آداب الضيافة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 27 جمادى الآخرة 1441 هـ الموافق لـ 21 فبراير 2020 م



آداب الضيافة

قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ. فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ. فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ[الذاريات: ٢٤ ـ ٢٧].

قال الأديب السلفيُّ محمود شكري الألوسي معلِّقًا على هذه الآية، ومبرزًا أوجُهَ البلاغة فيها: «ففي هذا من الثناء على إبراهيم عليه السلام وجوهٌ متعدِّدةٌ:

منها: أنه وَصَف إكرامَ ضيفِه بأنهم مُكْرَمون أي: أنَّ إبراهيم أكرمهم.

ومنها: قوله تعالى ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ فلم يذكر استئذانَهم، ففي هذا دليلٌ على أنه صلَّى الله عليه وسلَّم قد عُرِفَ بإكرام الضيفان واعتياد قِراهم، فبَقِيَ منزل مضيفه مطروقًا لمن وَرَده لا يحتاج إلى استئذانٍ، بل استئذان الدخول دخولُه، وهذا غاية ما يكون من الكرم.

ومنها: قوله: ﴿سَلَامٌ﴾ بالرفع وهم سلَّموا عليه بالنصب، والسلام بالرفع أكمل، فإنه يدلُّ على الجملة الاسمية الدالَّة على الثبوت والتجدُّد ، والمنصوب يدلُّ على الفعلية الدالَّة على الحدوث والتجدُّد، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام حيَّاهم بتحيَّةٍ أحسن من تحيَّتهم، فإنَّ قولهم: ﴿سَلَامًا﴾ يدلُّ على: «سلَّمْنا سلامًا»، وقوله: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: «سلامٌ عليكم».

ومنها: أنه حَذَف المبتدأَ من قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، فإنه لمَّا أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظٍ يُنَفِّرُ الضيفَ لو قال: أنتم قومٌ منكرون، فحذفُ المبتدأِ هنا من ألطف الكلام.

ومنها: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بنُزُلِهم، والروغان هو الذهاب في اختفاءٍ بحيث لا يكاد يُشْعَر به، وهذا من كرم المضيف.

ومنها: أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة، فدلَّ على أنَّ ذلك كان مُعَدًّا عندهم مهيَّأً للضيفان ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه أو غيرهم فيشتريَه أو يستقرضَه.

ومنها: قوله: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾: دلَّ على خدمته للضيف بنفسه ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف.

ومنها: أنه جاء بعجلٍ كاملٍ ولم يأت ببَضْعةٍ منه، وهذا من تمام كرمه.

ومنها: أنه سمينٌ لا هزيلٌ، ومعلومٌ أنَّ ذلك من أفخر أموالهم، ومثلُه يُتَّخَذُ للاقتناء والتربية فآثر به ضيفانَه.

ومنها: أنه قرَّبه إليهم بنفسه ولم يأمر خادمَه بذلك.

ومنها: أنه قرَّبه إليهم ولم يقرِّبهم إليه، وهذا أبلغ في الكرامة، أن تُجلِسَ الضيف ثمَّ تقرِّبَ الطعامَ إليه وتحملَه إلى حضرته ولا تضعَ الطعام في ناحيةٍ ثمَّ تأمرَ ضيفَك بأن يتقرَّب إليه.

ومنها: أنه قال لهم: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ، وهذا عرضٌ وتلطُّفٌ في القول وهو أحسن من قوله: «كُلُوا» أو «مُدُّوا أيديَكم» ونحوها ممَّا يعلم الناس بعقولهم حُسْنَه ولطفَه.

ومنها: أنه إنما عرض عليهم الأكلَ لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدَّم لهم الطعام أكَلوا، وهؤلاء الضيوف لمَّا امتنعوا من الأكل قال لهم: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، ولهذا أَوْجَسَ منهم خِيفةً أي: أحسَّها وأضمرها في نفسه ولم يُبْدِها لهم.

فقد جمعت هذه الآية آدابَ الضيافة التي هي أشرفُ الآداب وكفى بها شرفًا وفخرًا».

[«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» للألوسي (١/ ٣٧٥)]