

انظر ترجمته في: «البداية والنهاية» لابن كثير (١٤/ ١٦٨)، «الديباج المذهب» لابن فرحون (١٨٦)، «الدُّرَر الكامنة» لابن حجر (٣/ ١٧٨)، «حُسن المحاضرة» (١/ ٢٦١) و«بُغْية الوُعَاة» (٣٦٢) كلاهما للسيوطي، «شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ٩٦)، «شجرة النور» لمخلوف (١/ ٢٠٤)، «الأعلام» للزركلي (٥/ ٥٦)، «مُعجَم المؤلِّفين» لكحالة (٢/ ٥٦٧).

(٢٩) نَقَله الفاكهانيُّ في «رياض الأفهام» (٣/ ٤٧٦) عن الداوديِّ مِنْ كتابِ «النصيحة» بمعناه.

(٣٠) ذَكَر الحافظُ ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٤/ ٢٣٥) سِتَّةَ أقوالٍ في بيانِ وجهِ الحكمة مِنَ النهي عن إفراد الجمعة بالصيام؛ وبِغَضِّ النظر عن أوَّلها الذي ذُكِر في المتن لرجحانه فإنه نصَّ على بقيَّة الأقوال على الوجه التالي: «..ثانيها: لئلَّا يضعف عن العبادة، وهذا اختاره النوويُّ، وتُعُقِّبَ ببقاء المعنى المذكور مع صومِ غيره معه، وأجاب بأنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جَبرُ ما يحصل يومَ صومه مِنْ فتورٍ أو تقصيرٍ، وفيه نظرٌ فإنَّ الجُبرانَ لا يَنحصِرُ في الصوم، بل يحصل بجميع أفعال الخير، فيَلزَمُ منه جوازُ إفراده لمَنْ عَمِل فيه خيرًا كثيرًا يقوم مَقامَ صيامِ يومٍ قبله أو بعده، كمَنْ أَعتقَ فيه رقبةً ـ مثلًا ـ ولا قائلَ بذلك، وأيضًا فكأنَّ النهي يختصُّ بمَنْ يُخشى عليه الضعفُ لا مَنْ يتحقَّق القوةَ، ويمكن الجوابُ عن هذا بأنَّ المَظِنَّة أُقيمَتْ مَقامَ المَئِنَّة، كما في جواز الفطر في السفر لمَنْ لم يَشُقَّ عليه؛ ثالثها: خوف المُبالَغة في تعظيمه فيُفتَتَن به كما افتَتَن اليهودُ بالسبت، وهو مُنتقِضٌ بثبوت تعظيمه بغير الصيام، وأيضًا فاليهودُ لا يعظِّمون السبتَ بالصيام، فلو كان الملحوظُ تَرْكَ مُوافَقتِهم لَتحتَّمَ صومُه لأنهم لا يصومونه، وقد روى أبو داود والنسائيُّ وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ مِنْ حديثِ أمِّ سَلَمةَ: «أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصوم مِنَ الأيامِ السبتَ والأحَدَ وكان يقول: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ»»؛ رابعُها: خوفُ اعتقادِ وجوبه، وهو مُنتقِضٌ بصوم الإثنين والخميس، وسيأتي ذِكرُ ما وَرَد فيهما في الباب الذي يَلِيه؛ خامسُها: خشيةُ أَنْ يُفرَض عليهم كما خَشِيَ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ قيامهم الليلَ ذلك، قال المُهلَّب: وهو مُنتقِضٌ بإجازةِ صومه مع غيره، وبأنه لو كان كذلك لَجاز بعده صلَّى الله عليه وسلَّم لارتفاع السبب، لكنَّ المُهلَّب حَمَله على ذلك اعتقادُه عدمَ الكراهة على ظاهر مذهبه؛ سادسُها: مخالفةُ النصارى لأنه يجب عليهم صومُه ونحن مأمورون بمُخالَفتِهم، نَقَله القموليُّ وهو ضعيفٌ» [وانظر: «المجموع» للنووي (٦/ ٤٣٨)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (٣/ ٤٧٤)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٣٧) نقلًا عن ابنِ حجر].

