قُلتم في الكلمة الشهرية رقم: (٤١) بعنوان: «في آداب المستفتي وجوانبِ تعامُله بالفتوى»: «والمشهودُ له بالعِلم والفضل في الأُمَّة فإنَّ خطأَه بالنِّسبة لصوابه يَسيرٌ، والاعتبارُ في الحكم عائدٌ إلى كثرةِ فضائلِهِ، إذ «للأكثر حكمُ الكُلِّ»»...  للمزيد

رقم الفتوى: ١٢٦٧

صنف الفتوى: فتاوى منهجية

في الاعتراض على الاعتبار في الحكم
بكثرة الفضائل وغلبة المحاسن

السؤال:

قُلتم في الكلمة الشهرية رقم: (٤١) بعنوان: «في آداب المستفتي وجوانبِ تعامُله بالفتوى»: «والمشهودُ له بالعِلم والفضل في الأُمَّة فإنَّ خطأَه بالنِّسبة لصوابه يَسيرٌ، والاعتبارُ في الحكم عائدٌ إلى كثرةِ فضائلِهِ، إذ «للأكثر حكمُ الكُلِّ»».

فينبني على ما قرَّرتموه مِنِ اعتبارِ كثرة الفضائلِ وحُسنِ السِّيرة: إلغاءُ المُؤاخَذة بالخطإ، وأنَّ كُلَّ مَنْ كان مِنْ أهلِ السُّنَّةِ ثمَّ وقَعَ فيما يُبدَّع به وانطبق عليه وصفُ البِدعةِ فإنَّ ذلك عصمةٌ له مِنَ الخُروج عن منهجِ أهل السُّنَّة والجماعة وإِنِ ابتدع ما ابتدع؛ لأنَّ الاعتبار في الحكم عائدٌ إلى كثرةِ فضائله، إذ للأكثر حكمُ الكُلِّ، وهذا تقريرٌ لبدعةِ منهج الموازنات.

والمعلوم أنَّ علماءَ الحديثِ يَبنون حُكْمَهم على رواة الحديث على نوعيَّة الخطإ، فرُبَّ خطإٍ واحدٍ يُترَك به صاحبُه وإِنْ لم يكن قد غَلَب عليه، ويُسقِطون به جميعَ مرويَّاته، وكُتُبُ الأئمَّة مليئةٌ بجَرحِ مَنْ يستحقُّ ذلك مِنَ المُنتسبين إلى السُّنَّةِ وتبديعِه مع كثرةِ فضائلهم ومحاسنِهم، كشأن المُتوقِّفينَ في القول بخَلْقِ القرآنِ.

أليس الأصحُّ أَنْ يُقال:

١ ـ مَنْ أخطأَ وبُيِّنَ له غَلطُهُ حتَّى تَبيَّن له الهدى في خلافه وأَصرَّ عليه وأَبَى الرُّجوعَ إلى الصَّواب.

٢ ـ ومَنْ كان خطؤه فاحشًا كشديدِ الغفلةِ وكثيرِ الوهم.

٣ ـ ومَنْ تَعمَّد الكذبَ ولو مَرَّةً واحدةً.

فهو ساقطٌ عن مرتبة الأخذ عنه والاستفادةِ منه.

فقَدْ نَقَل الشَّوكانيُّ ـ رحمه الله ـ الإجماعَ على خطإ الاعتبار بكثرة الفضائل فقال: «فإنَّ أهلَ البِدَعِ لم يُنكِروا جميعَ السُّنَّةِ ولا عَادَوْا كُتُبَهَا الموضوعةَ لجمعِها، بل أُلحِقَ عليهم اسْمُ البدعة عند سائر المُسلمين بمُخالَفةِ بعضِ مسائلِ الشَّرع»(١).

