من أسرار فاتحة الكتاب (٢) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 5 صفر 1442 هـ الموافق لـ 22 سبتمبر 2020 م



من أسرار فاتحة الكتاب (٢)

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ[الفاتحة: ٧].

المسألة الثالثة: وهي ما فائدة زيادة «لا» بين المعطوف والمعطوف عليه؟ ففي ذلك ثلاث فوائد:

أحدها: أنَّ ذكرها تأكيدٌ للنفي الذي تضمَّنه «غير»، فلولا ما فيها من معنى النفي لَما عُطف عليها ﺑ«لا» مع الواو، فهو في قوَّة «لا المغضوب عليهم ولا الضالِّين»، أو «غير المغضوب عليهم وغير الضالِّين».

الفائدة الثانية: أنَّ المراد المغايرة الواقعة بين النوعين وبين كلِّ نوعٍ بمفرده، فلو لم يذكر «لا» وقيل: «غير المغضوب عليهم والضالِّين» أوهم أنَّ المراد ما غاير المجموع المركَّب من النوعين لا ما غاير كلَّ نوعٍ بمفرده، فإذا قيل: «ولا الضالِّين» كان صريحًا في أنَّ المراد صراطُ غير هؤلاء وغير هؤلاء. وبيان ذلك أنك إذا قلت: «ما قام زيدٌ وعمرٌو» فإنما نفيت القيام عنهما، ولا يلزم من ذلك نفيُه عن كلِّ واحدٍ منهما بمفرده.

الفائدة الثالثة: رفعُ توهُّم أنَّ الضالِّين وصفٌ للمغضوب عليهم وأنهما صنفٌ واحدٌ وُصفوا بالغضب والضلال ودخل العطف بينهما كما يدخل في عطف الصفات بعضها على بعضٍ نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ[المؤمنون: ١ ـ ٣] إلى آخرها، فإنَّ هذه صفاتٌ للمؤمنين، ومثل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى[الأعلى: ١ ـ ٣] ونظائره، فلمَّا دخلت «لا» عُلم أنهما صنفان متغايران مقصودان بالذكر، وكانت «لا» أَوْلى بهذا المعنى من «غير» لوجوهٍ:

أحدها: أنها أقلُّ حروفًا.

الثاني: التفادي من تكرار اللفظ.

الثالث: الثقل الحاصل بالنطق ﺑ«غير» مرَّتين من غير فصلٍ إلَّا بكلمةٍ مفردةٍ، ولا ريب أنه ثقيلٌ على اللسان.

الرابع: أنَّ «لا» إنما يُعطف بها بعد النفي، فالإتيان بها مؤذنٌ بنفي الغضب عن أصحاب الصراط المستقيم كما نفى عنهم الضلال وغيره، وإن أفهمتْ هذا فلا أدخل في النفي منها.

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٢/ ٣٣)]