(٣١) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٩).

(٣٢) أخرجه ابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» (١/ ٣٤٩) بابُ ما جاء في الزينة يومَ الجمعة؛ وهو إمَّا حسنٌ أو صحيحٌ، [انظر: تحقيقَ «مشكاة المصابيح» للألباني (١/ ٤٤٠)].

(٣٣) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (٢/ ٣١٤). والحديث حسنٌ؛ [انظر: «صحيح الترغيب» (١/ ٤٣٥)].

(٣٤) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مُصنَّفه» (٢/ ٣٠٢). قال الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٤/ ١١٧): «وإسنادُه صحيحٌ».

(٣٥) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مُصنَّفه» (٢/ ٣٠٢). قال ابنُ حجر في «فتح الباري» (٤/ ٢٣٥): «إسنادٌ حسنٌ»، لكنَّ في إسناده عِمرانَ بنَ ظبيان: ضعَّفه الحافظ نفسُه في «التقريب» (٢/ ٨٣) [انظر: «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ١١٨)].

(٣٦) انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (١/ ٤١٩ ـ ٤٢٠)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٥)، «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤٧)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٣٧)، «التعليقات على عمدة الأحكام» للسعدي (٣٠٨).

(٣٧) انظر: «إحكام الأحكام» لابن دقيق العيد (٣/ ٢٤٣) ومعه: «العدَّة» للصنعاني.

(٣٨) أخرجه بهذا اللفظِ الترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١٢٢) بابُ ما جاء في صومِ يوم الإثنين والخميس، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

والجملة الأولى ـ دون جملةِ الصيام ـ ثابتةٌ في مسلمٍ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (١٦/ ١٢٢) باب النهي عن الشحناء.

وأخرجه بنحوه مِنْ طُرُقٍ عن أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما أبو داود في «الصوم» (٢/ ٨١٤) بابٌ في صوم الإثنين والخميس، وأحمد في «مُسنَده» (٥/ ٢٠٠، ٢٠٥، ٢٠٩)، والدارميُّ في «سُنَنه» (٢/ ١٩ ـ ٢٠)، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٩٩)، والبيهقيُّ في «سُنَنه الكبرى» (٤/ ٢٩٣)، بلفظ: «إِنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ»».

وأخرجه النسائيُّ عن أسامة رضي الله عنه في «الصيام» (٤/ ٢٠١، ٢٠٢) بابُ صوم النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأحمد في «مُسنَده» (٥/ ٢٠١) بلفظ: «قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَصُومُ حَتَّى لَا تَكَادَ تُفْطِرُ، وَتُفْطِرُ حَتَّى لَا تَكَادَ أَنْ تَصُومَ، إِلَّا يَوْمَيْنِ إِنْ دَخَلَا فِي صِيَامِكَ وَإِلَّا صُمْتَهُمَا»، قَالَ: «أَيُّ يَوْمَيْنِ؟» قُلْتُ: «يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ»، قَالَ: «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»».

وصحَّح حديثَ أبي هريرة وأسامة رضي الله عنهما الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٤/ ١٠٢ ـ ١٠٤) وفي «صحيح الترغيب» (١/ ٦٠٤ ـ ٦٠٥).

(٣٩) انظر: «إحكام الأحكام» لابن دقيق العيد (٣/ ٢٤٣) ومعه: «العدَّة» للصنعاني (٣/ ٢٤٤).

(٤٠) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٢).

(٤١) انظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٢٤٧)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٣٦).

(٤٢) أخرجه الدارميُّ في «سُنَنه» في «فضائل القرآن» (٢/ ٤٥٤) بابٌ في فضلِ سورة الكهف. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب» (١/ ٤٥٥).