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ جاءَتِ العِبارةُ المَذكورةُ في مَعرِضِ بيانِ تفاوُتِ درجاتِ العلماءِ في مراتِبِ العِلمِ والكمالِ وما يجب في حقِّهم، وهُم طبقاتٌ وكُلُّهم معرَّضون للخطإ، إذ ليس أحَدٌ إلَّا يُؤخَذ مِنْ قولِهِ ويُرَدُّ إلَّا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما قال ذلك مالكٌ ـ رحمه الله ـ، وهُم ـ بلا شكٍّ ـ مأجورون في اجتهادهم وإِنْ أخطأوا لتَحرِّيهم الإصابةَ لقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(٢)، وقَلَّ في المُتأخِّرين مَنْ لم يقع في مُخالَفةٍ أو خطإٍ، فلو أَسقَطْناه بمُجرَّدِ ذلك ـ ولو كان تأوُّلُه فيه باجتهادٍ لإدراك الحقِّ ولم يكن عن مُراغَمةٍ له ـ لم يَكَدْ يَسلَمُ لنا أحَدٌ؛ وعليه فمِنْ حقِّ العالمِ ـ قبل أَنْ يُقدَّم له النُّصحُ ـ أَنْ يتثبَّت النَّاصحُ مِنْ كونِ الشيء الذي وقَعَ فيه ـ أو نُسِب إليه ـ خطأً دلَّتْ النُّصوصُ والأصولُ الشَّرعيَّةُ على أنَّه خطاٌ وغلطٌ أو معصيةٌ أو بدعةٌ أو نحوُ ذلك، والتَّحقُّقُ مِنْ أنَّ المخالِفَ قد وقَعَ حقيقةً في ذلك الخطإ المنسوبِ إليه، مِنْ دونِ أَنْ يكون له أيُّ حُجَّةٍ دافعةٍ يستدلُّ بها أو مَأخَذٍ يستند إليه أو يعتضد به، أو مَدرَكٍ يجنح ويركن إليه، بعيدًا عن الهوى والحسدِ والعصبيَّة أو التحاملِ عليه؛ لأنَّ الأصلَ حملُ النَّاس ـ في دينهم ـ على ما يظهرُ مِنْ حالهم، وعدمُ أخذِهم بالتَّخرُّصِ والظَّنِّ؛ إذ ليس أحَدٌ مِنَ الأئمَّة المقبولين عند الأمَّةِ قَبولًا عامًّا يتعمَّد مخالَفةَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في شيءٍ مِنْ سُنَّتِهِ ـ دقيقٍ ولا جليلٍ ـ وذلك لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌ٱجۡتَنِبُواْ ‌كَثِيرٗا ‌مِّنَ ‌ٱلظَّنِّ[الحُجُرات: ١٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَا ‌تَقۡفُ ‌مَا ‌لَيۡسَ ‌لَكَ ‌بِهِۦ ‌عِلۡمٌۚ ‌إِنَّ ‌ٱلسَّمۡعَ ‌وَٱلۡبَصَرَ ‌وَٱلۡفُؤَادَ ‌كُلُّ ‌أُوْلَٰٓئِكَ ‌كَانَ ‌عَنۡهُ ‌مَسۡـُٔولٗا ٣٦[الإسراء].

وعليه، فإِنْ ثَبَتَ يقينًا خطأُ المُجتهدِ وجَبَ تقديمُ النُّصحِ له بأسلوبٍ لائقٍ بمَقامِه على وجهٍ يُؤدِّي الغرضَ، فإِنْ كانَ فيه نقصٌ أو عيبٌ أو خطاٌ يسيرٌ معذورٌ فيهِ، فهو مُغتَفَرٌ أمامَ كثيرِ صوابِه؛ ذلك لأنَّ اليسيرَ بمَثابةِ النَّادر الذي لا حُكمَ له، والعبرةُ بالغالب، والنادرُ لا حُكْمَ له؛ ولذلك قال سعيد بنُ المُسيِّب ـ رحمه الله ـ: «ليسَ مِنْ عالمٍ ولا شَريفٍ ولا ذي فضلٍ إلَّا وفيه عيبٌ، ولكِنْ مَنْ كان فضلُه أكثرَ مِنْ نَقصِه ذَهَبَ نقصُه لفضلِه، كمَا أنَّه مَنْ غَلَبَ عليه نُقصانُه ذَهَبَ فضلُه»(٣)؛ وكما قال الشاعر:

