سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه (٢) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 12 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2020 م



سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه (٢)

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».

بتأمُّل هذا الترتيب، نجد تلك الأصناف بعضَها مع بعضٍ بمثابة المقدِّمات والنتائج، والأسباب ومسبَّباتها، والآثار ومؤثِّراتها، فما يشهد حقًّا بأنَّ كلَّ متعدِّداتٍ في الحديث النبويِّ مترابطةُ المعاني وإن اختلفت المباني.

ـ فالإمام العادل سيقيم مجتمعًا فاضلًا ولاسيَّما وهو في ذاته عدلٌ أي: مستقيمٌ، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر مقيمٌ للصلاة ومؤتٍ للزكاة، ومن الأمر بالمعروف: إقامة محاسن التشريع، ومن النهي عن المنكر: إقامة الحدود، سيكون مجتمعه حقًّا فاضلًا تنشأ فيه النشأة، ويشبُّ فيه الشباب على هذا المنهج في عبادة الله.

ـ ومِن أخصِّ تلك النشأة ارتيادُ المساجد حفاظًا على الصلوات في الجماعة، ومن كان هذا حاله من أوَّل نشأته لا شكَّ أنه سيتعلَّق قلبُه بالمساجد، ومن تعلَّق قلبه بالمساجد داوم على ارتيادها، وكان من لوازم ذلك التعارف على المصلِّين ومحبَّتُهم والشعور بالإخاء معهم، فينتج قطعًا التحابُّ في الله، لأنهم جميعًا مثله ما جاؤوا إلى المساجد إلَّا لِما جاء هو إليه، وهو ابتغاءُ وجه الله، وإلى هنا قوي وجه الارتباط، وظهر مدى هذا التأثير في تكوين أفراد المجتمع.

ـ وأمَّا من دَعَتْه امرأةٌ فتعفَّف عنها، فإنَّ عِفَّته عنها لم تأتِ عفوًا بل بعد مغالبةِ الغريزة والفطرة ولا يغلب الغرائزَ إلَّا ما كان أقوى منها، ولا يكون إلَّا الإيمان بالله والخوف من الله، ولا يورِّث هذا إلَّا تلك الصلوات في تلك المساجد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ[العنكبوت: ٤٥].

ـ وكذلك إخراج المال في غير معاوضةٍ، وتخطِّي غريزة الشحِّ، وجِبِلَّة حبِّ الثناء كان من تلك المؤثِّرات، ومن قدر على مغالبة الغريزة الجنسية فهو على غيرها أقوى، وهل من يستطيع ذلك كلَّه يكون غافلًا عن ذكر الله في السرِّ والعلانية؟ لا، وكلَّا، وهكذا فكلُّ صفةٍ في صنفٍ تؤثِّر في الصنف الذي يليها.

[«ترطيب الأفواه» للعفاني (١/ ٤٨)]