(٤٣) انظر: «الباعث» لأبي شامة (٤١)، «الإبداع» للشيخ محفوظ (٢٨٨)؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ فيها في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٣٤): «صلاة الرغائب: بدعةٌ باتِّفاق أئمَّةِ الدِّين .. والحديثُ المَرْويُّ فيها كذبٌ بإجماعِ أهل المعرفة بالحديث .. فلا نِزاعَ بين أهل المعرفة بالحديث أنَّ أحاديثَه كُلَّها موضوعةٌ» [بتصرُّف].

(٤٤) انظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤٧).

(٤٥) «المَنار المُنيف» لابن القيِّم (٩٦)؛ قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في «تبيين العَجَب بما وَرَد في فضل رجب» (١١): «لم يَرِدْ في فضلِ شهرِ رجبٍ، ولا في صيامه، ولا في صيامِ شيءٍ منه مُعيَّنٍ، ولا في قيامِ ليلةٍ مخصوصةٍ فيه حديثٌ صحيحٌ يصلح للحجَّة؛ وقد سَبَقني إلى الجزم بذلك الإمامُ أبو إسماعيل الهرويُّ الحافظ، رويناه عنه بإسنادٍ صحيحٍ، وكذلك رويناه عن غيره»، وقال ـ أيضًا ـ في (١٤): «وأمَّا الأحاديث الواردة في فضلِ رجبٍ، أو فضلِ صيامه، أو صيامِ شيءٍ منه صريحةً، فهي على قسمين: ضعيفةٌ، وموضوعةٌ».

(٤٦) «شرح مسلم» للنووي (٨/ ٢٠).

(٤٧) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٢/ ١٦) بابُ نقضِ الأحكام الباطلة وردِّ مُحدَثاتِ الأمور؛ واتَّفق الشيخان على إخراجه بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»: البخاريُّ في «الصلح» (٥/ ٣٠١) باب: إذا اصطلحوا على صُلحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ، ومسلمٌ (١٢/ ١٦).

(٤٨) ذَكَر ابنُ رشدٍ ـ رحمه الله ـ مذهبَ مَنْ أَخَذ بظاهرِ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه المتقدِّم (#الهامش ٥) أنه كَرِه صيامَ الجمعة مُطلَقًا، سواءٌ قَرَن صيامَه بغيره أم لم يقرنه، صادَفَ صومًا معتادًا أم لم يُصادِفْه [انظر: «بداية المجتهد» (١/ ٣١٠)].

(٤٩) انظر: «المُحلَّى» لابن حزم (٧/ ٢٠)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٤)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٣٦).

(٥٠) والمشهور عند الشافعية وجهان: أحَدُهما: ما ذُكِر في المتن، وهو الذي صحَّحه المتأخِّرون، وهو مثلُ قول الجمهور، والآخَرُ: ما نَقَله المُزَنيُّ عن الشافعيِّ أنه لا يُكرَه إلَّا لمَنْ أَضعَفَه صومُه عن العبادة التي تَقَع فيه مِنَ الصلاة والذِّكر والدعاء وغيرِها مِنَ الطاعات [انظر: «المجموع» للنووي (٦/ ٤٣٧)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٥)].

(٥١) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٦٥)، «المجموع» للنووي (٦/ ٤٣٧)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٤)، «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤٧)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٣٦).

(٥٢) انظر: «الإشراف» لعبد الوهَّاب (١/ ٤٥٠)، «بدائع الصنائع» للكاساني (٢/ ١١٩)، «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٣١٠).

(٥٣) انظر مسألةَ اقتضاءِ صيغة النهي للتحريم عند تجرُّدها عن المعاني والقرائن في: «مفتاح الوصول» للتلمساني ـ بتحقيقي ـ (٤٥٤) والمصادر المُثبَتة على هامشه.

(٥٤) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٨).

(٥٥) انظر مسألةَ: الأمر بالشيء نهيٌ عن ضِدِّه في: «مفتاح الوصول» للتلمساني ـ بتحقيقي ـ (٤٤٨) والمصادر المُثبَتة على هامشه.