ومَنْ ذا الَّذي تُرضى سجاياه كُلُّها كفى المرءَ نُبلًا أَنْ تُعَدَّ معايِبُهُ

ولمَّا كان العالِمُ لا يَسلَمُ مِنَ الخطإ فلا يجوزُ أَنْ يُشنَّع عليهِ بسببِ خطئه الذي هو فيه مُتأوِّلٌ مُستفرِغٌ فيه وُسْعَه، ولا أَنْ يُتَّهَم بالتَّعالي على الحقِّ وتقريرِه والاستقادةِ له، ولا بالتَّخاذُلِ عن دحضِ الباطل وبيانِ زيفه، ولا أَنْ يُلمَز بالتَّقليدِ والتَّعصُّبِ أو التَّشهِّي واتِّباعِ الهوى، بغرض الظهور والارتفاع بالنفس عليه والانتقاص مِنْ قَدْرِه ليدفع عمومَ أقوالِه ويُنفِّرَ النَّاسَ عنه، وخاصَّةً مَنْ كان مشهودًا له بالعلمِ والفضلِ وطِيبِ السريرة وحُسنِ السِّيرة في هذه الأمَّةِ، فإنَّ خطأَه في اجتهادهِ مأجورٌ عليهِ ـ كما تقدَّمَ ـ وهو فيه معذورٌ، سواءٌ عَلِمَ خطأَه ورجَعَ عنه أو لم يَعلَمْ بخطئِه، أو غَلَبَ على ظنِّه أنَّه على الحقِّ بدليلِه، ولم يُقنِعْهُ دليلُ الخصمِ، إمَّا لضعفٍ في حُجَّته أو احتجاجه، أو لمخالفته للأصولِ التي اعتمدَها هو أو غيرِ ذلكِ مِنَ الأسباب التي يُبرِّرُ موقفَه بها وتقوم بعُذره وأجرِه، وتُبرِئُه مِنَ التَّبِعة والإثم والوِزر لاجتهاده إصابةَ الحقِّ وعدمِ مُراغَمتِه له بالتَّشَهِّي والهوى، وتقطع الطريقَ على الآخذ عليه المُتحامِل الطاعنِ بها فيه، وعلى الآخذِ عنه الحاملِ له بعد تَبيُّنِ خطئه بحجَّةِ اتِّباعِ إمامِه، والتي أَحسنَ بَسْطَها وتقريرَها شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في كتابه: «رفعِ المَلام»، فيجبُ أَنْ يكونَ النَّاصحُ مُنصِفًا مُتَّصِفًا بالصِّدقِ والأمانة، فيُبيِّن ما يجب بيانُهُ مِن الخطإ ويُظهِر الصَّوابَ، ولا يتَّبِعهُ في هفوتِه وزلَّتِهِ ولو أقامَ عليها احتجاجَه الذي هو متَأوِّلٌ فيه تأويلًا سائِغًا، أو عارَضَ الحجَّةَ الصحيحةَ بأصولٍ اعتمدها ولو كانت ـ في الواقع ـ ضعيفةً غيرَ مُجدِيَةٍ، مِنْ غيرِ أَنْ تُدفَن محاسنُه أو تُهدَر فضائِلُه أو تُحطَّ مكانتُه؛ قال ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ: «والمُنصِفُ مَنِ اغْتَفَرَ قليلَ خطإِ المَرءِ في كَثيرِ صوابِه»(٤)، وقال الذَّهبيُّ ـ رحمه الله ـ: «وإنَّما يُمدَحُ العالمُ بِكثرةِ مَا لَهُ مِنَ الفَضائل، فلا تُدفَنُ المحاسِنُ لورطَةٍ، ولعلَّهُ رجَعَ عنها، وقد يُغفَرُ له باستِفراغِه الوُسْعَ في طَلبِ الحقِّ، ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ»(٥)، وفي هذا المعنى ـ أيضًا ـ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «ومَنْ له علمٌ بالشَّرعِ والواقعِ يَعلَمُ قطعًا أنَّ الرَّجلَ الجليلَ الذي له في الإسلامِ قَدَمٌ صالحٌ وآثارٌ حسنةٌ، وهو مِنَ الإسلامِ وأهلِه بِمكانٍ، قد تَكونُ مِنه الهَفْوةُ والزَّلَّةُ هو فيها مَعذورٌ بَل ومأجورٌ لاجتهادِه؛ فلا يجوزُ أَنْ يُتَبَّعَ فِيها، ولا يجوزُ أَنْ تُهدَرَ مَكانتُه وإمامتُه ومنزِلتُه مِنْ قُلوبِ المسلمينَ»(٦)، وقال أيضًا ـ رحمه الله ـ في موضعٍ آخَرَ: «فلو كان كُلُّ مَنْ أخطأَ أو غَلِطَ تُرِكَ جملةً وأُهدِرَتْ مَحاسِنُه، لَفسَدَتِ العلومُ والصِّناعاتُ والحِكَمُ وتَعطَّلَتْ مَعالِمُها»(٧)، لأنَّ الخطأَ إذا ما قُورِنَ بصوابِهِ فهو يسيرٌ، والاعتبارُ في الحُكمِ إنَّما هو بكثرةِ المحاسنِ وغلبةِ الفضائِلِ؛ قال الذهبيُّ ـ رحمه الله ـ: «نحبُّ السُّنَّةَ وأهلَها، ونحبُّ العالِمَ على ما فيهِ مِنَ الاتِّباعِ والصِّفاتِ الحميدة، ولا نحبُّ ما ابتَدعَ فيه بتأويلٍ سائغٍ، وإنَّما العبرةُ بكثرةِ المحاسِنِ»(٨)، وقال في موضعٍ آخَرَ: «ثمَّ إنَّ الكبيرَ مِنْ أئمَّةِ العلمِ إذا كَثُرَ صوابُه، وعُلِمَ تَحرِّيهِ للحقِّ، واتَّسعَ عِلمُه، وظَهَر ذَكاؤُهُ، وعُرِفَ صلاحُه ووَرعُه واتِّباعُه؛ يُغفَرُ له زَلَلُه، ولا نُضَلِّلُه ونَطَرحُه ونَنسَى محاسنَه؛ نعم ولَا نقتَدِي بِه في بدعتِه وخطئِه، ونرجُو له التَّوبَةَ مِنْ ذلك»(٩).

