من أسرار فاتحة الكتاب (٤) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 18 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 04 ديسمبر 2020 م



من أسرار فاتحة الكتاب (٤)

المسألة الثانية: وهي أنه قال: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة: ٧] ولم يقل المنعَم عليهم كما قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فجوابها وجواب المسألة السادسة واحدٌ وفيه فوائد عديدةٌ.

إحداها: أنَّ هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن، وهي أنَّ أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى، فيُذكر فاعلُها منسوبةً إليه ولا يُبنى الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حُذف الفاعل وبُني الفعل معها للمفعول أدبًا في الخطاب، وإضافتُه إلى الله تعالى أشرفُ قسمَيْ أفعاله، فمنه هذه الآية، فإنه ذكر النعمةَ فأضافها إليه ولم يحذف فاعلَها، ولمَّا ذكر الغضبَ حذف الفاعل وبنى الفعلَ للمفعول فقال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وقال في الإحسان: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الأحقاف: ٧٨ ـ ٨٠] فنسب الخلقَ والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولمَّا جاء إلى ذكر المرض قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل: «أمرضني»، وقال: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ، ومنه قوله تعالى حكايةً عن مؤمني الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا[الجن: ١]، فنسبوا إرادةَ الرشد إلى الربِّ وحذفوا فاعلَ إرادة الشرِّ وبَنَوُا الفعلَ للمفعول، ومنه قول الخَضِرِ عليه الصلاة والسلام في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا[الكهف: ٧٩]، فأضاف العيبَ إلى نفسه، وقال في الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا[الكهف: ٨٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ[البقرة: ١٨٧]، فحذف الفاعلَ وبناه للمفعول وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[البقرة: ٢٧٥]، لأنَّ في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل ومنه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ[المائدة: ٣]، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[الأنعام: ١٥١] إلى آخرها، ومنه ـ وهو ألطف من هذا وأدقُّ معنًى ـ قولُه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ[النساء: ٢٣] إلى آخرها، ثمَّ قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ[النساء: ٢٤]، وتأمَّلْ قولَه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ[النساء: ١٦٠] كيف صرَّح بفاعل التحريم في هذا الموضع وقال في حقِّ المؤمنين: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ[المائدة: ٣].

الفائدة الثانية: أنَّ الإنعام بالهداية يستوجب شُكْرَ المنعم بها، وأصلُ الشكر ذكرُ المنعم والعملُ بطاعته، وكان من شكره إبرازُ الضمير المتضمِّن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر، وكان في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة: ٧] مِن ذكره وإضافته النعمةَ إليه ما ليس في ذكر «المنعَم عليهم» لو قاله، فضمَّن هذا اللفظَ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ[البقرة: ١٥٢].

الفائدة الثالثة: أنَّ النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده، وهو المنعم بالهداية دون أن يَشْرَكه أحدٌ في نعمته، فاقتضى اختصاصُه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال: «أنعمتَ عليهم» أي: أنت وحدك المنعمُ المحسن المتفضِّل بهذه النعمة، وأمَّا الغضب فإنَّ الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم، وذلك يستلزم غضبَهم عليهم موافقةً لغضب ربِّهم عليهم. فموافقتُه تعالى تقتضي أن يُغضب على من غضب عليه ويُرضى عمَّن رضي عنه فيُغضب لغضبه ويُرضى لرضاه، وهذا حقيقة العبودية. واليهود قد غضب الله عليهم، فحقيقٌ بالمؤمنين الغضب عليهم، فحَذَفَ فاعلَ الغضب وقال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لمَّا كان للمؤمنين نصيبٌ من غضبهم على مَن غضب الله عليه بخلاف الإنعام فإنه لله وحده، فتأمَّلْ هذه النكتةَ البديعة.

الفائدة الرابعة: أنَّ المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنهم وتركِ الالتفات إليهم والإشارةِ إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصارِ عليها، وأمَّا أهل النعمة فهُم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشادة بذكرهم، وإذا ثبت هذا فالألف واللام في المغضوب ـ وإن كانتا بمعنى «الذين» ـ فليست مثل «الذين» في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمَّى، فإنَّ قولك: «الذين فعلوا» معناه «القوم الذين فعلوا»، وقولك: «الضاربون والمضروبون» ليس فيه ما في قولك: «الذين ضَرَبوا أو ضُربوا» فتأمَّلْ ذلك، ﻓ«الذين أنعمتَ عليهم» إشارةٌ إلى تعريفهم بأعيانهم وقصد ذواتهم، بخلاف المغضوب عليهم، فالمقصود التحذيرُ من صفتهم والإعراضُ عنهم وعدم الالتفات إليهم. والمعوَّلُ عليه من الأجوبة ما تقدَّم.

[«بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٢/ ١٨)]