(٥٦) هو أبو محمَّدٍ عليُّ بنُ أحمد بنِ سعيد بنِ حزم بنِ غالبٍ الفارسيُّ الأصلِ الأندلسيُّ القرطبيُّ؛ تفقَّه ابنُ حزمٍ على المذهب الشافعيِّ وانتقل إلى مذهبِ أهل الظاهر، وكان ابنُ حزمٍ قمَّةً في علوم الإسلام، يُجيدُ النقلَ ويتبحَّر فيه، ويُحسِنُ النظمَ والنثر، وينهض بعلومٍ جمَّةٍ، فكان فقيهًا مُفسِّرًا، مُحدِّثًا أصوليًّا، طبيبًا أديبًا، شاعرًا مُؤرِّخًا، عاملًا بعلمه زاهدًا في الدنيا؛ ولابنِ حزمٍ مُؤلَّفاتٌ علميةٌ عديدةٌ نافعةٌ وقيِّمةٌ في مُختلَف العلوم والفنون منها: «الإحكام في أصول الأحكام»، و«المُحلَّى في شرح المُجلَّى بالحُجَج والآثار»، و«الفصل في المِلَل والنِّحَل»، و«مراتب الإجماع»، و«جمهرة أنساب العرب»، ورسالةٌ في الطبِّ النبويِّ، وغيرها مِنَ المصنَّفات. تُوُفِّي ابنُ حزمٍ سنة: (٤٥٦ﻫ).

انظر ترجمته في المصادر المُثبَتة على مؤلَّفي: «الإعلام» (٢٤٣).

(٥٧) «المُحلَّى» لابن حزم (٧/ ٢٠).

(٥٨) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ٢٤٠) بابُ صومِ يوم النحر، ومسلمٌ في «الصيام» (٨/ ١٥ ـ ١٦) بابُ تحريمِ صوم يومَيِ العيدين؛ وفيهما نحوُه عن عمر وابنه وأبي هريرة رضي الله عنهم.

(٥٩) انظر: «القَبَس» لابن العربي (٢/ ٥١٢)، «التعليقات على عمدة الأحكام» للسعدي (٣٠٩).

(٦٠) أخرجه ابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٧/ ٦) وهو في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٢١).

(٦١) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٢٦).

(٦٢) أخرجه البيهقيُّ في «شُعَب الإيمان» (٥/ ٣٨٠) مِنْ طريقين عن أبي هريرة رضي الله عنه، في كُلٍّ منهما رجلٌ لم يُسَمَّ، واستنكره الألبانيُّ في «ضعيف الترغيب» (١/ ٣٢٠).

(٦٣) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مُصنَّفه» (٢/ ٣٠٣). قال ابنُ الجوزيِّ في «العِلَل المُتناهِيَة» (٢/ ٥٥٠) برقم: (٩٠٥): «هذا حديثٌ لا يَثْبُتُ».

(٦٤) انظر: «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٨١).

(٦٥) «موطَّأ مالك» (١/ ٢٩٠) في «جامع الصيام»، وانظر: «المُعلِم» للمازري (٦٠).

(٦٦) هو أبو محمَّدٍ عبدُ الوهَّاب بنُ عليِّ بنِ نصر بنِ أحمد التغلبيُّ البغداديُّ المالكيُّ، الفقيه الأصوليُّ، الشاعر الأديبُ العابد الزاهد، أخَذَ عن أبي بكرٍ الأَبْهَرِيِّ وحدَّث عنه، وتَفقَّهَ على كِبارِ أصحابه كابنِ الجلَّاب والباقِلَّانيِّ، وعليه ابنُ عمروسٍ وأبو الفضلِ مسلمٌ الدمشقيُّ، تولَّى القضاءَ بالعراق ومصر، وله مُصنَّفاتٌ عديدةٌ منها: «النصرةُ لمذهب مالكٍ» في مائةِ جزءٍ، و«المعونةُ في شرح الرسالة»، و«الإشرافُ في مَسائِلِ الخلاف»، و«عيونُ المسائل»، و«أوائلُ الأَدِلَّة»، و«الإفادةُ». تُوُفِّيَ سنة: (٤٢٢ﻫ).