هذا، وما ذَكَره المُعترِضُ على الاعتبار في الحكم بكثرة الفضائل: أنَّ فيه إلغاءَ المُؤاخَذة، ومِنْ ثَمَّةَ ففيه تقريرٌ لبدعةِ منهجِ الموازناتِ، فهو استنتاجٌ بعيدٌ ودعوى باطلةٌ لا مَحَلَّ لها في الوجود إلَّا في ذِهنِ المُعترِضِ؛ وكما قِيلَ: «أَثبِتِ العرشَ ثُمَّ انْقُشْ»؛ ذلك لأنَّ النَّتيجةَ بَنَاها على مقدِّمةٍ فاسدةٍ وهي إلغاءُ العُذرِ بالتأويل وإيجابُ المُؤاخَذة بالخطإ والاجتهاد، وهذا لم يَقُلْ به أحدٌ مِنْ أهل العلمِ؛ لذلك كان البناء المنطقيُّ أو الاستنتاجيُّ لا يصلح، إذا كانت مقدِّمتُه فاسدةً قد اختلَّ شرطُها وهو تعمُّدُ مخالفةِ السبيل بعد البيان؛ وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَ‌ۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥[النساء]؛ والمعلومُ أنَّ «ما بُنِيَ على باطلٍ فباطلٌ».

وأمَّا قوله: «وهذا تقريرٌ لبدعةِ منهجِ الموازناتِ»، فينبغي أَنْ يُعلَمَ أنَّ هذا المنهجَ إنَّما يتعلَّقُ ببابِ نقدِ الرِّجال والرَّدِّ عليهم وتَقويمِهم، فلا يَتعرَّضُ فيهِ المُنتقِدُ لذِكرِ محاسنِ المجتهدِ المخطئِ وفضائلِهِ لئلَّا يُضعِفَ الرَّدَّ، وإنَّما يَتناولُ أخطاءَه وأغلاطَه والمَساوِيَ الَّتي هو عليها ويدعُو إليها ويُقيمُ الحجَّةَ عليها، والغرضُ مِنْ ذلك هو تَنبيهُ المُجتهدِ على أخطائِه وهفواتِه، وتحذيرُ غيرِه مِنَ الوقوعِ فيها، ونصيحةُ النَّاسِ وتحذيرُهم مِنْ خطرِها والميلِ إليها خلف أصحابِها، فهذا المَقامُ لا يستدعي التَّعرُّضَ للحسناتِ والفضائلِ على الأرجحِ؛ علمًا أنَّ قاعدةَ الموازناتِ بَيْنَ المَحاسنِ والمَساوي ليست مُطَّرِدَةً عند علماءِ الجرحِ والتَّعديلِ، وليست منهجًا مسلوكًا لهم.

