من الأمثال النبوية (٢) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 11 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 27 نوفمبر 2020 م



من الأمثال النبوية (٢)

عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» [رواه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢)].

هذا الحديث النبويُّ دليلٌ على منزلة العلم النافع، وقد شبَّه فيه الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ما جاء به من الدين كالغيث الذي يمطر الناسَ وهم في أشدِّ الحاجة إليه، ثمَّ شبَّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم بعلمه المعلِّم لغيره، فهو بمنزلة الأرض الطيِّبة، شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها.

ومنهم الجامع للعلم المستغرق فيه غير أنه لم يتأدَّب بآدابه ولم يعمل به إلَّا قليلا، فلم يثمر علمُه الثمرة المطلوبة في تزكية النفس واستقامة السلوك، فهو بمنزلة الأرض التي يستقرُّ فيها الماء لينتفع الناس به في السقاية والريِّ، دون أن تستفيد تلك الأرض من مائها المخزون فيها لكي تنبت وتخضرَّ، بل بقيت جرداء قاحلةً، أو أنبتت نباتًا قليلًا تتفاوت نسبتُه بحسَب استفادة الأرض من مائها.

فقد مثَّل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الهديَ الذي جاء به بالغيث، وقسم الناسَ في قبولهم له وانتفاعهم به إلى ثلاثة أقسامٍ:

ـ قسمٌ قبلوه وانتفعوا به في نفوسهم علمًا وعملًا وحفظًا وفهمًا وتعليمًا فكان في ذلك حياة قلوبهم وانتفاعُ غيرهم، فهؤلاء كالأرض الطيِّبة التي تقبل الماء فتنبت الكلأَ والعشب.

ـ وقسمٌ قبلوه وحفظوه وأدَّوْه إلى غيرهم، فهؤلاء لهم قلوبٌ حافظةٌ لكن ليست لهم أفهامٌ ثاقبةٌ لاستنباط المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهادٌ في الطاعة والعمل به، فهُم يحفظونه حتى يأتيَ طالبٌ متعطِّشٌ فينتفع بما عندهم، فهؤلاء كالأرض الأجادب التي لا تنبت، لكنَّها تمسك الماء فينتفع بها الناس والحيوان.

ـ وقسمٌ لم يقبل ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يحفظه أو ينتفع، وإنما أعرض عن الكتاب والسنَّة جهلًا أو استكبارًا، فهو كالأرض القيعان الملساء التي لا نبات فيها فلا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، وهذا الصنف لا يعبأ بهديٍ ولا علمٍ ممَّا جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لحياة القلوب، وإنما يصرُّ على الإعراض وعدم الاستجابة، ولا يرفع رأسًا للإصغاء أو القبول، فيحجب نفسَه عن الخير، ويحيا قاسيَ القلب كالصخرة الصمَّاء الصلبة، لا خير يُرتجى منه.

وهكذا يوضِّح الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بالأمثلة الحسِّيَّة المأخوذة من واقع الحياة ضرورةَ الاعتصام بالكتاب والسنَّة والتمسُّكِ بهما وخطرَ الأعراض عنهما واتِّباعِ الهوى.

[«منهج الإسلام في تزكية النفوس» لأنس كرزون (١/ ١٤٥)]