انظر مصادِرَ ترجمته في: مؤلَّفي: «الإعلام» (٢٣٥).

(٦٧) «الإشراف للقاضي» عبد الوهَّاب (١/ ٤٥٠)، وانظر: «المنتقى» للباجي (٢/ ٧٦).

(٦٨) «بدائع الصنائع» للكاساني (٢/ ١١٩).

(٧٠) تقدَّم تخريجه، انظر: (#الهامش ٢٦).

(٧١) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية [كتاب الصيام] (٢/ ٦٥٢)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٣٤)، «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤٧)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٠٣).

(٧٢) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاريُّ في «الجمعة» (٢/ ٤٢٧) بابُ قولِ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ[الجمعة: ١٠]، ومسلمٌ في «الجمعة» (٦/ ١٤٨) بابُ صلاةِ الجمعة حِينَ زوالِ الشمس، وأبو داود في «الصلاة» (١٠٨٦) بابٌ في وقت الجمعة، والترمذيُّ في «الصلاة» (١/ ٤٠٤) بابُ ما جاء في القائلة يومَ الجمعة.

(٧٣) انظر: «تحفة الأبرار» للبيضاوي (١/ ٥٠٧)، «سُبُل السلام» للصنعاني (٢/ ٣٤٧)، قال ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٤/ ٢٣٤): «ومنهم مَنْ عَدَّه مِنَ الخصائص، وليس بجيِّدٍ لأنها لا تثبت بالاحتمال».

(٧٤) «شرح مسلم» للنووي (٨/ ١٩).

(٧٥) انظر: «رياض الأفهام» للفاكهاني (٣/ ٤٧٥).

(٧٦) انظر: «المنتقى» للباجي (٢/ ٧٦)، والمصدر السابق، الجزء والصفحة نفسهما.

(٧٧) هو محمَّدُ بنُ عبد الله بنِ محمَّدٍ المَعافريُّ الإشبيليُّ، الشهيرُ بأبي بكر ابنِ العربيِّ المالكيِّ، كان ـ رحمه الله ـ مِنْ كِبارِ عُلَماءِ الأندلس، وَلِيَ قضاءَ إشبيلية، ثمَّ صُرِفَ مِنَ القضاء، وأَقْبَلَ على نَشْرِ العلم، وله تصانيفُ شهيرةٌ منها: «العواصمُ مِنَ القواصم»، و«أحكامُ القرآن»، و«قانونُ التأويل»، و«عارضةُ الأحوذي»، و«المحصولُ في أصول الفقه». تُوُفِّيَ بالقرب مِنْ فاسٍ سنة: (٥٤٣ﻫ)، وحُمِلَ إليها ودُفِنَ بها.

انظر ترجمته في المصادر المُثبَتة على مؤلَّفي: «الإعلام» (٣٦١).

(٧٨) «عارضة الأحوذي» لابن العربي (٣/ ٢٨٧ ـ ٢٨٨).

(٧٩) هو أبو عبد الله محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ محمَّدٍ الشوكانيُّ، ثمَّ الصنعانيُّ اليمنيُّ، الفقيهُ المُحدِّثُ الأصوليُّ النَّظَّار، عُرِفَ بالإمام المجتهد، وُلِدَ بهجرةِ شوكانَ سنة: (١١٧٢ﻫ)، ونَشَأَ بصنعاء، كان فريدَ عَصْرِه ونادِرَ دَهْرِه، له مُؤلَّفاتٌ كثيرةٌ ومُفيدةٌ منها: «فتحُ القدير» في التفسير، و«نيلُ الأوطار» في الحديث، «إرشادُ الفحول» في الأصول. تُوُفِّيَ سنة: (١٢٥٠ﻫ).

انظر مصادِرَ ترجمته مُثبَتةً في: مؤلَّفي: «الإعلام» (٣٧١).

(٨٠) «نيل الأوطار» للشوكاني (٥/ ٣٣٧).

(٨١) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٣١٠).

(٨٢) المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسهما.

.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة،

أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع

لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ھ/2004م - 1436ھ/2014م)