ولا مجالَ لتطبيقِ هذه القاعدةِ عندَ التَّعرضِ لأعلميَّةِ شخصيَّةٍ إسلاميَّةٍ أو في سياق الترجمة، وخاصَّةً إِنْ كانت مرموقةَ المُستوى، وللنَّظرِ إلى المادَّةِ العلميَّة الصَّحيحةِ التي تُقدِّمها، فسَعَةُ مَحاسنِها وفضائلِها، وتَحرِّيها الإصابةَ للحقِّ تطغى على قليلِ الخطإ والغلطِ الذي وقعت فيه، والذي لم يَسلَمْ منه أحَدٌ مِنَ المتقدِّمين فضلًا عن المتأخِّرين؛ فواجبُ الإنصافِ ـ والحالُ هذه ـ يَقتَضي قَبولَ ما مع العالمِ المُجتهدِ مِنَ الحقِّ وتَرْكَ ما عليه مِنَ الخطإ والباطلِ؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ‌قُلۡتُمۡ ‌فَٱعۡدِلُواْ[الأنعام: ١٥٢]، وبقوله تعالى: ﴿... وَلَا ‌يَجۡرِمَنَّكُمۡ ‌شَنَـَٔانُ ‌قَوۡمٍ ‌عَلَىٰٓ ‌أَلَّا ‌تَعۡدِلُواْۚ ‌ٱعۡدِلُواْ ‌هُوَ ‌أَقۡرَبُ ‌لِلتَّقۡوَىٰ[المائدة: ٨]؛ وأمَّا أَنْ يُترَكَ جُملةً فتُهدَرَ محاسنُه وتُدفَنَ فضائلُه وعلومُه فهذا ليس مِنَ العدلِ في شيءٍ؛ ويُفضي هذا المَنهجُ السلوكيُّ إلى فساد العلومِ والصِّناعات وتعطيلِ مَعالمِها كما تقدَّمَ مِنْ قولِ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ وقال ـ أيضًا ـ في موضعٍ آخَرَ: «ولا تُوجِبُ هذه الزَّلةُ مِنْ شيخِ الإسلامِ [أي: أبي إسماعيلَ الأنصاريِّ الهَرَويِّ] إهدارَ محاسنِه، وإساءةَ الظَّنِّ به، فَمحلُّه مِنَ العلمِ والإمامةِ والمعرفةِ والتَّقدمِ في طَريقِ السُّلوكِ المَحَلُّ الذِي لا يُجهَلُ، وكُلُّ أحَدٍ فَمأخوذٌ مِنْ قولِه ومَتروكٌ إلَّا المعصومَ ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ـ، والكاملُ مَنْ عُدَّ خطؤُه، ولا سِيَّمَا في مِثلِ هذا المجالِ الضَّنكِ والمُعترَكِ الصَّعبِ، الَّذي زَلَّتْ فيه أقدامٌ وضلَّتْ فيه أفهامٌ، وافترَقَتْ بالسَّالكينَ فيه الطُّرُقاتُ، وأَشرَفُوا ـ إلَّا أَقَلَّهم ـ على أَوديَةِ الهَلَكَاتِ»(١٠).

وأمَّا استشهادُ المُعترِضِ بكلامِ الشَّوكانيِّ ـ رحمه الله ـ فلا يُعارِضُ ما قرَّرَه العلماءُ وبيَّنهُ الفقهاءُ فيما سَبَقَ ذِكرُه، لأنَّ مَنْ أصابَ قليلًا وأخطأ كثيرًا فلا يُؤخَذُ عنهُ العلمُ، وهذا خارجٌ عمَّا نحنُ فيه، ويدخلُ في أهل الأهواءِ والبِدَعِ، والخطأُ المُخرِجُ مِنْ أهل السُّنَّة إلى زُمرةِ أهل الأهواء والبِدَع هو مِنْ هذا القبيل، وبالمقابل كم مِنْ إمامٍ صدرت منه أخطاءٌ شفعَتْ جلالتُه في علم الحديث له فاغتُفِرَتْ أخطاؤه ولم تُخرِجْه مِنَ الاحتجاج به؛ وقد نَقَل ابنُ عبدِ البرِّ ـ رحمه الله ـ عن مالك بنِ أنسٍ ـ رحمه الله ـ أنَّه قال: «لا يُؤخَذُ العِلمُ عن أَربعةٍ: سَفِيهٍ مُعلِنِ السَّفَهِ، وصَاحبِ هَوًى يَدعُو النَّاسَ إِليهِ، ورجُلٍ مَعرُوفٍ بالكَذبِ في أحاديثِ النَّاسِ وإِنْ كان لا يَكذبُ على رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ورجُلٍ له فَضلٌ وصلاحٌ لَا يَعرِفُ ما يُحدِّثُ بِهِ»(١١).

علمًا أنَّ الواقع في الخطإ أو البدعة أو الغلطِ لا يجوزُ أَنْ يُقَرَّ عليه ولا يُقتدَى به فيه، لكِنْ لا ينبغِي دفنُ مَحاسنِه وإهدارُ فضائلِه، وهذا المعنى طبَّقَه الشَّوكانيُّ ـ رحمه الله ـ عمليًّا، فقَدِ استفاد في كُتُبه المنشورةِ مِنْ ثُلَّةٍ مِنَ العلماءِ المشهورينَ بالعلمِ والفضلِ وكثرةِ الصَّوابِ، فقَدِ اعتمد ـ مثلًا ـ في «نيلِ الأوطار» على «التَّلخيص الحبيرِ» و«فتح الباري» وغيرِهما ـ وكلاهما لابنِ حجر ـ و«على شرح النَّووي على مُسلم»، وفي «فتح القدير» على «تفسير القرطبي» وغيره، وفي «إرشاد الفحول» على «البحر المحيط» للزركشيِّ وعلى غيره؛ ولا يخفى أنَّ هؤلاءِ معلومٌ تلبُّسُهم بمذهب الأشعريَّة أو بمسائلَ منه مِنْ جهة المُعتقَد فمُستقِلٌّ ومُستكثِرٌ بحسب البيئة التي كانوا فيها وغلبةِ الأشاعرة فيها، وخفاءِ منهج السلف ومُعتقَدِهم أو بعضِه عند أشياخِهم؛ ومع ذلك لم يمنعه أَنْ يستفيد مِنْ علومهم الجَمَّة فيما تحرَّوْا فيه الحقَّ وكَثُرَ صوابُهم فيه، مِنْ غير إقرارٍ على الخطإ والغلطِ الذي فيها ولا اقتداءٍ بها؛ بل حالُ الشوكانيِّ ـ رحمه الله ـ في ذلك ليست أحسنَ حالًا مِنِ ابنِ حجرٍ ـ رحمه الله ـ، فهو نَشَأ نشأةً زيديَّةً شيعيَّةً اعتزاليَّةً، وبَقِيَتْ عليه منها بقيَّةٌ يسيرةٌ، لكنَّ طلَبَه للحقِّ وانتصارَه للدليل ـ بحسبِ وُسعِه ومبلغِ علمِه ـ فكَّ رقَبَتَه مِنْ رِبقةِ قُيودهما، حتَّى صار مقدَّمًا على أضرابه مِنَ المذاهب الأربعة ممَّنْ هو أقلُّ تجرُّدًا منه للدليل.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٤ مِنَ المحرَّم ١٤٤٣ﻫ
المُوافق ﻟ: ٢ سبتمبر ٢٠٢١م



(١) «أدب الطالب» (١٢٤).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» (٧٣٥٢) بابُ أجرِ الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أَخْطأَ، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٦)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه.

(٣) «جامع بيانِ العلم وفضله» لابن عبد البرِّ (٢/ ٤٨).

(٤) «القواعد» لابن رجبٍ (٣).

(٥) «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذَّهبي (١٦/ ٢٨٥).

(٦) «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٣/ ٢٨٣).

(٧) «مدارج السَّالكين» لابن القيِّم (٢/ ٣٩).

(٨) «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذَّهبي (٢٠/ ٤٦).

(٩) المصدر السَّابق (٥/ ٢٧١).

(١٠) «مدارج السَّالكين» لابن القيِّم (١/ ٢١٦).

(١١) «جامع بيانِ العلم وفضلِه» لابن عبد البرِّ (٢/ ٤٨).

.: كل منشور لم يرد ذكره في الموقع الرسمي لا يعتمد عليه ولا ينسب إلى الشيخ :.

.: منشورات الموقع في غير المناسبات الشرعية لا يلزم مسايرتها لحوادث الأمة المستجدة،

أو النوازل الحادثة لأنها ليست منشورات إخبارية، إعلامية، بل هي منشورات ذات مواضيع فقهية، علمية، شرعية :.

.: تمنع إدارة الموقع من استغلال مواده لأغراض تجارية، وترخص في الاستفادة من محتوى الموقع

لأغراض بحثية أو دعوية على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع :.

جميع الحقوق محفوظة (1424ھ/2004م - 1443ھ/2021م)